تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها .
ماذا لو لم تكن المشكلة في أننا لا نملك حلًا، وإنما في أننا نبحث عنه بالطريقة نفسها كل مرة؟
هذه هي النقطة التي ينطلق منها إدوارد دي بونو في كتابه «التفكير الجانبي»، أحد أشهر الأعمال التي تناولت التفكير الإبداعي وحل المشكلات. وقدّم دي بونو مصطلح التفكير الجانبي عام 1967، في مقابل ما سماه التفكير الرأسي أو التقليدي؛ أي السير في الطريق المنطقي المعتاد من نقطة إلى أخرى.
التفكير التقليدي مهم بالتأكيد؛ فنحن نحتاج إلى المنطق والتحليل وترتيب الأسباب والنتائج. لكن المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن الطريق الذي أوصلنا إلى النتيجة السابقة هو الطريق الوحيد الممكن دائمًا.
فأحيانًا لا نحتاج إلى أن نفكر أكثر داخل الصندوق، وإنما نحتاج إلى أن نسأل: هل يمكن أن نخرج من الصندوق أصلًا؟
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
يرى دي بونو أن التعليم والحياة العملية يدربان الإنسان غالبًا على الوصول إلى الإجابة الصحيحة، وعلى اكتشاف الخطأ وتجنبه، وعلى بناء الاستنتاج خطوة بعد خطوة، وهذا مفيد في كثير من المواقف، لكنه لا يكفي عندما نواجه مشكلة جديدة لا توجد لها إجابة جاهزة.
في هذه اللحظة نحتاج إلى إنتاج بدائل، وليس فقط تقييم البديل الموجود أمامنا، ولهذا يحاول الكتاب تعليم القارئ كيف ينظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة، وكيف يتحدى الافتراضات التي تبدو بديهية، وكيف يفتح مسارات جديدة للفكرة بدلًا من السير في الطريق المعتاد. والناشر يصف الكتاب بأنه يقدم تقنيات عملية يمكن استخدامها فرديًا أو جماعيًا لتوليد أفكار وحلول جديدة.
أحيانًا يكون الافتراض هو المشكلة
من أخطر الأشياء في التفكير أن هناك افتراضات ننسى أننا افترضناها أصلًا، قد نريد زيادة المبيعات، فنفترض أن الحل هو تخفيض السعر، وقد نريد تقليل شكاوى العملاء، فنفترض أن الحل هو زيادة عدد الموظفين.
وقد نريد تحسين الإنتاج، فنفترض أن المطلوب هو العمل لساعات أطول، لكن ماذا لو كان السؤال نفسه مبنيًا على افتراض خاطئ؟، التفكير الجانبي يبدأ أحيانًا من خطوة بسيطة: تحدَّ الافتراض.
ليس المطلوب أن نقبل الفكرة العكسية فورًا، وإنما أن نسمح لأنفسنا بالسؤال: ماذا لو لم يكن هذا الشرط ضروريًا أصلًا؟، هذه الطريقة تفتح مساحة لم تكن موجودة في التفكير التقليدي.
لا تبحث عن الإجابة الوحيدة
من الأفكار المهمة في الكتاب أن الإبداع لا يبدأ دائمًا من معرفة الإجابة الصحيحة، وإنما من القدرة على إنتاج أكثر من احتمال، عندما نواجه مشكلة، يميل العقل إلى أول حل يبدو منطقيًا، ثم يبدأ في تحسينه والدفاع عنه.
أما التفكير الجانبي فيحاول تأجيل هذا الاستقرار، بدلًا من سؤال: ما أفضل حل؟، نسأل أولًا: ما الحلول الأخرى الممكنة؟، ثم نبدأ بعد ذلك في تقييمها.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: أحيانًا تحتاج إلى إنتاج بعض الأفكار السيئة حتى تصل إلى فكرة جيدة، لأن الإبداع لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم.
الفكرة الغريبة ليست بالضرورة فكرة سيئة
منهج دي بونو لا يطلب من الإنسان أن يكون منطقيًا طوال الوقت أثناء توليد الأفكار، بل يسمح أحيانًا باستخدام الاستفزاز الذهني، أو قلب الفكرة، أو النظر إلى المشكلة من نقطة دخول مختلفة، أو استخدام محفز عشوائي لإجبار العقل على ترك المسار المعتاد.
قد تبدو بعض النتائج الأولى غير عملية أو حتى سخيفة، لكن الهدف ليس تنفيذ كل فكرة، وإنما كسر النمط الذي يمنع ظهور أفكار جديدة، وبمجرد أن يتحرر العقل من النمط المعتاد، يمكن العودة إلى التحليل والتقييم واختيار ما يصلح.
وهنا يظهر الفرق بين مرحلتين يجب ألا نخلط بينهما: توليد الأفكار، ثم الحكم عليها، إذا حكمنا على الفكرة قبل أن تكتمل، قد نقتلها قبل أن نعرف إلى أين يمكن أن تصل.
المشكلة ليست دائمًا في نقص المعلومات
نحن نعيش في عصر يمكن فيه الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات خلال ثوانٍ، ومع ذلك، لا يعني امتلاك معلومات أكثر أننا نفكر بطريقة أفضل، فإذا كانت المشكلة في طريقة تنظيم المعلومات نفسها، فإن إضافة معلومات جديدة قد تجعلنا ندور حول المشكلة بالطريقة ذاتها، ولكن بمعلومات أكثر.
وهنا تكمن أهمية التفكير الجانبي: إنه لا يسأل فقط «ماذا نعرف؟»، وإنما يسأل أيضًا: كيف ننظر إلى ما نعرفه؟، وهذا يجعل الكتاب مناسبًا جدًا لعالم الأعمال والإدارة؛ لأن بعض المشكلات لا تحتاج إلى موظفين أكثر أو ميزانية أكبر، بل إلى شخص ينظر إلى المشكلة من زاوية لم يفكر فيها أحد من قبل.
خلاصة الكتاب فى نقاط
- التفكير التقليدي ليس كافيًا لكل المشكلات.
- المشكلة قد تكون في طريقة تعريفنا لها.
- تحدي الافتراضات يفتح مسارات جديدة للحل.
- توليد الأفكار يختلف عن تقييمها.
- كثرة البدائل تزيد فرص الوصول إلى حل مبتكر.
- الفكرة الغريبة قد تكون بداية لفكرة عملية.
- تغيير زاوية النظر قد يغير المشكلة نفسها.
- الإبداع يمكن تدريبه وليس مجرد موهبة فطرية.
- المعلومات الكثيرة لا تعني بالضرورة تفكيرًا أفضل.
- أفضل الحلول قد تظهر عندما نتوقف عن البحث عنها بالطريقة المعتادة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المديرين وأصحاب المشروعات ورواد الأعمال والطلاب وكل شخص يتعامل مع المشكلات واتخاذ القرارات، كما يناسب من يشعر أنه يفكر كثيرًا لكنه يصل دائمًا إلى النتائج نفسها.
وهو مفيد بصورة خاصة لمن يعمل في بيئة تحتاج إلى التطوير والابتكار؛ لأن التفكير الجانبي يمكن أن يكون وسيلة لتوليد البدائل قبل الانتقال إلى مرحلة الاختيار والتنفيذ.
ويرتكز الكتاب على عدد من نقاط القوة، إذ أنه يحول الإبداع من كلمة فضفاضة إلى مجموعة من طرق التفكير التي يمكن التدريب عليها، كما أن فكرته قابلة للنقل إلى مجالات كثيرة؛ من الإدارة والتعليم إلى تصميم المنتجات وحل المشكلات اليومية.
ومن قوة الكتاب أيضًا أن مفهومه الأساسي ظل مؤثرًا لعقود؛ فالناشر ما زال يقدمه بوصفه عملًا كلاسيكيًا في الإبداع والتفكير وحل المشكلات، رغم مرور عقود على ظهوره.
أما قد تبدو بعض أدوات الكتاب، للقارئ المعاصر، أقرب إلى تمارين ذهنية منه إلى منهج علمي صارم بالمعنى الحديث، كما أن التفكير الجانبي لا يمكن أن يحل محل التفكير النقدي والتحليل المنطقي؛ فإنتاج الأفكار شيء، ومعرفة أيها صحيح وقابل للتطبيق شيء آخر، ولهذا فإن القيمة الحقيقية للمنهج تظهر عندما نستخدم الإبداع أولًا، ثم التحليل والتقييم بعد ذلك.
ملاحظات يمكن مناقشتها
هناك سؤال مهم يفرضه الكتاب: هل كثرة القواعد التي نتعلمها تساعدنا على التفكير، أم أنها أحيانًا تمنعنا من التفكير؟، القواعد ضرورية، لكن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يتعامل فيها مع الوسيلة وكأنها الهدف.
قد تصبح الطريقة أهم من النتيجة، والإجراء أهم من المشكلة، وما اعتدنا عليه أهم من ما يمكن أن يكون أفضل، وهنا لا يعني التفكير الجانبي أن نهدم كل القواعد، بل أن نمتلك الشجاعة لنسأل أحيانًا: هل ما زلنا نفعل هذا لأنه الأفضل، أم لأننا اعتدنا عليه؟.
الكلمة الأخيرة
أجمل ما يمكن أن نخرج به من «التفكير الجانبي» أن العقل ليس مجرد آلة للوصول إلى الإجابة، وإنما يمكن أن يكون أيضًا آلة لإعادة صياغة السؤال، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فقد نقضي سنوات نحاول حل مشكلة، بينما نكون في الحقيقة نحاول حل المشكلة الخطأ.
وقد نظل نبحث عن طريقة أسرع لأداء مهمة معينة، بينما السؤال الأفضل هو: هل نحتاج إلى أداء هذه المهمة أصلًا؟، التفكير الجانبي لا يعدنا بأن كل فكرة جديدة ستكون ناجحة، لكنه يمنحنا شيئًا أكثر أهمية: القدرة على ألا نعتبر الطريقة القديمة قدرًا لا يمكن تغييره.
وفي عالم تتغير فيه الأسواق، والوظائف، والتكنولوجيا، واحتياجات الناس بسرعة، قد لا يكون التفوق لمن يعرف الإجابة الأسرع، وإنما لمن يستطيع أن يسأل سؤالًا لم يفكر فيه الآخرون.
وربما تكون الخطوة الأولى نحو فكرة عظيمة بسيطة جدًا: أن تتوقف قليلًا عن التفكير بالطريقة التي اعتدت أن تفكر بها.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشريه وأصحاب حقوق الترجمة والنشر، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا .
البطاقة التعريفية للكتاب :-
الكتاب: التفكير الجانبي
العنوان الأصلي: Lateral Thinking: A Textbook of Creativity
المؤلف: إدوارد دي بونو – Edward de Bono
أول إصدار للفكرة: 1967، تحت عنوان The Use of Lateral Thinking
الناشر الأصلي: Jonathan Cape، لندن
الطبعة المعتمدة هنا: Penguin Life، 2016
عدد الصفحات: 272 صفحة
ISBN: 9780241257548
التصنيف: التفكير الإبداعي – حل المشكلات – الابتكار
رقم الإيداع: مسجل وفقاً لفهارس الناشر والنظام الدولي المعتمد.
وتشير السجلات الببليوغرافية إلى أن العمل ظهر أولًا عام 1967 بعنوان The Use of Lateral Thinking، بينما تحمل إحدى طبعات Penguin اللاحقة عنوان Lateral Thinking: A Textbook of Creativity.







