قراءة في كتاب الاختيار.. احتضان الحياة بكل ما فيها

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها .

ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما لا يستطيع تغيير ما حدث له؟

في كتابها «الاختيار: احتضان الممكن»، تقدم عالمة النفس والناجية من الهولوكوست إيديث إيغر مزيجًا بين السيرة الذاتية والخبرة النفسية. تبدأ قصتها عام 1944، عندما كانت في السادسة عشرة وأُرسلت مع عائلتها إلى أوشفيتز، ثم تنتقل إلى حياتها بعد الحرب، ودراستها وعملها في علم النفس، وما تعلمته من سنوات طويلة في مساعدة أشخاص يحملون آلامًا وتجارب قاسية.

لكن الكتاب لا يطرح سؤالًا تاريخيًا فقط: ماذا حدث لإيديث؟، بل يطرح سؤالًا إنسانيًا أوسع: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما لا يستطيع تغيير ما حدث له؟.

وهنا تظهر كلمة «الاختيار» بمعناها الأعمق. فالإنسان لا يختار دائمًا ظروفه، ولا يملك إعادة كتابة الماضي، لكنه يستطيع ــ بحسب رؤية إيغر ــ أن يعمل على الطريقة التي يعيش بها مع هذا الماضي، وألا يسمح له بأن يصبح سجنًا دائمًا.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

الكتاب ليس مجرد حكاية نجاة من معسكر اعتقال، رغم أن هذه التجربة تشكل أساسه. إيغر تستخدم قصتها وتجارب الأشخاص الذين ساعدتهم مهنيًا لتناقش أشكالًا مختلفة من الأسر النفسي: الخوف، الذنب، الغضب، الندم، الشعور بالعجز، والعيش المستمر داخل أحداث انتهت بالفعل.

ومن هنا تأتي الفكرة التي تتكرر عبر الكتاب: قد يخرج الإنسان من مكانه، لكن المكان قد لا يخرج من داخله، فالتحرر الخارجي لا يعني بالضرورة التحرر الداخلي.

الماضي لا يحتاج إلى أن يختفي حتى نتقدم

من أكثر الأفكار أهمية في الكتاب أن التعافي لا يعني محو الماضي، هناك أشياء حدثت بالفعل ولا يمكن التراجع عنها. محاولة إنكارها قد لا تجعلها أقل تأثيرًا، والعيش داخلها إلى الأبد قد يمنحها سلطة أكبر مما تستحق.

لذلك تطرح إيغر طريقًا مختلفًا: مواجهة ما حدث، الاعتراف بالألم، ثم محاولة استعادة القدرة على اختيار ما سيحدث بعد ذلك، وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: هذا الكلام لا يعني أن الإنسان مسؤول عن المصائب التي تقع عليه، ولا أن مجرد تغيير طريقة التفكير يمحو آثار التجارب القاسية، المقصود هو استعادة مساحة من الفعل بعد وقوع ما لا يمكن تغييره.

السجن الذي لا نراه

عنوان «الاختيار» يأخذنا إلى فكرة عميقة: يمكن أن يتحول العقل نفسه إلى مكان يعيش فيه الإنسان خلف القضبان، قد يكون الشخص حرًا من الخارج، لكنه يعيش أسيرًا لجملة قالها له أحدهم منذ سنوات، أو لخطأ قديم، أو لخيانة، أو لخوف من تكرار تجربة مؤلمة، أو لصورة معينة صنعها عن نفسه ولم يعد يعرف كيف يخرج منها.

وهنا لا تصبح المشكلة في أن الماضي موجود، وإنما في أن الماضي أصبح يحدد كل ما يأتي بعده، فالتحرر في رؤية إيغر، لا يعني نسيان ما حدث، وإنما ألا يصبح ما حدث هو الشيء الوحيد الذي يحدد هويتنا ومستقبلنا.

التسامح ليس إنكارًا للظلم

من أكثر الموضوعات حساسية في الكتاب حديث إيغر عن التسامح، والتسامح هنا لا يعني القول إن ما حدث كان مقبولًا، ولا يعني إسقاط المسؤولية عن الشخص الذي تسبب في الأذى، هناك فرق بين أن تسامح شخصًا، وأن تبرر ما فعله.

وقد يرى القارئ أن هذا الفصل من الكتاب من أكثر أجزائه قابلية للنقاش؛ لأن التسامح تجربة شخصية معقدة، ولا يمكن فرض توقيتها أو شكلها على كل إنسان، لكن الفكرة الأساسية التي يمكن مناقشتها هي: هل الاستمرار في الغضب يمنح الإنسان قوة فعلية، أم قد يجعله مرتبطًا بصورة مستمرة بالشخص أو الحدث الذي آلمه؟.

 الحرية تبدأ أحيانًا من مساحة صغيرة

لا تقدم إيغر الحرية باعتبارها قدرة سحرية على تغيير كل شيء، أحيانًا يكون الاختيار محدودًا جدًا، قد لا تستطيع تغيير الشخص الآخر، ولا الماضي، ولا القرار الذي اتخذه أحدهم ضدك، لكن ربما تستطيع اختيار الخطوة التالية، أو طريقة تعاملك مع الموقف، أو الشخص الذي تطلب منه المساعدة، أو الاتجاه الذي تريد أن تأخذ إليه حياتك.

وهذه المساحة الصغيرة قد تبدو بسيطة، لكنها مهمة؛ لأنها تنقل الإنسان من موقع «لم يحدث لي إلا هذا» إلى سؤال آخر: «ماذا سأفعل الآن؟».

خلاصة الكتاب فى نقاط

  1. الإنسان لا يختار كل الظروف التي تحدث له.
  2. الماضي لا يمكن تغييره، لكن علاقتنا به يمكن أن تتغير.
  3. الألم الذي لم تتم مواجهته قد يستمر في التأثير على الحاضر.
  4. الحرية النفسية ليست دائمًا مرتبطة بالظروف الخارجية.
  5. مواجهة الألم تختلف عن الاستسلام له.
  6. التسامح لا يعني تبرير الأذى.
  7. الإنسان قد يعيش خلف سجن نفسي صنعته تجاربه ومخاوفه.
  8. استعادة الاختيار قد تبدأ بخطوة صغيرة.
  9. التجارب المؤلمة يمكن أن تصبح جزءًا من قصة الإنسان دون أن تكون كل قصته.
  10. التحرر لا يعني تغيير الماضي، بل استعادة القدرة على بناء المستقبل.

يناسب الكتاب من يهتم بالسيرة الذاتية وعلم النفس والتجارب الإنسانية، خصوصًا القراء الذين يبحثون عن كتب تجمع بين القصة الشخصية والتأمل في معنى الحرية والتعافي.

كما يمكن أن يكون مناسبًا لمن مر بتجربة صعبة أو تغيير كبير في حياته، بشرط ألا يُقرأ باعتباره وصفة علاجية أو بديلًا عن المتخصصين عند الحاجة.

أبرز نقاط القوة أن إيغر لا تتحدث عن الألم من موقع نظري فقط؛ فهي تربط أفكارها بتجربتها الشخصية وبخبرتها المهنية الطويلة. كما أن الكتاب ينتقل بين السيرة والحكايات الإنسانية والتأمل النفسي، مما يجعله أكثر حيوية من كتاب نظري مباشر.

ومن نقاط قوته أيضًا أنه يفتح مساحة كبيرة لمناقشة مفاهيم مثل الحرية والتسامح والمسؤولية الشخصية دون اختزالها في نصائح قصيرة.

قد يجد بعض القراء أن بعض الأفكار النفسية تبدو عامة إذا فُصلت عن السياق الشخصي الذي جاءت فيه، كما أن قوة السيرة نفسها قد تجعل بعض المقاطع عاطفية أكثر من كونها تحليلية.

كذلك فإن فكرة «الاختيار» تحتاج إلى قراءة دقيقة حتى لا تتحول إلى فهم مبسط يوحي بأن الإنسان يستطيع دائمًا تجاوز أي ألم بمجرد تغيير طريقة تفكيره.

ملاحظات يمكن مناقشتها

أين تنتهي مسؤوليتنا عن الماضي، وأين تبدأ مسؤوليتنا عن المستقبل؟، هل يمكن أن نسامح دون أن ننسى؟، وهل التحرر الحقيقي يعني أن نتوقف عن التفكير فيما حدث، أم أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها التفكير فيه دون أن يسيطر علينا؟.

والسؤال الأصعب ربما هو: إذا لم يكن بإمكانك تغيير القصة التي حدثت لك، فهل تستطيع أن تختار الفصل التالي منها؟.

الكلمة الأخيرة

هناك أشياء في الحياة لا نختار بدايتها، لم نختر بعض الخسارات، ولا بعض الظروف، ولا الأشخاص الذين آذونا، ولا الأخطاء التي ارتكبها آخرون بحقنا، ولهذا تبدو فكرة «الاختيار» في كتاب إيغر مختلفة عن النصائح السريعة التي تطلب من الإنسان أن يكون إيجابيًا مهما حدث، هي لا تقول إن الألم غير موجود، ولا تقول إن الماضي بسيط.

بل تضع أمام القارئ سؤالًا أكثر واقعية: بعد أن حدث ما حدث، ماذا ستفعل بالجزء المتبقي من حياتك؟، ربما لا نستطيع دائمًا اختيار ما يحدث لنا، لكننا نستطيع ــ بدرجات مختلفة وبحسب الظروف ــ أن نحاول ألا يتحول ما حدث إلى تعريف كامل لنا، فالإنسان ليس فقط أكثر الأشياء ألمًا التي عاشها، ولا أكثر الأخطاء التي ارتكبها، ولا أسوأ يوم مر به.

قد يكون الماضي فصلًا مهمًا من قصته، لكنه ليس بالضرورة الفصل الأخير، وهنا ربما تكمن قيمة «الاختيار»: ليس في القدرة على تغيير ما مضى، وإنما في اكتشاف أن المستقبل لم يُكتب كله بعد.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشريه وأصحاب حقوق الترجمة والنشر، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا .

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: الاختيار: احتضان الحياة بكل ما فيها

العنوان الأصلي : The Choice: Embrace the Possible

المؤلف : إديث إيجر (Edith Eger) – (ترجمة: طارق العبد)

دار النشر : دار تنوير للنشر والتوزيع

بلد النشر: مصر / لبنان

سنة النشر: 2020م (للطبعة العربية)

الطبعة: الطبعة العربية الأولى

عدد الصفحات: حوالي 450 – 480 صفحة

ISBN: 9789776632488 (الترقيم القياسي الدولي المرتبط بالطبعة العربية المعتمدة)

رقم الإيداع: مسجل وفقاً لفهارس دار الكتب والوثائق القومية.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *