ماذا لو كانت المشكلة ليست في أننا نعيش في عالم مليء بالمخاطر، وإنما في أننا نبني حياتنا واقتصاداتنا ومؤسساتنا على افتراض أن المستقبل يمكن التنبؤ به؟ من هذا السؤال ينطلق نسيم نيكولاس طالب في كتابه «مضاد للهشاشة: أشياء تكتسب من الاضطراب»، أحد أعماله ضمن سلسلة «إنسرتو» التي تتناول عدم اليقين والمخاطر والعشوائية.
ويطرح طالب مفهوما يتجاوز فكرة الصمود؛ فهناك أشياء لا تكتفي بالبقاء عندما تتعرض للصدمات، وإنما تتحسن وتزداد قوة بسبب الاضطراب نفسه، ومن هنا يأتي مفهوم «مضاد الهشاشة» الذي يقدمه طالب باعتباره طريقة مختلفة للتفكير في الاقتصاد والأسواق والمؤسسات وحتى القرارات الشخصية.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
كتب طالب «مضاد للهشاشة» لمواجهة الميل البشري والمؤسسي إلى البحث عن الاستقرار الكامل ومحاولة السيطرة على المستقبل من خلال التنبؤ والتخطيط، حيث يرى الكاتب أن الأنظمة المعقدة لا تعمل دائمًا بالطريقة الخطية التي نفترضها، وأن محاولة إزالة جميع التقلبات والمخاطر قد تجعل النظام أكثر هشاشة بدلًا من حمايته.
فالاقتصاد، والأسواق المالية، والشركات، وحتى الأفراد، يتعرضون باستمرار لصدمات لا يمكن توقعها بدقة، ولذلك لا تكمن الحكمة في محاولة معرفة كل ما سيحدث مستقبلا، وإنما في بناء أنظمة تستطيع تحمل المفاجآت والاستفادة منها عندما تقع.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
الهشاشة: هي قابلية النظام للتضرر عندما يتعرض للصدمة أو التقلب.
الصلابة: تعني قدرة الشيء على تحمل الصدمة والعودة إلى حالته السابقة.
مضاد الهشاشة: مستوى يتجاوز الصلابة، إذ يصبح الاضطراب نفسه عاملًا يؤدي إلى التحسن والتطور.
عدم اليقين: لا يمكن القضاء عليه، ولذلك ينبغي تصميم القرارات والمؤسسات مع افتراض وجود أحداث غير متوقعة.
التجربة والخطأ: يرى طالب أن الأنظمة التي تسمح بالتجربة المحدودة والتعلم من الأخطاء قد تكون أكثر قدرة على التطور من الأنظمة التي تعتمد على التخطيط المركزي الصارم.
التنوع واللامركزية: وجود بدائل متعددة يمكن أن يقلل أثر فشل عنصر واحد على النظام بأكمله.
تقليل الخسائر وتعظيم فرص المكاسب: في بيئة غير مؤكدة، قد يكون من الأفضل تصميم القرارات بحيث تكون الخسارة المحتملة محدودة، بينما تظل فرص الاستفادة من الأحداث الإيجابية مفتوحة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بالاقتصاد والأسواق المالية وإدارة المخاطر وريادة الأعمال، كما يناسب القراء الذين يهتمون بفهم كيفية اتخاذ القرارات في بيئة لا يمكن التنبؤ بها.
وهو مفيد بصورة خاصة للمديرين وأصحاب الشركات والمستثمرين وصناع السياسات، لأنه يطرح سؤالا مختلفا حول المخاطر: بدلا من السؤال عن كيفية منع كل صدمة، يسأل كيف يمكن بناء نظام يستفيد من بعض الصدمات؟ كما يناسب الصحفيين والباحثين، لأن مفهوم «مضاد الهشاشة» يوفر إطارا لتحليل المؤسسات والاقتصادات التي تتعرض باستمرار للتغيرات والأزمات.
مميزات الكتاب
من أبرز مميزات الكتاب أن طالب لا يتعامل مع عدم اليقين باعتباره مجرد مشكلة يجب التخلص منها، وإنما باعتباره جزءا أصيلا من الواقع.
كما يتميز بتداخل الاقتصاد مع الفلسفة والإحصاء والاحتمالات والتاريخ، وهي طريقة تجعل الكتاب مختلفا عن الكتب التقليدية في إدارة المخاطر.
ويطرح طالب كذلك فكرة مهمة تتعلق بالتجربة، فالأنظمة التي تسمح بتجارب صغيرة وخسائر محدودة قد تتعلم وتتطور بمرور الوقت، بينما يمكن لقرار مركزي واحد واسع النطاق أن ينتج خسارة كبيرة إذا كانت الفرضيات التي بُني عليها خاطئة.
ومن الأفكار اللافتة أيضا انتقاده للثقة المفرطة في النماذج والتوقعات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنظمة معقدة مثل الاقتصاد والأسواق.
قراءة صحفية
من منظور الصحافة الاقتصادية، يقدم «مضاد للهشاشة» طريقة مهمة لقراءة الأزمات، فعندما تحدث أزمة اقتصادية، غالبا ما ينصب التركيز على حجم الخسائر وما إذا كان يمكن توقع الأزمة مسبقا، لكن منهج طالب يدفع الصحفي إلى طرح أسئلة أخرى، وهي هل كان النظام مستعدًا للصدمات؟ هل كانت المخاطر موزعة أم مركزة؟ هل أدى تدخل معين إلى تقليل الخطر مؤقتا لكنه جعل النظام أكثر هشاشة على المدى الطويل؟ ومن هي الجهات التي استفادت من الأزمة ومن تحمل تكلفتها؟
وتصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية في عالم تتكرر فيه الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية، وتتغير فيه أسعار الطاقة والفائدة والعملات بسرعة، كما يمكن تطبيق فكرة «مضاد الهشاشة» على الشركات، فالشركة التي تعتمد على مصدر واحد للإيرادات أو مورد واحد أو سوق واحد قد تكون أكثر تعرضا للصدمة من شركة لديها بدائل متعددة.
وينطبق الأمر نفسه على الاقتصاد الوطني، فتنويع مصادر العملة الأجنبية، وتعدد الأسواق التصديرية، وتنوع مصادر الطاقة والإنتاج، كلها عوامل يمكن أن تقلل أثر الصدمات الخارجية، لكن الكتاب لا ينبغي التعامل معه باعتباره وصفة جاهزة لكل مشكلة اقتصادية، فبعض أطروحات طالب فلسفية وجدلية، كما أن تطبيق مفهوم «مضاد الهشاشة» يحتاج إلى تحديد طبيعة النظام والصدمة وتكلفة التجربة والخطأ.
وفي النهاية، تتمثل الفكرة الرئيسية في أن أفضل طريقة للتعامل مع المستقبل المجهول ليست محاولة التنبؤ بكل ما سيحدث، وإنما بناء أفراد ومؤسسات واقتصادات تستطيع تحمل المفاجآت والتكيف معها، بل وتحويل بعضها إلى فرص للنمو.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: مضاد للهشاشة: أشياء تكتسب من الاضطراب
العنوان بالإنجليزية: Antifragile: Things That Gain from Disorder
المؤلف: نسيم نيكولاس طالب
السلسلة: Incerto
دار النشر: Random House – للطبعة الإنجليزية الأولى
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: تُستكمل حسب النسخة المستخدمة
سنة النشر: 2012
عدد الصفحات: 519 صفحة
رقم الإيداع: 2012028697







