تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ليس التفاؤل في نظر مارتن سليجمان مجرد ابتسامة في وجه الحياة أو محاولة مستمرة لرؤية الجانب الجميل من الأشياء، كما أن التشاؤم ليس بالضرورة صفة ثابتة يولد بها الإنسان ولا يستطيع التخلص منها، فبين هذين الاتجاهين توجد طريقة في التفكير يمكن تعلمها وتغييرها، وهذه هي الفكرة الأساسية التي يقوم عليها كتاب “التفاؤل المكتسب”، أحد الكتب المهمة في مجال علم النفس الإيجابي وتطوير الذات، والذي يحاول أن يجيب عن سؤال بالغ الأهمية، لماذا يستطيع بعض الأشخاص النهوض بعد الفشل بينما يشعر آخرون أن الفشل يؤكد أنهم غير قادرين على النجاح، ولماذا تتحول بعض المشكلات بالنسبة إلى شخص ما إلى موقف مؤقت يمكن تجاوزه، بينما تتحول بالنسبة إلى شخص آخر إلى دليل على أن حياته كلها تسير في الاتجاه الخطأ، يرى سليجمان أن الفارق لا يرتبط بالحدث وحده، وإنما بالطريقة التي نفسر بها هذا الحدث، وبالقصة التي نحكيها لأنفسنا بعد وقوعه.
ينطلق سليجمان من فكرة تبدو بسيطة لكنها تحمل أثرا كبيرا على حياة الإنسان، وهي أن الإنسان لا يتأثر بما يحدث له فقط، وإنما يتأثر بالطريقة التي يفسر بها ما يحدث، فقد يتعرض شخصان للموقف نفسه، فيخسران الوظيفة ذاتها أو يفشلان في المشروع نفسه أو يمران بعلاقة عاطفية مؤلمة، ومع ذلك قد يخرج أحدهما من التجربة وهو يقول إن الأمر انتهى وإنه لا يستطيع النجاح، بينما يقول الآخر إن هذه التجربة مؤلمة بالفعل لكنها لا تعني أن كل شيء انتهى، والفرق بين الشخصين هنا ليس في حجم المشكلة بالضرورة، وإنما في أسلوب تفسيرها، ومن هذه النقطة يبدأ الكتاب في بناء مفهوم التفاؤل المكتسب، فالتفاؤل ليس تجاهلًا للواقع ولا إنكارًا للألم، وإنما طريقة أكثر مرونة في النظر إلى الأحداث تسمح للإنسان بأن يرى المشكلة في حجمها الحقيقي بدل أن يجعلها تعريفًا كاملا لذاته وحياته.
يركز سليجمان على مفهوم العجز المتعلم، وهو من أهم المفاهيم التي بنى عليها أفكاره، ويحدث العجز المتعلم عندما يمر الإنسان بتجارب متكررة يشعر فيها بأن محاولاته لا تغير النتيجة، فيبدأ تدريجيًا في الاعتقاد بأن المحاولة لا فائدة منها، حتى عندما تتغير الظروف وتصبح أمامه فرصة حقيقية للتغيير، وهنا تكمن خطورة التجربة، لأن الإنسان لا يتوقف فقط عن المحاولة، بل يتعلم أن يتوقع الفشل قبل أن يبدأ، وقد يظهر ذلك في الدراسة والعمل والعلاقات وحتى في القرارات الصغيرة، فيصبح الشخص معتادًا على قول لا أستطيع أو لن يتغير شيء أو لا فائدة من المحاولة، ومع تكرار هذه الأفكار تتحول من رد فعل مؤقت إلى طريقة ثابتة في التعامل مع الحياة.
لكن سليجمان لا يتوقف عند تفسير العجز، بل ينتقل إلى الجانب الأكثر أهمية، وهو إمكانية تعلم التفاؤل، وهنا يصبح الكتاب مختلفا عن كثير من كتب التنمية التي تكتفي بتقديم عبارات تحفيزية، فالمؤلف لا يطلب من القارئ أن يقنع نفسه بأن كل شيء سيكون رائعًا، وإنما يدعوه إلى مراقبة الطريقة التي يفسر بها الأحداث، لأن الإنسان المتشائم يميل غالبًا إلى تفسير المشكلات باعتبارها دائمة وشاملة وشخصية، فإذا فشل في أمر ما قد يقول إن الفشل سيستمر دائمًا، وإنه يفشل في كل شيء، وإن المشكلة تثبت أنه شخص غير كفء، أما الشخص الأكثر تفاؤلا فيميل إلى رؤية الفشل باعتباره محدودا ومؤقتا وقابلا للتغيير.
ومن هنا يقدم الكتاب أهمية كبيرة لما يسمى أسلوب التفسير، فالحدث نفسه يمكن أن يكون نقطة نهاية أو نقطة بداية بحسب الطريقة التي نفسره بها، فإذا لم ينجح شخص في مقابلة عمل، يمكنه أن يقول لم أكن جيدًا في هذه المقابلة ولن أحصل على وظيفة مناسبة أبدًا، ويمكنه في المقابل أن يقول إن المقابلة لم تسر بالشكل الذي أردته، وربما أحتاج إلى تحسين طريقة تقديم خبرتي أو الاستعداد بشكل أفضل للمرة القادمة، الجملتان تتحدثان عن الحدث نفسه، لكن تأثيرهما النفسي مختلف تمامًا، الأولى تغلق الباب أمام المحاولة، بينما الثانية تترك مساحة للتعلم والتعديل والاستمرار.
ويتناول سليجمان ثلاثة أبعاد رئيسية لطريقة تفسير الإنسان للأحداث السلبية، وهي الديمومة والانتشار والتخصيص، فالإنسان المتشائم يرى المشكلة على أنها دائمة، أي أنها ستستمر ولن تتغير، ويرى أنها شاملة، أي أنها تؤثر في كل جوانب حياته، كما يميل إلى تحميل نفسه المسؤولية الكاملة عنها، أما التفاؤل المكتسب فيقوم على إعادة النظر في هذه الاستنتاجات، فالفشل يمكن أن يكون مؤقتا، والمشكلة يمكن أن تكون محدودة في جانب معين من الحياة، كما أن تحمل المسؤولية لا يعني بالضرورة تحميل الذات كل اللوم.
وهذه الفكرة مهمة جدا لأنها تضع حدا للفكرة الشائعة التي تقول إن التفكير الإيجابي يعني أن تتجاهل أخطاءك، فالتفاؤل الحقيقي عند سليجمان لا يعني أن تقول لنفسك إنك كنت رائعًا بينما كنت تعرف أنك أخطأت، بل يعني أن تعترف بالخطأ من دون أن تحوله إلى حكم نهائي على شخصيتك، فإذا أخطأت في مشروع فهذا يعني أن هناك شيئًا يحتاج إلى مراجعة، لكنه لا يعني أنك شخص فاشل، وإذا خسرت فرصة فهذا يعني أنك خسرت فرصة، وليس أنك ستخسر كل الفرص القادمة، وإذا فشلت علاقة فهذا لا يعني أن جميع العلاقات محكوم عليها بالفشل، وهذه القدرة على الفصل بين الحدث وبين قيمة الإنسان من أهم المهارات النفسية التي يدعو إليها الكتاب.
ويقدم المؤلف أهمية كبيرة لتغيير الحوار الداخلي، لأن الإنسان قد يعيش جزءًا كبيرًا من حياته وهو يستمع إلى صوت داخلي لا يراقبه، هذا الصوت يفسر كل تجربة ويعطيها معنى، وعندما يتعرض الإنسان للفشل يبدأ هذا الحوار بسرعة، فيقول لنفسه لماذا يحدث هذا لي دائمًا، أنا لا أستطيع، الناس أفضل مني، لا شيء ينجح معي، لكن سليجمان يدعو إلى التعامل مع هذه الأفكار باعتبارها تفسيرات وليست حقائق، فمجرد أن يخطر في ذهن الإنسان أنه لن ينجح لا يعني أن هذه حقيقة، ومجرد أن يشعر بالعجز لا يعني أنه عاجز فعلا، وهنا تبدأ عملية التغيير عندما يتعلم الإنسان أن يسأل نفسه هل هناك تفسير آخر لما حدث، وهل المشكلة فعلًا دائمة، وهل تؤثر في كل شيء، وهل أنا المسؤول الوحيد عنها.
وتزداد أهمية هذه الأفكار عندما يربط سليجمان التفاؤل بالأداء والقدرة على الاستمرار، فالإنسان الذي يعتقد أن المحاولة القادمة لا قيمة لها لن يستثمر فيها بالطريقة نفسها التي يستثمر بها شخص يعتقد أن هناك فرصة للتحسن، ولذلك فإن طريقة التفكير يمكن أن تؤثر في السلوك نفسه، والتوقعات يمكن أن تحدد مقدار الجهد الذي يبذله الإنسان، والشخص الذي يعتقد أن الفشل مؤقت يصبح أكثر استعدادا لإعادة المحاولة، بينما الشخص الذي يعتقد أن الفشل دائم قد يتوقف مبكرا، وهكذا يمكن أن يتحول الاعتقاد إلى سلوك، ثم يتحول السلوك إلى نتيجة، ثم تستخدم النتيجة لتأكيد الاعتقاد القديم.
ومن الجوانب المهمة في الكتاب أيضا أن التفاؤل لا يعني النجاح في كل شيء، وهذه نقطة تجعل طرح سليجمان أكثر واقعية، فحتى الإنسان المتفائل سيفشل، وسيتعرض للرفض، وسيخسر، وسيشعر بالإحباط، وسيواجه ظروفًا لا يستطيع التحكم فيها، لكن الاختلاف يكمن في أنه لا يسمح لتجربة واحدة بأن تتحول إلى تعريف شامل لحياته، فالتفاؤل لا يمنع الألم، لكنه يمنع الألم من السيطرة الكاملة على تفسير الإنسان لنفسه ومستقبله، وهذه الفكرة تجعل التفاؤل مهارة يمكن استخدامها في مواجهة الواقع بدل أن يكون هروبا منه.
ويأخذ الكتاب القارئ أيضًا إلى فكرة أكثر عمقًا، وهي أن طريقة التفكير التي نتعلمها في مرحلة مبكرة من حياتنا قد تستمر معنا لفترة طويلة إذا لم نتوقف لمراجعتها، فقد يسمع الطفل مرارًا أنه غير ذكي أو أنه لا ينجح أو أنه دائمًا يخطئ، ومع الوقت قد تتحول هذه العبارات إلى قناعة داخلية، ليس لأنها حقيقة موضوعية، وإنما لأنها تكررت كثيرا، ولذلك فإن تغيير طريقة التفكير لا يعني فقط تحسين المزاج، بل يعني أحيانا إعادة بناء الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه، والتعامل مع أخطاء الماضي باعتبارها تجارب حدثت بالفعل لكنها لا تملك الحق في تحديد المستقبل.
ويقدم سليجمان التفاؤل باعتباره مهارة لها قيمة في العمل والحياة اليومية والعلاقات، لأن الإنسان الذي يستطيع تفسير الإخفاق بطريقة أكثر واقعية يكون غالبا أكثر قدرة على الاستمرار والتعلم، كما أن القدرة على رؤية المشكلات باعتبارها محدودة تساعد الإنسان على ألا ينقل مشكلة واحدة إلى بقية حياته، فالمشكلة في العمل لا ينبغي أن تتحول إلى قناعة بأن الحياة كلها سيئة، والخلاف مع شخص واحد لا يعني أن جميع الناس لا يفهموننا، والفشل في مشروع لا يعني أن جميع الأفكار القادمة محكوم عليها بالفشل، وهذه الحدود النفسية تمنح الإنسان مساحة أكبر للحركة.
ومن أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يقدم التفاؤل باعتباره صفة غامضة يمتلكها بعض الأشخاص ويحرم منها آخرون، وإنما يحاول تحويله إلى طريقة يمكن التدريب عليها، فكما يتعلم الإنسان مهارة جديدة من خلال الممارسة، يستطيع أن يتعلم مراقبة أفكاره وإعادة صياغة تفسيراته، ومع الوقت يمكن أن يصبح أكثر قدرة على اكتشاف الأفكار المتشائمة قبل أن تتحول إلى قناعات وسلوكيات، وهذا يجعل الكتاب أقرب إلى تدريب ذهني طويل المدى منه إلى مجرد قراءة تحفيزية عابرة.
وفي النهاية، فإن “التفاؤل المكتسب” لا يدعو الإنسان إلى أن يعيش في عالم مثالي لا توجد فيه مشكلات، وإنما يدعوه إلى أن يتعامل مع المشكلات من دون أن يمنحها سلطة أكبر من حجمها، فالإنسان قد لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث له، لكنه يستطيع بدرجات مختلفة أن يراجع المعنى الذي يعطيه لما يحدث، وهذه المساحة بين الحدث وتفسيره هي المساحة التي يمكن أن يبدأ فيها التغيير، وربما تكون أهم رسالة في الكتاب أن المستقبل لا يجب أن يكون نسخة من الماضي، وأن الفشل السابق لا يملك وحده حق التنبؤ بالفشل القادم، وأن الإنسان يستطيع أن يتعلم طريقة أكثر مرونة في التفكير، لا تقوم على إنكار الواقع، وإنما على رفض الاستسلام لتفسير واحد قاتم له.
قيمة “التفاؤل المكتسب” لا تكمن في أنه يخبرنا بأن الحياة ستكون سهلة، بل في أنه يعيد تعريف الطريقة التي ننظر بها إلى الصعوبة، فالإنسان لا يحتاج إلى إقناع نفسه بأن كل شيء جيد حتى يصبح أكثر تفاؤلًا، وإنما يحتاج إلى أن يتعلم أن يرى المشكلة باعتبارها مشكلة، لا باعتبارها حكما نهائيا على حياته، وأن يرى الخطأ تجربة تحتاج إلى إصلاح، لا دليلًا على أنه غير قادر، وأن يرى الخسارة حدثًا مؤلمًا، لا إعلانًا بأن المستقبل انتهى، وعندما يتعلم الإنسان هذه الطريقة في التفكير يصبح أكثر قدرة على المحاولة والتعلم والنهوض، ولذلك فإن التفاؤل في رؤية سليجمان ليس مجرد شعور جميل، بل مهارة ذهنية يمكن اكتسابها وممارستها، وربما تكون من أكثر المهارات التي يحتاجها الإنسان عندما لا تسير الحياة بالطريقة التي كان يتوقعها.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: التفاؤل المكتسب — Learned Optimism
المؤلف: مارتن سليجمان — Martin Seligman
دار النشر: Alfred A. Knopf
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأصلية
سنة النشر: 1990
عدد الصفحات: نحو 320 صفحة بحسب الطبعة
ISBN: 9780671019113







