قراءة في كتاب The Fifth Agreement — الاتفاقية الخامسة دون ميغيل رويز و دون خوسيه رويز،

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

كثير من الصراعات التي يعيشها الإنسان لا تبدأ من الأحداث نفسها، وإنما من الطريقة التي يفسر بها هذه الأحداث، فكلمة يسمعها يمكن أن تتحول إلى جرح، ورأي عابر يمكن أن يصبح حقيقة ثابتة في عقله، وموقف بسيط قد يأخذ حجما أكبر من حجمه بسبب الأفكار التي يضيفها الإنسان إليه، ومن هذه الفكرة ينطلق كتاب “الاتفاقية الخامسة” لدون ميغيل رويز ودون خوسيه رويز، ليقدم تأملات حول الكلام والمعتقدات وطريقة استقبال الإنسان لما يسمعه من الآخرين، فالإنسان لا يعيش فقط داخل العالم الخارجي، وإنما يعيش أيضًا داخل عالم من الأفكار والتفسيرات التي يصنعها باستمرار.

يعتمد الكتاب على أربع اتفاقيات أساسية سبق أن قدمها دون ميغيل رويز في كتابه “الاتفاقيات الأربع”، ثم يضيف إليها اتفاقية خامسة تتمحور حول الشك في الأفكار وعدم اعتبار كل ما نسمعه حقيقة نهائية، ويبدأ المؤلفان من ملاحظة بسيطة لكنها عميقة، وهي أن الإنسان يتلقى منذ طفولته عددا هائلا من الرسائل والقواعد والأحكام حول نفسه والعالم، ويتعلم تدريجيا ما ينبغي أن يفعله وما لا ينبغي أن يفعله، وما الذي يجعله مقبولا أو مرفوضا في نظر الآخرين.

ومع مرور الوقت تتحول هذه الرسائل إلى معتقدات داخلية، وقد يبدأ الإنسان في التعامل معها باعتبارها حقائق لا تحتاج إلى مراجعة، فإذا قيل له منذ الصغر إنه ضعيف، أو غير ذكي، أو غير محبوب، فقد يحمل هذه الكلمات معه سنوات طويلة حتى بعد أن تتغير الظروف التي قيلت فيها، وهنا تظهر أهمية الوعي، لأن الإنسان قد يقضي جزءا كبيرا من حياته وهو يحاول إثبات أو نفي أحكام لم يخترها بنفسه أصلا.

ويركز الكتاب بصورة خاصة على قوة الكلمات، فالكلمة ليست مجرد صوت ينتهي بمجرد نطقها، وإنما يمكن أن تترك أثرًا في عقل الإنسان، وقد يستخدم الإنسان اللغة لبناء نفسه أو لتحطيمها، كما يمكن أن يستخدمها للحكم على الآخرين أو للتقرب منهم، ولذلك يدعو المؤلفان إلى أن يكون الإنسان أكثر انتباهًا لما يقوله، وألا يستخدم الكلام في نشر الخوف أو الإهانة أو الأحكام الجارحة.

لكن الاتفاقية الخامسة تضيف جانبا مهما إلى هذه الفكرة، فهي لا تطلب من الإنسان أن يصدق كل ما يسمعه، حتى لو جاء الكلام من شخص يثق به، بل تدعوه إلى الاستماع دون إصدار حكم سريع، ثم التفكير فيما سمعه وتحديد ما إذا كان يتوافق مع الحقيقة من وجهة نظره أم لا، وهذا لا يعني رفض الآخرين أو اعتبارهم مخطئين دائمًا، وإنما يعني عدم تسليم العقل بشكل كامل لأي فكرة لمجرد أنها قيلت بثقة.

ومن هنا تظهر قيمة الشك الواعي، فالشك في الكتاب ليس حالة من الرفض المستمر، وإنما وسيلة لحماية العقل من تحويل الآراء إلى حقائق، فقد يتحدث شخص عن تجربة عاشها ويصفها باعتبارها حقيقة عامة، بينما هي في النهاية تجربته الخاصة، وقد يقدم شخص حكما على إنسان آخر باعتباره وصفا موضوعيًا، بينما يكون هذا الحكم نابعا من مشاعره وتجاربه وتفسيراته الشخصية.

ويؤكد الكتاب كذلك أن الإنسان غالبا ما يسمع الآخرين من خلال معتقداته السابقة، ولذلك قد لا يسمع الكلام كما قيل فعلا، وإنما يسمعه بالطريقة التي تسمح بها أفكاره ومخاوفه، فالشخص الذي يحمل اعتقادا بأنه غير محبوب قد يفسر ملاحظة عادية باعتبارها رفضا، والشخص الذي يشعر دائمًا بأنه مهدد قد يرى في اختلاف الرأي هجوما عليه، وهكذا تصبح المشكلة أحيانا ليست في الكلمات وإنما في المعنى الذي يضيفه العقل إليها.

ويمنح المؤلفان أهمية كبيرة لفكرة عدم أخذ الأمور بصورة شخصية، لأن الإنسان كثيرا ما يفسر تصرفات الآخرين باعتبارها انعكاسا لقيمته الشخصية، فإذا غضب شخص منه اعتقد أنه سيئ، وإذا رفضه شخص اعتقد أنه غير جدير بالحب، وإذا انتقده أحد اعتبر النقد حكما كاملا على شخصيته، بينما قد تكون تصرفات الآخرين مرتبطة بعالمهم الداخلي وتجاربهم ومخاوفهم أكثر مما ترتبط به هو.

وهنا يصبح التحرر من التفسيرات الشخصية خطوة مهمة نحو السلام الداخلي، فالإنسان لا يستطيع التحكم في أفكار الآخرين أو كلماتهم أو أحكامهم، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يستقبل بها هذه الأشياء، ويمكنه أن يستمع إلى النقد دون أن يحوله إلى إدانة لنفسه، وأن يسمع المديح دون أن يجعل قيمته متوقفة عليه.

ويشير الكتاب أيضا إلى أن الإنسان يحتاج إلى الفصل بين الحقيقة والتفسير، فالحدث شيء، والمعنى الذي نعطيه له شيء آخر، وقد تكون لدينا قدرة محدودة على تغيير الحدث بعد وقوعه، لكن لدينا مساحة أكبر لإعادة النظر في تفسيرنا له، وهذه الفكرة تساعد الإنسان على اكتشاف أن جزءًا من معاناته لا يأتي من الواقع وحده، وإنما من القصص التي يبنيها في ذهنه حول هذا الواقع.

وفي العلاقات الإنسانية، يمكن لهذه الرؤية أن تغير طريقة التعامل مع الخلافات، فبدلا من الدخول مباشرة في معركة لإثبات من المخطئ ومن المصيب، يمكن للإنسان أن يتوقف ويسأل نفسه ماذا سمع فعلًا، وماذا أضاف عقله إلى الكلام، وهل هناك احتمال أن يكون الطرف الآخر يتحدث من تجربة مختلفة، وعندما يصبح الاستماع أكثر هدوءا تقل مساحة سوء الفهم وتصبح فرص الحوار أكبر.

ولا يقدم الكتاب الحرية العقلية باعتبارها تجاهلا لكل شيء، بل باعتبارها قدرة على الاختيار، فالإنسان يستطيع أن يستمع إلى الأفكار المختلفة، وأن يفحصها، وأن يأخذ منها ما يراه مناسبا ويترك ما لا يتوافق مع تجربته وقناعته، وبذلك يتحول العقل من مساحة تستقبل الأفكار بصورة تلقائية إلى مساحة أكثر وعيا بما تسمح له بالدخول إليها.

وتكتمل الفكرة عندما يتعلم الإنسان أن يتحدث مع نفسه بالطريقة نفسها التي يريد أن يتحدث بها مع الآخرين، لأن الكلمات القاسية التي نوجهها إلى أنفسنا يمكن أن تصبح أكثر تأثيرا من كلام الآخرين، وقد يتحول النقد الداخلي المستمر إلى صوت دائم يجعل الإنسان يرى عيوبه أكبر من حقيقتها ويقلل من قدرته على التغيير، ولذلك فإن الوعي بالكلام الداخلي يمثل جزءًا أساسيا من بناء علاقة أكثر صحة مع الذات.

وفي النهاية، يدعو “الاتفاقية الخامسة” إلى حياة تقوم على الوعي بدلا من التلقائية، وعلى الاستماع بدلا من الحكم، وعلى الفهم بدلًا من التفسير المتسرع، وعلى اختيار المعتقدات بدلًا من قبولها بصورة آلية، فالإنسان لا يستطيع منع الآخرين من الكلام، ولا يستطيع التحكم في الطريقة التي يفكرون بها، لكنه يستطيع أن يقرر مقدار السلطة التي يمنحها لكلماتهم داخل حياته.

“الاتفاقية الخامسة” كتاب عن الحرية الداخلية أكثر مما هو كتاب عن التواصل، لأنه يضع أمام الإنسان سؤالًا أساسيًا، هل كل ما نسمعه يستحق أن نصدقه؟ وهل كل رأي يقال عنا يجب أن يتحول إلى حقيقة داخلنا؟ يقدم دون ميغيل رويز ودون خوسيه رويز إجابة تقوم على الاستماع والشك الواعي وعدم أخذ كلام الآخرين بصورة شخصية، مع الانتباه إلى الكلمات التي نستخدمها مع أنفسنا ومع من حولنا، وربما تكون الفكرة الأهم في الكتاب أن الإنسان لا يصبح حرا عندما يمنع الآخرين من الحكم عليه، وإنما عندما يتوقف هو عن منح أحكامهم القدرة على تحديد قيمته وحقيقته.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: الاتفاقية الخامسة

المؤلف: دون ميغيل رويز ودون خوسيه رويز

دار النشر: Amber-Allen Publishing

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2010

عدد الصفحات: 224 صفحة تقريبًا، بحسب الطبعة

ISBN: 978-1-878424-68-3

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *