النمو الاقتصادي في مصر أمام اختبار القطاع الخاص.. لماذا ينكمش النشاط رغم تحسن المؤشرات ؟

يشهد الاقتصاد المصري مفارقة تستحق التوقف أمامها؛ فبينما تشير المؤشرات الرسمية والدولية إلى تحسن معدل النمو الاقتصادي، لا تزال الشركات العاملة في القطاع الخاص غير النفطي تواجه صعوبة في زيادة الإنتاج والمبيعات، فقد توقع البنك الدولي أن يرتفع نمو الاقتصاد المصري إلى 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 4.4% في العام المالي السابق، مدفوعا بتحسن الاستهلاك والاستثمار وتراجع التضخم واستعادة بعض القطاعات لنشاطها.

لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدا عند النظر إلى النشاط اليومي للشركات، فقد انخفض مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي في مصر إلى 47.2 نقطة خلال سبتمبر 2026، مقابل 49.6 نقطة في أغسطس، ليعود إلى ما دون مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش، كما سجل المؤشر انكماشا للقطاع الخاص غير النفطي بعد فترة قصيرة من التحسن، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة.

أين تكمن المشكلة؟

المشكلة الأساسية تتمثل في أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات والقطاعات تتحرك بالمعدل نفسه، فالقطاع الخاص غير النفطي يحتاج إلى طلب قوي ومستقر حتى يتمكن من زيادة الإنتاج والتوظيف والاستثمار، بينما تؤدي ضغوط التكلفة إلى تقليص هامش الربح وقدرة الشركات على التوسع.

وتشير بيانات حديثة إلى استمرار ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج والطاقة، وهي عوامل تضغط على تكلفة المنتج النهائي وتضع الشركات أمام معادلة صعبة: رفع الأسعار قد يؤدي إلى تراجع الطلب، بينما الإبقاء على الأسعار قد يؤدي إلى تآكل هامش الربح ورأس المال العامل.

وقد رصدت تقارير صناعية خلال الفترة الماضية ارتفاعا كبيرا في تكاليف مدخلات الإنتاج والطاقة، ما يزيد الضغوط على المصانع.

ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه أسعار الفائدة مرتفعة؛ إذ يبلغ سعر العائد على الإيداع لدى البنك المركزي 19%، وعلى الإقراض 20%، وفقا لأحدث بيانات البنك المركزي المصري، ارتفاع تكلفة التمويل يعني أن قرار التوسع أو شراء معدات جديدة أو زيادة رأس المال العامل يصبح أكثر تكلفة بالنسبة للشركات.

لماذا يمثل ذلك مشكلة للاقتصاد؟

لأن النمو المستدام يحتاج إلى قطاع خاص قادر على الاستثمار والإنتاج والتصدير وخلق طاقات إنتاجية جديدة، وكلما ظلت الشركات تواجه ضعف الطلب وارتفاع تكلفة التشغيل والتمويل، أصبح انتقال الاقتصاد من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو المستدام أكثر صعوبة.

ولهذا تبدو معالجة مشكلة القطاع الخاص غير النفطي مرتبطة بثلاثة ملفات رئيسية: خفض تكلفة الإنتاج، تحسين بيئة التمويل، وزيادة قدرة الشركات المصرية على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.

وتتحرك الدولة بالفعل في اتجاه دعم الإنتاج الصناعي، ومن أحدث الخطوات إطلاق صندوق لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال مليار جنيه، بهدف إعادة تشغيل منشآت تمتلك أصولا وطاقات إنتاجية قابلة للاستغلال، وإعادة هيكلة القروض وضخ رؤوس أموال جديدة ورفع الكفاءة التشغيلية.

التحدي أمام الاقتصاد المصري لم يعد فقط تحقيق معدل نمو مرتفع، وإنما تحويل هذا النمو إلى نشاط واسع ومستدام داخل القطاع الخاص، فالنمو يصبح أكثر قوة عندما ينعكس على زيادة الإنتاج والاستثمار والصادرات، وليس فقط على تحسن المؤشرات الكلية.

ومن هنا فإن استمرار انكماش القطاع الخاص غير النفطي رغم تحسن توقعات النمو يطرح سؤالا اقتصاديا مهما: هل يحتاج الاقتصاد المصري إلى التركيز خلال المرحلة المقبلة على جودة النمو ومصادره بقدر اهتمامه بمعدل النمو نفسه؟

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *