تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ينطلق إدوارد دي بونو في كتاب «علم نفسك كيف تفكر» من فكرة محورية هي أن التفكير ليس قدرة ثابتة نمتلكها بالقدر نفسه طوال حياتنا، وإنما مهارة يمكن تعلمها وتطويرها وتدريب العقل على استخدامها بصورة أكثر فاعلية. فالإنسان قد يمتلك المعلومات والخبرة، لكنه لا يستفيد منهما بالضرورة إذا لم يمتلك طريقة منظمة للتفكير في المشكلة أو الموقف أو القرار.
يركز الكتاب على الانتقال من التفكير التلقائي إلى التفكير الواعي والمنظم، بحيث يتعلم الفرد كيف ينظر إلى الأفكار والمعلومات من زوايا متعددة، وكيف يحدد ما يريد الوصول إليه قبل أن يبدأ في التفكير، ثم يرتب المعلومات المتاحة أمامه ويفحص البدائل والاحتمالات وصولاً إلى قرار يمكن تحويله إلى فعل. وتوضح منهجية دي بونو أن التفكير الجيد لا يعني التفكير لفترة أطول، وإنما التفكير بطريقة أكثر وضوحاً وتركيزاً.
ويولي المؤلف اهتماماً كبيراً بقدرة العقل على تجاوز الأنماط المعتادة. فالإنسان يميل بطبيعته إلى استخدام الطرق التي اعتاد عليها، وقد يؤدي ذلك إلى رؤية المشكلة من زاوية واحدة أو البحث عن إجابة مألوفة حتى عندما تحتاج المسألة إلى طريقة مختلفة. ومن هنا تظهر أهمية التفكير الإبداعي والمرونة الذهنية، والقدرة على إعادة صياغة السؤال والنظر إلى المشكلة من اتجاه جديد.
ومن الأفكار الأساسية في الكتاب أن التفكير ليس مجرد تحليل منطقي للمعلومات، بل عملية تشمل تحديد الأهداف، وتنظيم الانتباه، وتوليد البدائل، والمقارنة بينها، واتخاذ القرار، ثم الانتقال من الفكرة إلى التطبيق. ويعرض دي بونو التفكير باعتباره مهارة عملية يمكن استخدامها في الحياة اليومية والعمل والتعلم وحل المشكلات.
كما يركز الكتاب على أهمية التمييز بين جمع المعلومات وبين استخدامها. فزيادة المعلومات لا تؤدي تلقائياً إلى قرارات أفضل، لأن المشكلة قد تكون في طريقة ترتيب المعلومات أو تفسيرها أو اختيار ما يستحق الاهتمام. ولذلك يحتاج التفكير الفعال إلى القدرة على تحديد الأولويات، وفصل العناصر المهمة عن التفاصيل التي قد تشتت الانتباه.
وتتضح أهمية منهج دي بونو في تركيزه على بناء عادة عقلية تقوم على السؤال والمراجعة والبحث عن البدائل، بدلاً من الاكتفاء بأول فكرة تظهر في الذهن. فالتفكير المتعدد الزوايا يساعد الإنسان على اكتشاف خيارات ربما لا تظهر عندما ينظر إلى المشكلة بالطريقة التقليدية نفسها.
ومن أبرز النقاط التي يستند إليها الكتاب أن التفكير مهارة قابلة للتعلم، وأن تحسينها يحتاج إلى ممارسة واعية، وأن القرار الجيد يبدأ بتحديد ما نريد تحقيقه. كما أن تنظيم المعلومات، وفحص البدائل، والقدرة على إعادة النظر في الفكرة، ثم تحويل القرار إلى خطوات عملية، كلها عناصر أساسية في التفكير المنتج.
ويستهدف الكتاب شريحة واسعة من القراء؛ فهو مناسب للطلاب والباحثين والعاملين والمديرين وكل شخص يحتاج إلى اتخاذ قرارات أو حل مشكلات بصورة أكثر كفاءة. كما يخاطب المهتمين بتطوير الذات والقدرات العقلية، لأنه لا يتعامل مع التفكير باعتباره موضوعاً نظرياً فقط، بل يقدم له باعتباره أداة يمكن استخدامها في الحياة اليومية.
ومن نقاط قوة الكتاب أنه يحاول تحويل التفكير من نشاط تلقائي إلى مهارة يمكن تدريبها، كما يقدم رؤية عملية تساعد القارئ على مراجعة الطريقة التي يتعامل بها مع المشكلات والأفكار. وتكمن إحدى النقاط التي تحتاج إلى نقاش في أن أي منهج للتفكير يظل مرتبطاً بطبيعة المشكلة والظروف المحيطة بها، كما أن الأدوات الذهنية وحدها لا تضمن دائماً الوصول إلى القرار الصحيح، خصوصاً عندما تكون المعلومات ناقصة أو غير دقيقة.
وتفتح أفكار دي بونو باباً مهماً للتأمل في العلاقة بين المعرفة والتفكير؛ فامتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة حسن استخدامها، والذكاء لا يضمن وحده جودة القرار. الأهم هو امتلاك القدرة على توجيه العقل، وتغيير زاوية النظر، واختبار البدائل، ومعرفة متى نحلل ومتى نبتكر ومتى ننتقل من التفكير إلى التنفيذ.
وفي النهاية، يقدم «علم نفسك كيف تفكر» رسالة عملية مفادها أن تحسين طريقة التفكير يمكن أن يغير طريقة تعامل الإنسان مع المشكلات والفرص والقرارات. فالعقل لا يحتاج دائماً إلى معلومات أكثر، بقدر ما يحتاج أحياناً إلى طريقة أفضل في استخدام ما لديه من معلومات. ومن هنا يصبح تعلم التفكير مشروعاً مستمراً، لا ينتهي باكتساب قاعدة أو تقنية، وإنما يتطور مع التجربة والممارسة والقدرة على مراجعة الذات.
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: علم نفسك كيف تفكر
العنوان الأصلي: Teach Yourself to Think
المؤلف: إدوارد دي بونو (Edward de Bono)
الترجمة: شريف محسن
دار النشر: دار نهضة مصر للنشر
بلد النشر: مصر
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 357 صفحة
رقم الإيداع: غير متاح في البيانات المنشورة
ISBN: 9789771459385







