لماذا ترتفع أسعار العقارات رغم تراجع القدرة الشرائية؟

في سوق يبدو وكأنه يسير عكس منطق الاقتصاد، يواصل العقار المصري صعوده بينما يتراجع المواطن في قدرته على الشراء، الأرقام تكشف مفارقة مؤلمة: الأسعار ترتفع، لكن ليس لأن الناس أغنى، بل لأن التكلفة أصبحت أكبر، والبدائل أصبحت أقل، والخوف من المستقبل أصبح أقوى.

 وحدة لا يشتريها من يسكنها

في عام 2000، كان دخل حديث التخرج من الجامعة كافيًا لشراء متر إلى مترين من العقار شهريًا، في 2024، لم يعد ذلك الدخل يكفي لشراء أكثر من 10 إلى 20 سنتيمترًا فقط، هذا التحول الجذري في العلاقة بين الدخل والسعر يختصر جوهر الأزمة: العقار لم يعد سلعة تُقاس بقدرة المواطن على الشراء، بل أصبح ورقة مالية تُقاس بقدرتها على حفظ القيمة.

البيانات الرسمية لا تختلف كثيرًا، معدل التضخم السنوي في المدن المصرية بلغ 14.9% في يوليو 2026 ، بينما تشير تقديرات بنك دويتشه إلى أن الرواتب في القاهرة بالدولار تراجعت بنسبة 40% منذ عام 2020، لتبلغ نحو 165 دولارًا شهريًا، الأجور ترتفع اسميًا، لكنها لا تلحق بالأسعار، والقدرة الشرائية الحقيقية رغم تحسنها المحدود في الأشهر الأخيرة ، لا تزال أدنى من مستويات ما قبل 2022.

ومع ذلك، تستمر أسعار العقارات في الارتفاع، ليس لأن المشترين أكثر قدرة، بل لأن عوامل أخرى تدفع السعر صعودًا بصرف النظر عن قدرتهم.

 التمويل ليس تسهيلًا بل تكلفة خفية

يبدو التقسيط الطويل للوهلة الأولى حلاً لتمكين المشترين ذوي الدخل المحدود من تملك وحدة سكنية، لكن الأرقام تكشف حقيقة أخرى.

تشير تقديرات خبراء السوق إلى أن أسعار العقارات قد ترتفع بنسبة تصل إلى 50% بسبب أعباء التقسيط الممتدة،  وحدة يعلن عن سعرها بعشرة ملايين جنيه بالتقسيط قد يكون سعرها النقدي الحقيقي خمسة ملايين فقط،  الفارق ليس ربحًا للمطور فحسب، بل ثمن يدفعه المشتري مقابل تأجيل الدفع على مدى قد يصل إلى 15 عامًا .

يقول نجيب ساويرس إن فترات السداد الممتدة أشبه بـ”كابوس”، حيث قد تصل الفوائد إلى 25%، لتشكل وحدها نحو 70% من سعر الوحدة، هذه الفوائد لا تُعلن دائمًا بشكل مباشر، بل تُدمج في السعر الإجمالي، فيبدو المشتري وكأنه يشتري وحدة بسعر السوق، بينما هو في الحقيقة يشتري وحدة بسعرها الحقيقي مضافًا إليه كلفة تمويل طويلة الأجل.

النتيجة أن سعر العقار المعلن لم يعد يعكس قيمته السوقية الفعلية، بل أصبح مركّبًا من تكلفة البناء + هامش الربح + عبء التمويل، والقدرة الشرائية للمواطن تقاس على السعر النهائي، لا على السعر الحقيقي.

الدولار يهدأ.. والعقار لا

كان من المفترض أن يؤدي استقرار سعر الصرف إلى تهدئة أسعار العقارات، فالمطورون يبررون الزيادات بانتظام بارتفاع تكاليف مواد البناء المستوردة وتقلبات العملة، لكن سعر الصرف استقر رسميًا عند نحو 47.5 جنيه للدولار، بينما واصلت أسعار الوحدات قفزاتها .

التفسير بسيط ومقلق في الوقت نفسه: المطورون لا يخفضون الأسعار لأنهم لا يستطيعون، كثير منهم اشترى الأراضي وبدأ التنفيذ في فترات كانت فيها تكلفة الدولار أعلى بكثير في السوق الموازية، حين تجاوز سعره 65 جنيهًا، وعندما انخفض سعر الصرف الرسمي، لم تتراجع تكاليفهم الفعلية، لأنهم اشتروا بالأسعار المرتفعة، فيسعّرون اليوم على أساس التكلفة التاريخية، لا على أساس السعر الحالي للدولار.

هذا الجمود السعري يعني أن المواطن يدفع ثمن صدمة سعر الصرف حتى بعد أن هدأت الصدمة نفسها، وكأن فاتورة الأزمة تُسدَّد على أقساط طويلة، بينما القدرة الشرائية تنكمش في الوقت الحقيقي.

 سوق لا يخاطب من يحتاج السكن

تكشف بيانات السوق عن خلل هيكلي أعمق من مجرد ارتفاع الأسعار، هناك تركيز واضح في المعروض على الوحدات الموجهة لذوي الدخول المرتفعة، مقابل عجز مزمن في وحدات الإسكان المتوسط، بينما يتوسع المعروض من الفلل والوحدات الفاخرة والمشروعات المتكاملة، تتراجع نسبة الوحدات الصغيرة والمتوسطة التي تناسب الدخل الحقيقي للأسر .

النتيجة أن المواطن متوسط الدخل يجد نفسه أمام خيارين: إما وحدة تفوق قدرته بكثير، فيلجأ إلى التقسيط الممتد الذي يضاعف التكلفة، أو لا يجد وحدة تناسبه أصلًا، وكثيرًا ما يختار الخيار الأول، ليس لأنه قادر، بل لأن البديل هو الانتظار في سوق ترتفع أسعاره باستمرار.

الوزير شريف الشربيني أشار إلى أن وحدات الإسكان فوق المتوسط تُباع بسعر التكلفة تقريبًا دون أرباح، لكن حتى “سعر التكلفة” في ظل الظروف الحالية أصبح أعلى من قدرة شريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الفائدة على مبادرات التمويل العقاري من 3% إلى 8% لمحدودي الدخل، ومن 8% إلى 12% لمتوسطي الدخل .

 العقار كملاذ أخير

في غياب بدائل استثمارية آمنة، يتحول العقار إلى الملاذ الأول لحفظ القيمة، هذه ليست ظاهرة مصرية فريدة، لكنها تتفاقم في اقتصاد يشهد تضخمًا مرتفعًا وتقلبات في العملة.

يقول المهندس محمد الطاهر إن العقار “لم يكن يومًا منتجًا سكنيًا فقط، بل ظل دائمًا أحد أهم أدوات الاستثمار وحفظ القيمة”، عندما يشعر المواطن أن مدخراته تذوب، وأن الجنيه يفقد قوته الشرائية، يصبح شراء العقار قرارًا دفاعيًا أكثر منه قرارًا استهلاكيًا، حتى لو كانت الوحدة تفوق احتياجه، وحتى لو كان سعرها مرتفعًا، فهي على الأقل تحفظ ما تبقى من قيمة مدخراته.

هذا الطلب التحوطي يضيف ضغطًا على الأسعار لا علاقة له بقدرة المواطن على الشراء، بل بمخاوفه من المستقبل، والنتيجة أن السوق يستمر في الارتفاع حتى عندما يتراجع الطلب الحقيقي على السكن.

 الطلب الحقيقي الذي لا ينتظر

في الخلفية، يتحرك عامل لا يمكن تجاهله: النمو السكاني، تشير التقديرات إلى أن عدد سكان مصر يتزايد بنحو مليون ونصف إلى مليونين ونصف مليون نسمة سنويًا ، مع نحو مليون حالة زواج سنويًا، هذا يعني أن مئات الآلاف من الأسر الجديدة تحتاج إلى سكن كل عام، بصرف النظر عن الأسعار.

هذا الطلب لا ينتظر تحسن القدرة الشرائية، ولا يستطيع التأجيل إلى الأبد، الأسرة التي تتكون اليوم تحتاج إلى مسكن اليوم، حتى لو كان ذلك يعني قبول سعر أعلى أو تقسيط أطول أو موقع أبعد، وهذا الطلب غير المرن يمنح المطورين قدرة على الاستمرار في التسعير عند مستويات مرتفعة، لأن هناك دائمًا من سيضطر إلى الشراء.

 سوق يعمل بمنطق خاص

ارتفاع أسعار العقارات رغم تراجع القدرة الشرائية ليس مفارقة، بل نتيجة طبيعية لسوق يعمل بمنطق مختلف عن منطق السلع العادية، السعر هنا لا يتحدد فقط بقدرة المشتري، بل بتكلفة المطور، وعبء التمويل، ومخاوف المستثمر، وضغط الطلب الديموغرافي، وغياب البدائل.

هذه العوامل مجتمعة تخلق وضعًا يستمر فيه السعر في الارتفاع حتى عندما تصبح الوحدة السكنية أبعد من أي وقت مضى عن متناول من يحتاجها فعلاً، والسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الأسعار ستنخفض، فحتى الخبراء يتفقون على أن الانخفاض غير مرجح، السؤال الأصعب هو: إلى متى يمكن لهذا الانفصال بين السعر والقدرة أن يستمر قبل أن يفرض السوق توازنًا جديدًا، ربما ليس عبر انخفاض الأسعار، بل عبر تغيير جذري في شكل السكن نفسه؟

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *