ارتفاع تكلفة الإنتاج يضغط على الصناعة المصرية.. هل تتراجع القدرة على المنافسة؟

تواجه الصناعة المصرية مشكلة متزايدة تتمثل في ارتفاع تكلفة الإنتاج، في وقت تستهدف فيه الدولة زيادة الإنتاج والصادرات وتعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتظهر أحدث المؤشرات أن الشركات لا تزال تواجه ضغوطا من ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والطاقة والنقل، بالتزامن مع ضعف الطلب، وهو ما يضع الصناعة أمام تحد مزدوج يتمثل في الحفاظ على قدرتها على الإنتاج والمنافسة في الوقت نفسه.

وأظهر مؤشر مديري المشتريات الصادر عن «إس آند بي جلوبال» أن نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر عاد إلى الانكماش خلال سبتمبر 2026، بعدما تراجع المؤشر إلى 47.2 نقطة مقابل 49.6 نقطة في أغسطس، ليظل دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.

وأشارت نتائج المسح إلى انخفاض الإنتاج والطلبات الجديدة، بينما استمرت ضغوط تكاليف التشغيل.

الطاقة تضيف ضغطا جديدا

تعد تكلفة الطاقة أحد أبرز مكونات تكلفة الإنتاج، خصوصا في الصناعات كثيفة الاستهلاك، ووفقا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1306 لسنة 2026، بدأ اعتبارا من أول مايو العمل بأسعار جديدة للغاز الطبيعي المورد لعدد من الأنشطة الصناعية، بواقع 14 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لصناعة الأسمنت، و7.75 دولار للحديد والصلب والأسمدة غير الأزوتية والبتروكيماويات، و6.75 دولار لجميع الأنشطة الصناعية الأخرى، مع استمرار بعض العقود التي تتم محاسبتها وفقا لمعادلات سعرية خاصة بها.

ويأتي ذلك في وقت أظهرت فيه نتائج مؤشر مديري المشتريات استمرار ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج لدى شركات القطاع الخاص غير النفطي، مع الإشارة إلى ضغوط مرتبطة بأسعار النفط والمعادن والكهرباء والنقل. كما دفعت هذه الضغوط الشركات إلى زيادة أسعار البيع، وإن كانت وتيرة الزيادة قد تباطأت قليلا مقارنة بشهر أغسطس.

المشكلة لا تتوقف عند تكلفة المصنع

ارتفاع تكلفة الإنتاج لا يمثل مشكلة منفصلة عن حركة الطلب، فالشركة أمام خيارات محدودة عندما ترتفع تكاليف التشغيل؛ إما أن تتحمل الزيادة، وهو ما يضغط على هامش أرباحها، أو تمرر جزءا منها إلى سعر المنتج، وهو ما قد يضعف الطلب في الأسواق التي تتسم بحساسية الأسعار.

وتظهر بيانات مؤشر مديري المشتريات أن هذه المشكلة تتزامن بالفعل مع انخفاض الإنتاج والطلبات الجديدة في سبتمبر، ما يجعل مسألة السيطرة على التكلفة أكثر أهمية بالنسبة للشركات التي تحاول الحفاظ على نشاطها في ظل ضعف الطلب.

الصادرات أمام اختبار التكلفة

وتزداد أهمية تكلفة الإنتاج عندما يتعلق الأمر بالصادرات، لأن المنتج المصري ينافس منتجات من دول أخرى في الأسواق الخارجية.

وتشير أحدث بيانات «بارومتر الأعمال» الصادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى أن مؤشر الصادرات المصرية تراجع إلى 42 نقطة خلال الربع الأول من 2026، قبل أن يتحسن إلى 49 نقطة في الربع الثاني، لكنه ظل دون مستوى التعادل البالغ 50 نقطة.

وأوضح المركز أن تعافي التصدير يرتبط باستعادة قوة الصناعة التحويلية وإزالة المعوقات أمام الإنتاج، مع استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف الإنتاج والطاقة واللوجستيات.

وهنا تظهر أهمية خفض تكلفة الإنتاج بالنسبة للصناعة المصرية، ليس فقط للحفاظ على هامش ربح مناسب، وإنما أيضا لتعزيز قدرة المنتجات المحلية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

المعادلة الصعبة أمام الصناعة

المشكلة الاقتصادية الأساسية ليست في ارتفاع تكلفة واحدة فقط، وإنما في تراكم مجموعة من عناصر التكلفة في الوقت نفسه، بينما يظل الطلب عاملا حاسما في قدرة الشركات على تمرير الزيادات إلى المستهلك.

وتشير هذه المعطيات إلى أن دعم تنافسية الصناعة المصرية يحتاج إلى التعامل مع تكلفة الإنتاج باعتبارها ملفا متكاملا يشمل الطاقة والخامات والنقل واللوجستيات، بالتوازي مع العمل على زيادة الإنتاجية وتحسين بيئة الأعمال.

فكلما ارتفعت تكلفة إنتاج السلعة المصرية، أصبح الحفاظ على قدرتها التنافسية أكثر صعوبة، بينما يمثل تحسن الإنتاجية واستقرار تكاليف التشغيل عاملا أساسيا أمام هدف زيادة الإنتاج والصادرات.

وفي النهاية ارتفاع تكلفة الإنتاج أصبح تحديا اقتصاديا مباشرا أمام الصناعة المصرية، وتؤكد مؤشرات القطاع الخاص والصادرات أن معالجة هذه المشكلة لا ترتبط بسعر المنتج فقط، وإنما بقدرة المصنع على إنتاج سلعة تنافسية بتكلفة تسمح له بالاستمرار والتوسع داخل السوق المحلية والخارجية.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *