الحب اللذي خبأته الحرب

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرًا في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

حين تصبح الحقيقة أكثر من رواية

تلك الليلة ليست حكاية عن امرأة اختفت فقط وليست رواية تاريخية تستعيد زمن الحرب من أجل سرد الماضي بل هي محاولة دقيقة لفهم الطريقة التي تصنع بها الذاكرة الحقيقة وكيف يمكن لحدث واحد أن يتحول إلى حكايات متعددة تبعًا لمن يرويه وما يخفيه وما يتذكره وما يريد أن يصدقه القارئ يدخل عالم فيرونيكا من خلال أصوات أشخاص عرفوها أو اقتربوا منها ثم وجدوا أنفسهم بعد اختفائها يحمل كل منهم جزءًا من صورتها دون أن يمتلك الصورة كاملة وهنا تبدأ الرواية في تفكيك واحدة من أكثر الأفكار إرباكًا في التجربة الإنسانية وهي أن الحقيقة لا تصل إلينا نقية بل تمر دائمًا عبر الإنسان

فيرونيكا ليست مجرد شخصية غائبة بل تتحول تدريجيًا إلى مركز تتجمع حوله ذاكرة الآخرين كل شاهد يضيف ملمحًا جديدًا ويكشف في الوقت نفسه حدود رؤيته الخاصة لذلك لا يصبح السؤال الحقيقي ماذا حدث لفيرونيكا فقط بل كيف يمكن أن نعرف ما حدث أصلًا حين تكون كل شهادة ناقصة وحين يكون لكل إنسان سبب يجعله يتذكر بطريقة مختلفة هذا البناء يمنح الرواية قوتها لأن القارئ لا يحصل على إجابة جاهزة وإنما يصبح شريكًا في تركيب الصورة ومراجعة الأحكام التي كوّنها مع كل شهادة جديدة

الحرب العالمية الثانية تظهر هنا باعتبارها قوة تغير معنى العلاقات وتعيد ترتيب الأخلاق وتدفع البشر إلى مواقف لم يكونوا يتصورون أنهم قادرون على اتخاذها لكن الحرب ليست مجرد خلفية للأحداث فهي اختبار يكشف ما يحدث للإنسان حين تنهار القواعد القديمة وتصبح الولاءات والخوف والحب والخيانة والنجاة متداخلة في لحظة واحدة لذلك لا تبدو الشخصيات وكأنها تعيش تاريخًا بعيدًا بل تبدو كأنها تعيش امتحانًا أخلاقيًا لا يمكن الخروج منه من دون خسائر

المثير كذلك أن الرواية لا تمنح القارئ راحة أخلاقية سهلة فلا يوجد أبطال مكتملون ولا أشرار يمكن اختزالهم في صورة واحدة كل شخصية تحمل تناقضاتها وكل موقف يمكن النظر إليه من أكثر من زاوية وهذا يجعل القراءة أقرب إلى التحقيق النفسي منها إلى الحكاية التقليدية فالشخصيات لا تخبرنا بما حدث فقط بل تكشف لنا نفسها من خلال الطريقة التي تحكي بها ما حدث وما تتجاهله وما تبرره وما تضعه في مركز الرواية وما تتركه خارجها

اختيار تعدد الأصوات يخلق سؤالًا أعمق عن الذاكرة فالتذكر ليس تسجيلًا آليًا للماضي بل إعادة بناء مستمرة له الإنسان لا يستعيد الماضي كما وقع تمامًا وإنما يستعيده كما استطاع أن يحتمله وكما أصبح قادرًا على تفسيره بعد مرور الزمن ولهذا يمكن لشخصين أن يعيشا اللحظة نفسها ثم يخرجا منها بحقيقتين مختلفتين دون أن يكون أحدهما بالضرورة كاذبًا هذه الفكرة تجعل الرواية قريبة من حياتنا اليومية لأننا نعيد بناء علاقاتنا القديمة بالطريقة نفسها ونمنح أنفسنا أحيانًا أسبابًا أكثر قبولًا لما فعلناه أو لما فشلنا في فعله

وتكشف الرواية كذلك أن السلطة لا تعمل فقط عبر القرارات الكبرى وإنما تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة حين يضطر الإنسان إلى اختيار ما يقوله وما يصمت عنه ومن يثق به ومن يخشاه ومع كل اختيار تتغير علاقته بنفسه وبالآخرين لذلك يصبح الصمت أحيانًا موقفًا أخلاقيًا مثل الكلام وتصبح الذاكرة وسيلة للدفاع عن الذات بقدر ما تكون وسيلة لاستعادة الماضي وهذا التعقيد هو ما يمنح العمل قدرته على البقاء بعد انتهاء القراءة لأنه لا يترك القارئ أمام لغز مغلق بل أمام أسئلة تتعلق بطبيعة الإنسان نفسه وبحدود معرفته وبالمسافة بين الحقيقة التي حدثت والحقيقة التي نستطيع تحملها

القيمة الأكبر للعمل تأتي من قدرته على الربط بين الخاص والعام فمصير امرأة واحدة يفتح الباب أمام صورة أوسع لمجتمع يعيش التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية بينما تكشف التفاصيل الصغيرة أثر التاريخ الكبير على الأفراد الحب هنا لا يعيش منفصلًا عن السياسة والخوف لا ينفصل عن السلطة والاختيارات الشخصية لا يمكن فهمها بعيدًا عن الظروف التي صنعتها وهذا يمنح الحكاية كثافة تجعلها تتجاوز حدود المكان والزمان

تلك الليلة تضع القارئ أمام حقيقة مؤلمة وهي أن الغياب لا ينهي وجود الإنسان بالضرورة بل قد يجعله أكثر حضورًا في ذاكرة الآخرين وأن الصورة التي تبقى بعد رحيل شخص ما قد تكون أقوى من الحقيقة نفسها كل شخص يحمل في داخله نسخة مختلفة من الغائب ولذلك لا يمكن الوصول إلى صورة نهائية مكتملة وربما تكون هذه هي الفكرة الأكثر قوة في الرواية أن الإنسان لا يعيش فقط بما فعله وإنما يعيش أيضًا بما يتذكره الآخرون عنه

قراءة هذا العمل لا تنتهي عند معرفة مصير فيرونيكا بل تبدأ بعد ذلك حين يكتشف القارئ أن السؤال الأهم ليس من يملك الحقيقة وإنما كيف نصنع نحن تصوراتنا عنها وكيف يمكن للخوف والحب والذنب والحنين أن تغير شكل الماضي داخل وعينا وهنا تتحول الرواية من قصة امرأة اختفت إلى تأمل عميق في الذاكرة والمسؤولية والحقيقة وفي الطريقة التي يحاول بها الإنسان أن يمنح معنى لعالم لا يقدم له دائمًا إجابات واضحة

حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان تلك الليلة

المؤلف دراجو يانتشار

دار النشر دار صفصافة للنشر

بلد النشر مصر

الطبعة الأولى

سنة النشر 2021

عدد الصفحات 300

ISBN 9789778211795

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *