نظم موقع «مصر بكرة» مؤتمره الثاني تحت عنوان «الاستثمار في مصر.. التحديات والفرص»، بمشاركة نخبة من الوزراء والمسؤولين السابقين والخبراء ورجال الأعمال والمتخصصين، لمناقشة واقع الاستثمار في السوق المصرية، والفرص المتاحة أمام المستثمرين، والعقبات التي تحول دون تحويل كثير من الفرص إلى مشروعات حقيقية.
وجاء المؤتمر ليطرح مجموعة من الملفات المرتبطة بمناخ الاستثمار، بداية من الإجراءات والتشريعات المنظمة لعمل المستثمرين، مرورا بفرص الاستثمار في القطاعات المختلفة، وصولا إلى دور القطاع الخاص ورواد الأعمال في دعم الإنتاج وخلق فرص العمل. كما شكلت جلسات المؤتمر مساحة للحوار حول كيفية بناء بيئة أعمال أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتحقيق استفادة أكبر من الإمكانات التي تمتلكها مصر.
وخلال المناقشات، برز اتفاق واسع بين المشاركين على أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعدم الاكتفاء بتقديم الحوافز الاستثمارية، وإنما العمل بالتوازي على توفير بيئة مستقرة وواضحة تساعد المستثمر على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وركزت المداخلات على أهمية سرعة الإجراءات، وتيسير الحصول على التراخيص والخدمات، وتوفير المعلومات، إلى جانب استمرار تطوير البنية الأساسية والتشريعات بما يتناسب مع احتياجات السوق.
فياض عبد المنعم: دعم القطاع الخاص أصبح ضرورة لتعزيز الاستثمار
وفي هذا السياق، أكد الدكتور فياض عبد المنعم، وزير المالية الأسبق، أن الاقتصاد المصري بدأ يستعيد قدرا من التوازن والتعافي، مشددا على أن دعم القطاع الخاص أصبح ضرورة لتعزيز الاستثمار وتحقيق معدلات نمو أكثر استدامة. وأوضح أن القطاع الخاص يمتلك إمكانات وخبرات تسمح له بالتوسع في المشروعات وزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل، وهو ما يجعل مشاركته عنصرا رئيسيا في المرحلة المقبلة.
وأشار عبد المنعم إلى أن جذب الاستثمارات يتطلب مواصلة تحسين بيئة الأعمال وتيسير الإجراءات، إلى جانب تحقيق قدر أكبر من الوضوح والاستقرار في السياسات الاقتصادية، بما يمنح المستثمر القدرة على التخطيط واتخاذ قرارات تمتد لسنوات. كما دعا إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية وتعميق الصناعة وزيادة الاعتماد على المكونات المحلية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة المتغيرات الخارجية ويقلل الضغوط المرتبطة بالموارد الأجنبية.
من جانبه، ركز المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، على قطاع الطاقة باعتباره أحد المجالات التي تحمل فرصا استثمارية مهمة خلال الفترة المقبلة، مشيرا إلى أن التوسع في الطاقة المتجددة لم يعد خيارا ثانويا، وإنما أصبح ضرورة مرتبطة بمستقبل منظومة الطاقة في مصر.
وأوضح كمال أن مصر تمتلك مقومات وبنية أساسية تسمح بالتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تحتاج إلى زيادة حجم الاستثمارات وإزالة أي عقبات قد تواجه تنفيذ المشروعات.
ولفت إلى أن الاستثمار في الطاقة المتجددة لا يقتصر أثره على توفير مصادر جديدة للطاقة، وإنما يمكن أن يساهم في جذب استثمارات جديدة وخلق فرص عمل ودعم النمو الاقتصادي، فضلًا عن تعزيز قدرة مصر على تنويع مزيج الطاقة، ولم تغب ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة عن أجندة المؤتمر، باعتبارها أحد المسارات المهمة لتوسيع قاعدة الاستثمار وإيجاد فرص عمل جديدة.
توفير الدعم الفني والاستشاري
وأكد الدكتور محمد البيسي، خبير الاستثمار وريادة الأعمال، أن الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة تمتلك فرصا كبيرة للمساهمة في الاقتصاد، لكن قدرتها على النمو تحتاج إلى بيئة أكثر دعما، تشمل تبسيط الإجراءات، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتوفير الدعم الفني والاستشاري.
وأشار البيسي إلى أن جذب الاستثمار لا يرتبط فقط بالحوافز، وإنما يتطلب أيضا بيئة أعمال مستقرة ومعلومات واضحة وإجراءات سريعة، مؤكدا أهمية منح مساحة أكبر للقطاعات القائمة على التكنولوجيا والابتكار، باعتبارها قادرة على خلق نماذج أعمال جديدة وفتح مجالات أوسع أمام الشباب.
وفي الاتجاه نفسه، أكد الدكتور هاني عبيد، عضو اتحاد الصناعات واستشاري ريادة الأعمال والتخطيط الاستراتيجي، أن الجمع بين الصناعة وريادة الأعمال يمكن أن يمثل فرصة مهمة لزيادة الإنتاج المحلي ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية. وأشار إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة تحتاج إلى برامج تمويل ودعم فني تساعدها على الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مشروع قادر على الاستمرار والتوسع.
وشدد عبيد على أهمية وجود رؤية واضحة لتحديد القطاعات ذات الأولوية وربط الاستثمارات باحتياجات السوق وفرص التصدير، موضحا أن التكنولوجيا والابتكار أصبحا جزءا أساسيا من تطوير القطاعات الإنتاجية وليس مجرد عنصر إضافي.
جلسات المؤتمر الاقتصادي
وتوزعت أعمال المؤتمر على خمس جلسات ناقشت جوانب مختلفة من ملف الاستثمار، وركزت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان «الاستثمار في مصر.. أين نقف وإلى أين نذهب؟»، على قراءة الوضع الحالي لمناخ الاستثمار واستشراف اتجاهاته خلال الفترة المقبلة، بمشاركة عدد من الوزراء السابقين والخبراء، من بينهم الدكتور فياض عبد المنعم، والمهندس أسامة كمال، والدكتور هاني محمود، والدكتور ممدوح الدماطي.
أما الجلسة الثانية، فجاءت تحت عنوان «ما هي فرص الاستثمار في مصر؟»، وركزت على القطاعات الواعدة والمجالات التي يمكن أن تمثل نقاط جذب جديدة للاستثمارات، بينما ناقشت الجلسة الثالثة، «المستثمرون ورجال الأعمال. من الفرصة إلى المشروع»، التحدي الأكثر أهمية بالنسبة لكثير من المستثمرين، وهو الانتقال من الإعلان عن الفرص إلى تنفيذ مشروعات حقيقية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد.
وناقشت الجلسة الرابعة، «التشريعات الاستثمارية.. ماذا يحتاج المستثمر؟»، الإطار القانوني والتنظيمي للاستثمار، مع التركيز على مطالب مجتمع الأعمال المتعلقة بتسهيل الإجراءات وتقليل العقبات وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار والوضوح.
واختتمت جلسات المؤتمر بجلسة «الخبراء والمتخصصون.. استثمر بكرة: أين فرص البناء والتنمية؟»، التي طرحت رؤى حول القطاعات التي يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
ومن خلال المناقشات المختلفة، بدا أن التحدي لا يتمثل فقط في وجود فرص استثمارية، وإنما في القدرة على تحويل هذه الفرص إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والاستمرار، فوجود قطاع واعد أو سوق كبيرة لا يكفي وحده لجذب المستثمر، ما لم يصاحبه وضوح في الإجراءات وسرعة في تقديم الخدمات واستقرار في السياسات وقدرة على الوصول إلى التمويل والموارد اللازمة.
كما برزت أهمية استمرار الحوار بين الحكومة ومجتمع الأعمال والخبراء ورواد الأعمال، ليس فقط للاستماع إلى المشكلات، وإنما للوصول إلى حلول قابلة للتطبيق، فالفجوة بين متطلبات المستثمر والإجراءات الحكومية لا يمكن تقليصها إلا من خلال تواصل مستمر يسمح بفهم التحديات من واقع التجربة العملية، ويتيح تطوير السياسات بما يتناسب مع احتياجات السوق.
ويعكس تنظيم المؤتمر في نسخته الثانية توجها نحو فتح مساحات أوسع للنقاش حول مستقبل الاقتصاد والاستثمار، بعيدا عن الاكتفاء بتشخيص المشكلات، فالرسالة الأساسية التي خرجت بها المناقشات تتمثل في أن مصر تمتلك فرصا استثمارية في قطاعات متعددة، لكن الاستفادة منها تتطلب تكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والمستثمرين ورواد الأعمال.







