الاقتصاد المصري.. من إدارة الأزمات إلى صناعة النمو

لا يمكن إنكار أن الاقتصاد المصري يواجه تحديات متشابكة، بدأت آثارها تظهر بوضوح في حياة المواطن اليومية؛ من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، إلى زيادة تكلفة الاقتراض، مرورا بضغوط العملة الأجنبية والدين العام، لكن التعامل مع هذه التحديات باعتبارها أزمات منفصلة قد يؤجل المشكلة ولا يحلها، لأن جذورها ترتبط في جانب كبير منها بضرورة الانتقال من اقتصاد يعتمد على إدارة الضغوط إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على الإنتاج والاستثمار والتصدير.

 التضخم.. العلاج لا يبدأ من الأسعار

ارتفاع الأسعار هو أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطن، لكن مواجهة التضخم لا يمكن أن تقتصر على أدوات السياسة النقدية، فرفع أسعار الفائدة قد يحد من الطلب، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكلفة التمويل على الشركات والمستثمرين.

الحل الأكثر استمرارية يبدأ من زيادة المعروض، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين سلاسل التوزيع، وتقليل تكلفة النقل والطاقة ومدخلات الإنتاج، مع تشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية، حيث أن كل زيادة في الإنتاج المحلي تعني ضغطا أقل على الأسعار وتقليلا للاعتماد على الاستيراد.

 الدولار.. الصادرات هي الحل الحقيقي

وكشفت أزمة العملة الأجنبية حاجة الاقتصاد المصري إلى مصادر أكثر استدامة للدولار، وبينما تعد السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس والاستثمار الأجنبي مصادر مهمة، لكنها لا تغني عن بناء قطاع تصديري قوي.

وهنا يجب أن تتحول الصناعة من مجرد هدف إلى أولوية اقتصادية، المطلوب ليس فقط إنشاء مصانع، وإنما بناء سلاسل إنتاج متكاملة، وزيادة المكون المحلي، وتقديم حوافز مرتبطة بحجم الإنتاج والتصدير وفرص العمل.

فالدولار الذي يأتي من تصدير منتج مصري يحمل قيمة مضافة للاقتصاد أكثر استدامة من التدفقات التي تستخدم لسد فجوة مؤقتة.

القطاع الخاص.. مفتاح النمو

من الصعب تحقيق نمو مرتفع ومستدام دون قطاع خاص قوي، ومن هنا نجد أن الدولة تحتاج إلى الانتقال تدريجيا من دور المنافس في بعض الأنشطة إلى دور المنظم والمراقب، مع توفير بيئة استثمار مستقرة وواضحة.

المستثمر لا يحتاج فقط إلى حوافز، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى وضوح القواعد، وسرعة الإجراءات، واستقرار السياسات الضريبية والتنظيمية، وسهولة الحصول على التمويل والأراضي والتراخيص.

الدين العام وتحديد الأولويات

لا يمكن تجاهل أعباء الدين العام وخدمة الدين عند الحديث عن الإصلاح الاقتصادي وهنا يجب أن يكون السؤال الأساسي: أين تذهب الاستثمارات العامة؟ وهل تحقق عائدا اقتصاديا واضحا؟

وبناء على ذلك، الأولوية يجب أن تكون للمشروعات التي تزيد الإنتاج، وتوفر العملة الأجنبية، وتخلق فرص العمل، وترفع تنافسية الاقتصاد، مع مراجعة أي إنفاق لا يحقق عائدا اقتصاديا أو اجتماعيا مناسبا.

الاستثمار في الإنسان.. الحلقة الأهم

ويبقى العنصر البشري الحلقة الأهم لتحقيق النمو، فالتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني وربط المناهج باحتياجات سوق العمل يمكن أن يحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات والتكنولوجيا.

وفي النهاية، لا تحتاج مصر إلى حلول سحرية، بقدر حاجتها إلى ترتيب الأولويات، فمن زيادة الإنتاج، وتعظيم الصادرات، وتمكين القطاع الخاص، إلى خفض تكلفة ممارسة الأعمال، والاستثمار في الإنسان، يمكن أن ينتقل الاقتصاد من مرحلة مواجهة الأزمات إلى مرحلة بناء نمو مستدام.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *