في الاقتصاد، لا تكمن المشكلة في البحث عن الدولار بقدر ما تكمن في السؤال الأهم: كيف نصنع موارد مستدامة من العملة الصعبة؟ فالدولار الذي يدخل الاقتصاد نتيجة تصدير منتج مصري، أو جذب سائح، أو إنشاء مصنع جديد للتصدير، يختلف تمامًا عن الدولار الذي يأتي في صورة تمويل مؤقت أو تدفقات مرتبطة بظرف استثنائي.
وهنا أعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير طريقة التفكير في ملف العملة الأجنبية، من إدارة النقص إلى زيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارده بنفسه.
التصدير ماكينة العملة الصعبة
أحد أهم مفاتيح الحل هو التصدير، فمصر لا تحتاج فقط إلى زيادة قيمة صادراتها، وإنما إلى تغيير تركيبتها، بحيث ننتقل تدريجيًا من تصدير المواد الأولية والمنتجات منخفضة القيمة المضافة إلى منتجات صناعية وزراعية وغذائية وتكنولوجية تحمل قيمة أكبر.
فكل مصنع جديد قادر على المنافسة في الأسواق الخارجية لا يوفر فرص عمل فقط، وإنما يصبح في الوقت نفسه مصدرًا مستدامًا للدولار.
السائح والمستثمر
السياحة تمثل موردًا آخر للعملة الأجنبية، لكن الأهم من زيادة أعداد السائحين هو زيادة متوسط إنفاق السائح وإطالة مدة إقامته، وتحويل المقصد السياحي المصري إلى تجربة متكاملة تستفيد منها الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات.
أما الاستثمار الأجنبي، فلا يجب أن نقيس نجاحه فقط بحجم الأموال التي دخلت البلاد، وإنما بما يتركه من مصانع وإنتاج وصادرات وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا.
والمستثمر الذي ينشئ مصنعًا ينتج للسوق المحلية ويصدر للخارج، يساعد في توفير الدولار مرتين: مرة من خلال التصدير، ومرة أخرى عبر تقليل الحاجة إلى استيراد المنتج نفسه.
السؤال الذي يجب أن نطرحه
أعتقد أن مصر تمتلك بالفعل العديد من مصادر العملة الصعبة، من السياحة والصادرات وتحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس والاستثمار والخدمات.
لكن التحدي الحقيقي هو: كيف نجعل هذه المصادر أكبر وأكثر استدامة؟
فالاقتصاد القوي ليس الذي يبحث كل يوم عن الدولار، وإنما الذي يستطيع إنتاج الدولار من نشاطه الاقتصادي.
وهنا يجب أن يصبح السؤال في كل مشروع جديد: كم فرصة عمل سيوفر؟ وكم منتجًا سيصدر؟ وكم دولارًا سيدخل الاقتصاد؟ وكم سلعة يمكن أن ينتجها محليًا بدلًا من استيرادها؟
إذا نجحنا في تحويل هذه الأسئلة إلى معيار حقيقي لتقييم الاستثمارات والسياسات الاقتصادية، فسننتقل تدريجيًا من اقتصاد يبحث عن العملة الصعبة إلى اقتصاد يصنعها.
وهذه، في رأيي، هي المعركة الاقتصادية الأهم في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تضرب العالم حاليًا، والتي ألقت بظلالها على أسواق العملات، في وقت يدور فيه سعر صرف الدولار حول 52.4 جنيهًا في البنوك.
بقلم/ أحمد عبدالمنعم







