تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
الفكرة الرئيسية
«لعبة الأمم» ليس كتابًا تقليديًا في العلاقات الدولية، ولا دراسة أكاديمية باردة عن السياسة الخارجية، وإنما شهادة كتبها رجل عمل داخل عالم الاستخبارات الأمريكية، وحاول من خلالها أن يكشف كيف تُدار السياسة الدولية من وراء الستار، وكيف تتداخل المصالح السياسية مع المعلومات السرية والاتصالات الشخصية والضغوط الدبلوماسية والعمل الاستخباراتي.
يقوم الكتاب على فكرة أن السياسة الدولية لا تتحرك دائمًا بالصورة التي يراها الجمهور. فما يبدو على السطح قرارًا سياسيًا معلنًا، قد تكون خلفه اتصالات ومفاوضات وضغوط ومحاولات للتأثير في الأشخاص والأنظمة.
ومن هنا جاء عنوان الكتاب؛ فـ«لعبة الأمم» تصور العالم باعتباره ساحة تتحرك فيها الدول والقوى والأجهزة والشخصيات وفق حسابات المصالح والقوة، بينما لا يرى الجمهور سوى جزء محدود من الصورة.
والكتاب الأصلي، «The Game of Nations: The Amorality of Power Politics»، صدر عام ١٩٦٩، ويركز بصورة خاصة على الشرق الأوسط، وعلى مصر خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وعلى طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والقوى السياسية في المنطقة.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
مايلز كوبلند لم يكن مراقبًا من بعيد، فهو عمل في جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية، وارتبط خلال مسيرته المهنية بالشرق الأوسط، وهو ما منحه معرفة مباشرة ببعض دوائر صنع القرار الأمريكي وبطريقة عمل الأجهزة والمبعوثين والدبلوماسيين.
ومن هذه الخلفية جاء الكتاب باعتباره محاولة للكشف عن عالم يرى المؤلف أنه ظل لفترات طويلة بعيدًا عن أعين الجمهور، لكن أهمية الكتاب لا تأتي فقط من المعلومات التي يسردها، وإنما أيضًا من موقع صاحبه؛ فالقارئ لا يقرأ رواية مؤرخ يدرس الأحداث بعد عقود، وإنما يقرأ شهادة رجل كان جزءًا من المؤسسة التي يتحدث عنها.
وهذا يمنح الكتاب قيمة خاصة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على القارئ قدرًا من الحذر؛ فالشهادة الشخصية، مهما كانت أهميتها، تظل وجهة نظر صاحبها وتحتاج إلى مقارنتها بالمصادر والوثائق الأخرى.
السياسة الدولية خلف الستار
ينطلق كوبلند من تصور بسيط لكنه شديد التأثير: أن السياسة التي تظهر أمام الجمهور ليست دائمًا السياسة التي تجري داخل الغرف المغلقة، فالدول تعلن مواقفها، لكنها في الوقت نفسه تتفاوض سرًا، وتبعث رسائل غير معلنة، وتحاول التأثير في خصومها وحلفائها.
والاستخبارات في هذا السياق لا تعمل فقط على جمع المعلومات، وإنما قد تصبح إحدى الأدوات التي تستخدمها الدولة لفهم اللاعبين السياسيين والتأثير في الأحداث؛ ولهذا تبدو السياسة في الكتاب أقرب إلى لعبة متعددة الأطراف؛ لا يوجد فيها لاعب واحد يتحكم بكل شيء، وإنما أطراف كثيرة تحاول معرفة نيات بعضها البعض، وتغيير موازين القوة بما يخدم مصالحها.
الشرق الأوسط في قلب اللعبة
يحتل الشرق الأوسط مساحة واسعة من الكتاب، لأن المنطقة كانت خلال العقود التي يغطيها الكتاب واحدة من أهم ساحات الصراع الدولي،فبعد الحرب العالمية الثانية، بدأت بريطانيا وفرنسا تفقدان جزءًا من نفوذهما التقليدي، بينما صعدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين عالميتين.
وفي الوقت نفسه كانت دول المنطقة تمر بمرحلة تحولات سياسية عميقة، مع صعود حركات التحرر الوطني، والانقلابات العسكرية، وتغير أنظمة الحكم، وتنامي التيارات القومية، وفي هذا السياق، لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة ذات أهمية جغرافية، وإنما أصبح جزءًا من الصراع الأكبر على النفوذ.
وهنا يضع كوبلند مصر وسوريا وإيران والعراق وغيرها من دول المنطقة داخل شبكة العلاقات الدولية التي كانت تتشكل في ذلك الوقت.
مصر وعبد الناصر
تحتل مصر مكانة خاصة في «لعبة الأمم»، فالكتاب ينظر إلى صعود جمال عبد الناصر بوصفه نموذجًا مهمًا لفهم العلاقة بين الزعيم الوطني والقوى الدولية، وكان عبد الناصر بالنسبة إلى الولايات المتحدة شخصية صعبة التصنيف؛ فهو ليس مجرد حليف يمكن استيعابه بسهولة، ولا خصمًا تقليديًا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي تتعامل بها واشنطن مع خصومها.
كان يمتلك مشروعًا قوميًّا، ويسعى إلى توسيع هامش استقلال القرار المصري والعربي، وفي الوقت نفسه كان يتحرك في بيئة دولية شديدة التعقيد، ولهذا يحاول كوبلند تفسير طبيعة التعامل الأمريكي مع عبد الناصر، وكيف كانت واشنطن تقرأ خطواته وتحاول التنبؤ بخياراته.
وتكشف هذه الأجزاء من الكتاب عن أهمية الشخصية السياسية في العلاقات الدولية، خاصة عندما يكون القائد قادرًا على المناورة بين القوى الكبرى.
جمال عبد الناصر في رواية كوبلند
يقدم الكتاب عبد الناصر من زاوية مختلفة عن تلك التي قد يجدها القارئ في السير الذاتية العربية أو الدراسات التاريخية المصرية، فكوبلند ينظر إليه من موقع رجل استخبارات أمريكي، أي من داخل منظومة كانت معنية بمعرفة نواياه ومصالحه وقدرته على التأثير.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع صورة عبد الناصر في الكتاب باعتبارها الصورة النهائية لشخصيته أو سياساته،إنها صورة صاغها رجل كان ينظر إلى الرئيس المصري من خلال سؤال مختلف: كيف يمكن فهمه والتعامل معه ضمن المصالح الأمريكية؟.
وهذه الزاوية تحديدًا تجعل الكتاب مهمًا، ليس لأنه يقدم الحقيقة الوحيدة، وإنما لأنه يكشف كيف كانت بعض دوائر القرار الأمريكية ترى المنطقة وشخصياتها.
إيران ومصدق
يمتد الكتاب أيضًا إلى إيران، حيث يناقش العلاقة بين الولايات المتحدة والحكومة الإيرانية في عهد محمد مصدق، وهي واحدة من أكثر القضايا شهرة في تاريخ التدخلات الاستخباراتية الأمريكية في الشرق الأوسط، ويضع كوبلند هذه الأحداث ضمن سياق أوسع يتعلق بالنفط والصراع على النفوذ والحرب الباردة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها تكشف كيف يمكن للمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية أن تتداخل في السياسة الخارجية، لكن هنا أيضًا يحتاج القارئ إلى الفصل بين رواية كوبلند وبين ما أثبتته الوثائق التاريخية اللاحقة، خصوصًا أن الكتاب نفسه ينتمي إلى زمن كانت فيه كثير من المعلومات الاستخباراتية لا تزال محاطة بالسرية.
سوريا والانقلابات
من أكثر الأجزاء إثارة للنقاش في الكتاب حديثه عن سوريا والانقلابات العسكرية، فكوبلند يروي تفاصيل عن محاولات أمريكية للتأثير في التطورات السياسية السورية، ويقدم رواية من داخل عالم الاستخبارات عن كيفية التعامل مع الشخصيات والقيادات العسكرية والسياسية.
وهذه الروايات جعلت الكتاب مصدرًا مهمًا للباحثين الذين يدرسون تاريخ التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تفرض ضرورة المقارنة بين روايات كوبلند والمصادر الأخرى، خاصة أن رواياته اللاحقة عن بعض العمليات لا تتطابق دائمًا بصورة كاملة مع ما ورد في «لعبة الأمم».
وهذه الملاحظة مهمة جدًا عند قراءة الكتاب؛ فالقيمة التاريخية لا تعني أن كل رواية فيه يجب أن تُقبل باعتبارها حقيقة نهائية.
الانقلاب كأداة سياسية
يقدم الكتاب صورة للعالم الذي كانت فيه الانقلابات العسكرية واحدة من أدوات الصراع السياسي، فبدلًا من انتظار تغير سياسي تدريجي، كانت القوى الخارجية في بعض الحالات تبحث عن شخصيات يمكن أن تصبح شريكًا لها في إعادة ترتيب النظام السياسي.
وهنا يطرح الكتاب سؤالًا شديد الأهمية: هل تستطيع دولة كبرى أن تصنع نظامًا سياسيًا في دولة أخرى وفق مصالحها؟، الإجابة التي يوحي بها الكتاب ليست بسيطة؛ فحتى عندما تمتلك دولة ما المال والمعلومات والأدوات الاستخباراتية، فإن المجتمع المحلي وشخصياته وتوازناته ومصالحه قد تسير في اتجاه مختلف تمامًا.
هل يمكن صناعة الزعيم؟
من الأفكار المثيرة في «لعبة الأمم» البحث عن «القائد الحقيقي»، فالسياسة الخارجية لا تتعامل فقط مع الدول والمؤسسات، وإنما تتعامل مع الأشخاص، ومن وجهة نظر الاستخبارات، يصبح السؤال: من هو الشخص القادر على قيادة الدولة؟ ومن يمكن التأثير فيه؟ ومن يمتلك قاعدة شعبية أو عسكرية تسمح له بالوصول إلى السلطة؟.
لكن التاريخ يكشف أن هذه الحسابات كثيرًا ما تكون ناقصة، فالشخص الذي يبدو مناسبًا في لحظة معينة قد يتحول بعد وصوله إلى السلطة إلى لاعب مستقل، وقد يرفض تنفيذ ما توقعته منه القوى الخارجية، وهنا تكمن إحدى مفارقات السياسة الدولية: محاولة التحكم في لاعب قد تنتهي بإنتاج لاعب جديد يصعب التحكم فيه.
أخلاق القوة
من أهم الأفكار التي يعطيها الكتاب مساحة واضحة مفهوم «أخلاق سياسة القوة»، فكوبلند يناقش عالمًا لا تتحرك فيه الدول بالضرورة وفق المبادئ الأخلاقية نفسها التي يتوقعها الأفراد في حياتهم اليومية، أما الدولة من وجهة النظر الواقعية التي يعرضها الكتاب، تبحث عن أمنها ومصالحها ونفوذها.
وهنا يطرح الكتاب إشكالية كبيرة: هل يمكن أن تكون هناك أخلاق في السياسة الدولية عندما تتعامل الدول مع مصالحها باعتبارها أولوية؟، لا يقدم الكتاب إجابة أخلاقية بسيطة، وإنما يعرض عالمًا يرى فيه المؤلف أن القوة والمصلحة عنصران أساسيان في صناعة القرار.
الغاية تبرر الوسيلة
لا يختزل كوبلند رؤيته ببساطة في مقولة «الغاية تبرر الوسيلة»، وإنما يحاول من خلال الكتاب وصف منطق مختلف يرى أن الدول تتحرك وفق حسابات القوة والمصلحة، وهذا يجعل الكتاب مثيرًا للنقاش؛ لأن القارئ قد يجد نفسه أمام سؤال أخلاقي أكثر اتساعًا: إذا كانت الدولة ترى أن حماية مصالحها تبرر بعض الوسائل، فأين تقف الحدود؟.
وهل ما تقبله دولة باعتباره ضرورة سياسية يمكن أن تعتبره دولة أخرى عدوانًا أو تدخلًا؟، هذه الأسئلة لا تخص زمن كوبلند وحده، وإنما لا تزال مطروحة في العلاقات الدولية.
الاستخبارات والسياسة
يقدم «لعبة الأمم» صورة مختلفة عن العلاقة بين الاستخبارات وصانع القرار، فالاستخبارات تجمع المعلومات، لكنها لا تعمل في فراغ؛ فالمعلومات تُرسل إلى مسؤولين، وهؤلاء يتخذون قرارات بناء عليها، وفي بعض الحالات يمكن أن تتحول الاستخبارات من أداة للمعلومات إلى أداة للتأثير.
وهنا تظهر المنطقة الرمادية التي يركز عليها الكتاب: متى تنتهي مهمة جمع المعلومات وتبدأ مهمة العمل السياسي؟، هذا السؤال من أهم الأسئلة التي تجعل «لعبة الأمم» كتابًا يتجاوز زمنه.
المعلومات ليست الحقيقة دائمًا
قد يبدو أن امتلاك المعلومات يمنح الدولة قوة مطلقة، لكن الكتاب يكشف بصورة غير مباشرة أن المعلومات نفسها قد تكون ناقصة أو قابلة للتفسير، فالاستخبارات تعتمد على مصادر بشرية، وتقارير، وتحليلات، وتقديرات.
والتقدير الخاطئ يمكن أن يؤدي إلى قرار خاطئ، حتى إذا كان لدى صانع القرار قدر كبير من المعلومات، وهنا تكمن مفارقة عالم الاستخبارات: كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة صحة القرار.
اللاعبون المحليون ليسوا قطع شطرنج
ربما تكون هذه من أهم الملاحظات التي يمكن أن يخرج بها القارئ من الكتاب، فعنوان «لعبة الأمم» قد يوحي بأن القوى الكبرى تحرك الدول الأصغر كما تحرك قطع الشطرنج، لكن الأحداث نفسها تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا.
فالقادة المحليون لديهم أهدافهم الخاصة، والجيوش لها مصالحها، والمجتمعات لها اتجاهاتها، والتيارات السياسية لا يمكن اختزالها في إرادة قوة خارجية واحدة، وقد تحاول قوة كبرى التأثير في حدث ما، لكنها لا تستطيع ضمان نتائجه بالكامل، وهذا يجعل السياسة الدولية أقرب إلى لعبة يتغير فيها الملعب نفسه أثناء اللعب.
الكتاب كشهادة من داخل المخابرات
من أهم عناصر قوة «لعبة الأمم» أن مؤلفه كان قريبًا من عالم الاستخبارات الأمريكية، وهذا يجعل الكتاب مصدرًا لا يمكن تجاهله عند دراسة صورة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة، لكن هذه الميزة نفسها تحتاج إلى قراءة نقدية.
فالرجل الذي كان داخل المؤسسة لا ينقل بالضرورة كل الحقيقة، وقد يختار ما يكشفه وما يخفيه، وقد يفسر الأحداث وفق تجربته وموقعه، ولهذا فإن أفضل طريقة لقراءة الكتاب هي اعتباره وثيقة من وثائق مرحلة معينة، وشهادة صاحبها، ثم مقارنته بالمصادر التاريخية الأخرى.
لماذا أثار الكتاب اهتمامًا كبيرًا؟
عندما صدر الكتاب في أواخر الستينيات، كان موضوع العمل الاستخباراتي لا يزال محاطًا بدرجة كبيرة من الغموض،ولهذا فإن نشر كتاب من رجل عمل في جهاز الاستخبارات الأمريكية وقدم رواية عن بعض العمليات والسياسات في الشرق الأوسط جذب اهتمامًا واسعًا.
كما أن الكتاب لم يكن يتحدث عن منطقة بعيدة عن الصراع العالمي، وإنما عن الشرق الأوسط، ومصر، وسوريا، وإيران، وهي قضايا كانت وما زالت في قلب السياسة الدولية، وهذا ساعد على بقاء الكتاب حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالاستخبارات والسياسة الخارجية.
بين الشهادة والتاريخ
أهم ملاحظة منهجية عند قراءة «لعبة الأمم» هي ضرورة الفصل بين ثلاثة أشياء: ما يقوله المؤلف عن تجربته، وما يفسره باعتباره محللًا، وما يمكن إثباته من مصادر تاريخية مستقلة، وهذا الفصل لا يقلل من قيمة الكتاب، بل يزيدها.
فالقارئ عندما يعرف أن أمامه شهادة من رجل استخبارات، يستطيع أن يسأل: ماذا يكشف المؤلف؟ ولماذا يكشفه؟ وكيف يرى الأحداث؟ وما الذي قد لا نراه بسبب موقعه؟، وهذه الأسئلة تجعل القراءة أكثر عمقًا من مجرد تصديق الرواية أو رفضها.
الكتاب ومصر اليوم
رغم أن الأحداث التي يناقشها الكتاب تنتمي أساسًا إلى مرحلة تمتد من أواخر الأربعينيات حتى الستينيات، فإن أسئلته ما زالت قريبة من عالم السياسة المعاصر.
ما حجم تأثير القوى الكبرى في الدول الأخرى؟ كيف تستخدم الدول المعلومات؟ ما حدود التدخل الخارجي؟ وكيف تتحول المصالح الاقتصادية إلى سياسات؟ وهل يمكن لقوة دولية أن تفهم مجتمعًا آخر بصورة كاملة من خلال تقارير أجهزة الاستخبارات؟، هذه الأسئلة تجعل إعادة قراءة الكتاب اليوم مختلفة عن قراءته لحظة صدوره.
خلاصة الكتاب
«لعبة الأمم» كتاب يكشف جانبًا من السياسة الدولية لا يظهر عادة في البيانات الرسمية والخطب السياسية، ومن خلال تجربة مايلز كوبلند داخل الاستخبارات الأمريكية، يقدم صورة لعالم تتحرك فيه الدول والقوى السياسية عبر شبكة معقدة من المصالح والمعلومات والاتصالات السرية ومحاولات التأثير.
وتحتل مصر والشرق الأوسط مساحة رئيسية من الكتاب، بما يسمح للقارئ برؤية مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة من زاوية رجل كان جزءًا من المؤسسة الأمريكية التي تعاملت معها، لكن القيمة الحقيقية للكتاب لا تعني التعامل مع كل ما ورد فيه باعتباره حقيقة نهائية؛ فبعض الروايات تحتاج إلى مقارنتها بوثائق ومصادر أخرى، خاصة في القضايا المتعلقة بالانقلابات والعمليات الاستخباراتية.
وفي النهاية يترك الكتاب القارئ أمام سؤال أكبر من أحداثه نفسها: إلى أي مدى يمكن للقوى الكبرى أن تتحكم في مسار الدول الأخرى، وأين تنتهي قدرتها على التأثير ويبدأ استقلال اللاعبين المحليين؟.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بالتاريخ السياسي الحديث، والعلاقات الدولية، والحرب الباردة، وتاريخ الشرق الأوسط، والعمل الاستخباراتي، كما يناسب الصحفيين والباحثين الذين يهتمون بكيفية صناعة القرار خلف الأبواب المغلقة، وبالعلاقة بين المعلومات والسياسة.
وهو مناسب أيضًا للقارئ الذي يريد أن يرى التاريخ السياسي من زاوية مختلفة، لا تبدأ من البيانات الرسمية، وإنما من شهادات العاملين داخل المؤسسات التي شاركت في صناعة الأحداث.
أما بالنسبة لـ نقاط القوة الكتاب أنه مكتوب من شخص امتلك خبرة مباشرة داخل عالم الاستخبارات الأمريكية، وهو ما يمنحه قيمة وثائقية وشهادية خاصة، كما أن تركيزه على الشرق الأوسط ومصر يجعله ذا أهمية خاصة للقارئ العربي، لأنه يقدم رؤية أمريكية داخلية لطبيعة التعامل مع المنطقة خلال مرحلة شديدة الحساسية، ومن نقاط قوته أيضًا أنه يطرح أسئلة تتجاوز الأحداث نفسها، مثل علاقة القوة بالأخلاق، وعلاقة المعلومات بالقرار، وحدود قدرة الدول الكبرى على التأثير في الدول الأخرى.
أما بالنسبة لـ نقاط الضعف، أهم نقطة تحتاج إلى الانتباه هي أن الكتاب يقدم رؤية مؤلفه وتجربته الشخصية، وليس دراسة تاريخية محايدة بالمعنى الأكاديمي، كما أن بعض الروايات الاستخباراتية الواردة فيه يصعب التعامل معها باعتبارها حقائق مكتملة من دون مقارنتها بالمصادر والوثائق الأخرى.
وقد يجد بعض القراء أن منظور كوبلند شديد الارتباط بالمؤسسة الأمريكية التي عمل داخلها، حتى عندما ينتقد بعض سياساتها أو يكشف جوانب من عملها.
ملاحظات يمكن مناقشتها
الكتاب يفتح نقاشًا واسعًا حول حدود الشهادة الشخصية في كتابة التاريخ، فهل يكفي أن يكون المؤلف قريبًا من الحدث حتى تصبح روايته حقيقة تاريخية؟ أم أن قربه من الحدث قد يكون في حد ذاته سببًا للحاجة إلى مراجعة روايته؟.
كما يطرح سؤالًا آخر حول مفهوم «التدخل»: هل يقتصر التدخل الدولي على إرسال الجيوش وفرض العقوبات، أم يمكن أن يكون في صورة معلومات أو اتصالات أو دعم سياسي أو محاولة للتأثير في شخصيات بعينها؟
وهذه الأسئلة تجعل الكتاب صالحًا للنقاش حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدوره.
الكلمة الأخيرة
«لعبة الأمم» كتاب لا يقدم للقارئ عالمًا أبيض وأسود، ففي السياسة الدولية، لا يوجد دائمًا صديق دائم أو خصم دائم، ولا تتحرك الدول بالمنطق نفسه الذي يتحرك به الأفراد، هناك مصالح، ومخاوف، ومعلومات، وحسابات قوة، ولاعبون محليون ودوليون يحاول كل منهم أن يحقق أكبر قدر ممكن من أهدافه.
وربما تكون أهم قيمة للكتاب أنه يدفع القارئ إلى النظر خلف المشهد؛ ليس بهدف تصديق كل ما يقوله كوبلند، وإنما بهدف فهم أن التاريخ السياسي غالبًا ما تكون له طبقات لا تظهر في الرواية الرسمية، وهنا تتحول «لعبة الأمم» من كتاب عن الاستخبارات الأمريكية إلى سؤال عن طبيعة القوة نفسها: من يحرك الأحداث؟ ومن يملك المعلومات؟ ومن يملك القدرة على التأثير؟ ومن يدفع ثمن اللعبة في النهاية؟.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: لعبة الأمم
العنوان الأصلي: The Game of Nations: The Amorality of Power Politics
المؤلف: مايلز كوبلند
الترجمة: إبراهيم جزيني
التقديم والمراجعة: د. محمد حسن
الناشر: وكالة الصحافة العربية – ناشرون
الطبعة العربية: الأولى، ٢٠٢٥
عدد الصفحات: ٢٠١ صفحة
رقم الإيداع: ٥٣٧٣/٢٠٢٥
ISBN: 9786333010152
النوع: سياسة وتاريخ – علاقات دولية واستخبارات
سنة الإصدار الأصلي: ١٩٦٩
الناشر الأصلي: Weidenfeld & Nicolson







