قراءة في كتاب ” قوة العادات”

تمهيد:

‏كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

‏هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

‏يناقش كتاب «قوة العادات» للكاتب تشارلز دويج الطريقة التي تتكون بها العادات وتستمر، ولماذا نكرر بعض السلوكيات حتى عندما نعرف أنها تضرنا، ويركز الكتاب على أن التخلص من العادة السيئة لا يعتمد دائما على قوة الإرادة، وإنما على فهم الطريقة التي تعمل بها العادة، ثم تغيير الروتين المرتبط بها مع الحفاظ على الإشارة والمكافأة.

‏ويقدم الكتاب ما يعرف بـ«القاعدة الذهبية لتغيير العادة»، والتي تقوم على الاحتفاظ بالإشارة التي تثير العادة والمكافأة التي يبحث عنها الشخص، مع استبدال الروتين القديم بسلوك جديد يمكنه تحقيق الشعور نفسه.

‏لماذا كتب هذا الكتاب؟

‏جاء الكتاب لمحاولة فهم السبب وراء استمرار الإنسان في القيام بسلوكيات معينة بصورة متكررة، سواء في حياته الشخصية أو العملية، حتى عندما تكون هذه السلوكيات غير مفيدة أو ضارة.

‏ويناقش المؤلف مشكلة التخلص من العادات السيئة، موضحا أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها قد لا يكون كافيا، لذلك يطرح طريقة عملية تساعد الإنسان على اكتشاف ما الذي يدفعه إلى عادته، وما المكافأة التي يبحث عنها من خلالها، ثم تجربة روتين آخر يحقق له المكافأة نفسها بطريقة مختلفة.

‏العادة لا تحدث بصورة عشوائية

‏يرى الكتاب أن العادة لا تحدث بصورة عشوائية، وإنما تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: الإشارة، والروتين، والمكافأة.

‏الإشارة هي الشيء الذي يحفز الإنسان على القيام بالسلوك، مثل وقت معين أو مكان محدد أو حالة نفسية، بعدها يأتي الروتين، وهو السلوك الذي اعتاد الشخص القيام به استجابة لهذه الإشارة، وفي النهاية تأتي المكافأة، وهي الشعور أو النتيجة التي يبحث عنها الشخص من وراء هذا السلوك.

السلوك هو الغاية

‏ومن أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب أن الإنسان قد يعتقد أنه يريد السلوك نفسه، بينما تكون رغبته الحقيقية مرتبطة بالمكافأة التي يحصل عليها بعد القيام به.

فالمدخن، على سبيل المثال، قد يظن أنه يحتاج إلى السيجارة للحصول على النيكوتين، لكن رغبته قد تكون في الحقيقة مرتبطة بالابتعاد عن الملل، أو الحصول على استراحة من العمل، أو التواصل مع أشخاص آخرين.

إعادة التفكير في المكافأة

‏وهنا تظهر أهمية إعادة التفكير في المكافأة، فإذا عرف الإنسان ما الذي يبحث عنه فعلا، يستطيع تجربة سلوك آخر يمنحه الإحساس نفسه دون العودة إلى العادة القديمة.

مراقبة الإشارات

‏ويؤكد الكتاب أيضا أهمية مراقبة الإشارات التي تسبق العادة، ويمكن للشخص أن يسأل نفسه عند ظهور الرغبة: أين أنا؟ كم الساعة؟ ما حالتي النفسية؟ وماذا كنت أفعل قبل أن أشعر بهذه الرغبة؟

‏هذه الأسئلة تساعد على اكتشاف الأنماط المتكررة التي تقود إلى السلوك.

خلاصة الكتاب

  • ‏العادة تتكون من إشارة وروتين ومكافأة، وفهم هذه العناصر يساعد على تغيير السلوك المتكرر.
  • ‏قوة الإرادة وحدها ليست دائما كافية للتخلص من العادات السيئة، لذلك يحتاج الشخص إلى فهم الطريقة التي تعمل بها عادته.
  • ‏القاعدة الذهبية لتغيير العادة تقوم على الاحتفاظ بالإشارة والمكافأة، مع تغيير الروتين الذي يقع بينهما.
  • ‏إعادة التفكير في المكافأة خطوة أساسية، لأن الإنسان قد يعتقد أنه يريد سلوكا معينا بينما يكون في الحقيقة يبحث عن شعور مختلف.
  • ‏الرغبة في تناول الكعك مثلا قد لا تكون بسبب الطعام نفسه، وإنما بسبب الحاجة إلى التسلية أو الإلهاء أو التواصل الاجتماعي.
  • ‏مراقبة الإشارات تساعد على اكتشاف العادة، مثل ملاحظة المكان والوقت والحالة النفسية والسلوك الذي يحدث بعد ظهور الرغبة.
  • ‏تجربة أكثر من روتين جديد تساعد على معرفة البديل المناسب، فلا يمكن معرفة السلوك الذي سيشبع الرغبة إلا من خلال التجربة.
  • ‏كتابة خطة واضحة للسلوك الجديد تزيد فرص الالتزام به، مثل تحديد ما الذي سأفعله عندما تظهر الإشارة القديمة، وما المكافأة التي أتوقع الحصول عليها.
  • ‏الاستعداد المسبق يقلل الحاجة إلى اتخاذ قرار في لحظة الرغبة، لأن الشخص يكون قد حدد بالفعل السلوك الذي سيقوم به بدلا من عادته القديمة.
  • ‏تغيير العادة لا يعني تجاهل الرغبة، وإنما فهمها وإشباعها بطريقة مختلفة، وهو ما يجعل استبدال السلوك القديم أكثر قابلية للاستمرار.

‏لمن يناسب هذا الكتاب؟‏

يناسب الأشخاص المهتمين بفهم العلاقة بين السلوك والمشاعر، وكيف يمكن لاكتشاف السبب الحقيقي وراء العادة أن يساعد في إيجاد بديل مناسب لها.

‏ولا يقتصر الأمر على العادات الشخصية، فالكتاب يوضح أيضا إمكانية استخدام فهم العادات في بيئة العمل، من خلال تدريب الأشخاص على الاستجابة للمواقف المختلفة بروتينات جديدة ومحددة مسبقا.

ملاحظات

‏من الأفكار المهمة التي يمكن مناقشتها في الكتاب أن تغيير العادة لا يبدأ بالضرورة من منع السلوك مباشرة، وإنما من فهم السبب الذي يجعل الشخص يرغب في القيام به, فقد يكون السلوك الظاهر مجرد وسيلة للحصول على شيء آخر.

‏كما يلفت الكتاب الانتباه إلى أهمية التجربة، فاختيار البديل المناسب لا يحدث دائما من المحاولة الأولى، وإنما قد يحتاج الشخص إلى تجربة أكثر من روتين حتى يعرف السلوك الذي يحقق له المكافأة التي كان يبحث عنها.

فعندما تظهر الإشارة القديمة، لا تحاول فقط مقاومة الرغبة، بل اسأل نفسك عما تبحث عنه فعلا، ثم اختر روتينا جديدا يمكنه أن يمنحك المكافأة نفسها.

‏وبهذه الطريقة يصبح تغيير العادة عملية قائمة على الفهم والملاحظة والتجربة، وليس مجرد محاولة مستمرة لمقاومة النفس.

الكلمة الأخيرة

‏عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

‏وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

‏العنوان: قوة العادات

‏المؤلف: تشارلز دويج

‏دار النشر: مكتبة جرير

‏بلد النشر: المملكة العربية السعودية

‏الطبعة: الطبعة الأولى 2013م

‏سنة النشر: 2013م

‏عدد الصفحات: 280 صفحة

‏رقم الإيداع: غير موجود لأنه خارج البلد

‏ISBN: 6281072075446

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *