لم يعد ارتفاع الدين العالمي مجرد رقم يظهر في تقارير المؤسسات الاقتصادية، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في الاقتصاد الدولي، ومع وصول الدين العالمي إلى 100%، بات السؤال الحقيقي ليس: كم يبلغ الدين؟ بل: من سيدفع ثمن هذا الدين، وكيف؟
إن بلوغ الدين العالمي نحو 100% من الناتج العالمي يحمل دلالة رمزية واقتصادية كبيرة، فهذا يعني أن حجم الالتزامات المتراكمة يقترب من قيمة ما ينتجه الاقتصاد العالمي خلال عام كامل، صحيح أن مقارنة الدين بالناتج لا تعني أن العالم مطالب بسداد جميع ديونه دفعة واحدة، كما أن الدين العام والخاص يختلفان من دولة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام يكشف عن مشكلة لا يمكن تجاهلها.
المفارقة أن الاقتراض كان في أوقات كثيرة جزءا من الحل، فقد لجأت الحكومات إلى الاستدانة لمواجهة الأزمات، وتمويل البنية التحتية، وحماية الوظائف، وتحفيز النشاط الاقتصادي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاقتراض من وسيلة لتمويل الاستثمار والنمو إلى آلية دائمة لسد العجز القديم وتمويل الإنفاق الجاري، عندها يصبح الاقتصاد أشبه بمن يدفع فاتورة قديمة ببطاقة ائتمان جديدة.
الأكثر إثارة للقلق أن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل خدمة الدين أكثر تكلفة، فالدول التي تنفق جزءا متزايدا من إيراداتها على فوائد الديون تجد نفسها أمام خيارات صعبة: رفع الضرائب، تقليص الإنفاق، زيادة الاقتراض أو التضحية بالاستثمار، وفي الدول النامية، تكون التداعيات أشد قسوة، لأن ارتفاع تكلفة التمويل قد يأتي على حساب التعليم والصحة والبنية الأساسية، وهي القطاعات التي تحتاج إليها هذه الدول لتحقيق نمو مستدام.
ولا يمكن تحميل الحكومات وحدها مسؤولية الأزمة، فالقطاع الخاص والشركات والأسر راكمت بدورها مستويات مرتفعة من الديون في عدد من الاقتصادات، وحين تتزامن الديون المرتفعة مع تباطؤ النمو أو حدوث صدمة اقتصادية، يمكن أن تنتقل المشكلة بسرعة من ميزانيات خاصة إلى القطاع المصرفي ثم إلى الاقتصاد بأكمله.
من وجهة نظري، لا تكمن الإجابة في الدعوة إلى خفض الدين بأي ثمن، الدين ليس شرا في حد ذاته، لكن المشكلة في الدين غير المنتج، حيث أن الاقتراض الذي يمول مصنعا أو شبكة نقل أو تكنولوجيا جديدة قد يخلق قدرة مستقبلية على السداد، بينما الاقتراض الذي يذهب إلى إنفاق لا يضيف قيمة اقتصادية بل يراكم المشكلة فقط.
لذلك يحتاج العالم إلى مقاربة أكثر عقلانية: ضبط الإنفاق غير الضروري، تحسين كفاءة الضرائب، إعادة هيكلة الديون المتعثرة، وتشجيع الاستثمارات التي ترفع الإنتاجية، كما ينبغي للمؤسسات المالية الدولية أن تمنح الدول الأكثر هشاشة مساحة أكبر لإعادة ترتيب التزاماتها بدل دفعها إلى دوامة اقتراض جديدة.
وفي النهاية، يجب القول أن أزمة الدين العالمي ليست قنبلة ستنفجر في يوم محدد، لكنها تراكم بطيء للمخاطر، وكلما تأخر العالم في التعامل معها، أصبحت تكلفة التصحيح أكبر، والتحدي الحقيقي ليس الوصول إلى رقم سحري للدين، وإنما ضمان ألا يتحول دين الحاضر إلى فاتورة ثقيلة يدفعها اقتصاد المستقبل.







