قراءة في كتاب “أجاثا كريستي واستخدام السموم”

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ماذا يحدث عندما تدخل الكيمياء إلى قلب الرواية البوليسية؟، هذا هو السؤال الذي ينطلق منه كتاب «أجاثا كريستي واستخدام السموم»، الذي تتتبع فيه الباحثة كاثرين هاركاب العلاقة بين أشهر كاتبات أدب الجريمة وبين معرفتها بالسموم والعقاقير والطب والصيدلة.

الكتاب لا يكتفي بإحصاء المواد السامة التي ظهرت في روايات أجاثا كريستي، وإنما يحاول أن يفهم كيف استخدمتها الكاتبة في بناء الألغاز، وكيف وظفت المعرفة العلمية لخدمة الحبكة، وكيف تحولت الأعراض والخصائص العلمية إلى أدلة أمام القارئ.

والنسخة العربية هي ترجمة لكتاب «A Is for Arsenic: The Poisons of Agatha Christie»، الصادر أصلًا عن Bloomsbury، وقد صدرت الطبعة العربية الأولى عن العربي للنشر والتوزيع عام ٢٠٢٦.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

ارتبط اسم أجاثا كريستي طويلًا بالقتل الغامض والجرائم المعقدة، لكن الكتاب ينقل التركيز من سؤال «من القاتل؟» إلى سؤال آخر: «كيف صُنعت الجريمة أدبيًا؟»، فالسم في روايات كريستي ليس مجرد وسيلة للتخلص من الضحية، وإنما عنصر من عناصر بناء اللغز.

الأعراض، وتوقيت ظهورها، وطبيعة المادة المستخدمة، وما يعرفه المحقق وما يجهله القارئ، كلها يمكن أن تدخل في بناء الحبكة، ومن هنا تحاول هاركاب أن تكشف الجانب العلمي الكامن خلف القصص التي يعرفها ملايين القراء.

أجاثا كريستي والصيدلة

أحد المفاتيح الرئيسية لفهم علاقة كريستي بالسموم هو خبرتها العملية، فخلال الحرب العالمية الأولى عملت كريستي في المستشفى، ثم تلقت تدريبًا في الصيدلة، وهو ما منحها معرفة مباشرة بالأدوية والمواد الكيميائية وتأثيراتها.

وهذه الخبرة لم تبقَ خارج عالمها الأدبي، وإنما تسربت إلى رواياتها، وأصبحت جزءًا من الأدوات التي تستخدمها في بناء الجرائم، وتوضح هاركاب أن هذه المعرفة ساعدت كريستي على كتابة التفاصيل العلمية بطريقة تخدم القارئ العادي، من دون أن تحول الرواية إلى كتاب طبي.

العلم داخل الرواية البوليسية

ما يميز استخدام السموم عند كريستي هو أن العلم لا يظهر باعتباره معلومة منفصلة عن الأحداث، فالمعلومة العلمية يمكن أن تكون مفتاحًا لحل الجريمة، كما يمكن أن تكون وسيلة لتضليل القارئ.

وهنا تظهر براعة الرواية البوليسية: القارئ يحصل على المعلومات نفسها تقريبًا، لكن عليه أن يعرف كيف يقرأها، فالأعراض التي تبدو عابرة قد تكون دليلًا، وتفصيلة صغيرة في حديث إحدى الشخصيات قد تحمل معنى، ومعلومة عن دواء أو مادة قد تغير تفسير المشهد كله.

أربعة عشر سمًا

تتناول هاركاب في الكتاب أربعة عشر سمًا ارتبطت بأعمال أجاثا كريستي، وتستخدم كل مادة منها مدخلًا إلى إحدى الحكايات أو الروايات، ومن بين هذه المواد: الزرنيخ، والبيلادونا، والسيانيد، والديجيتاليس، والشوكران، والنيكوتين، والأفيون، والريسين، والستركنين، والثاليوم وغيرها.

لكن أهمية هذه القائمة ليست في تعداد المواد، وإنما في الطريقة التي تستخدم بها المؤلفة كل مادة للكشف عن جانب من طريقة كريستي في الكتابة، فالسم هنا يصبح شخصية غير مرئية في الرواية؛ له خصائصه وتأثيراته، ويمكن أن يقود المحقق والقارئ إلى الحقيقة.

«الحصان الأشهب» وخبرة كريستي

من الأمثلة اللافتة التي يناقشها الكتاب ارتباط بعض خبرات كريستي العملية بما ظهر لاحقًا في رواياتها، فالكاتبة لم تكن تجمع معلومات السموم من الخيال وحده، وإنما استفادت من سنوات عملها ومعرفتها بالأدوية.

وتظهر هذه الخلفية في أعمال مثل «الحصان الأشهب»، حيث تتحول المعرفة الدوائية إلى جزء من عالم الرواية، وهذا يوضح أن خبرة الكاتب في الحياة الواقعية يمكن أن تصبح مادة روائية، حتى عندما لا تظهر بشكل مباشر.

القارئ شريك في حل الجريمة

تضع كريستي قارئها أمام الأدلة، لكنها تعرف جيدًا كيف تجعله يقرأها بطريقة خاطئة، وهذه من أهم النقاط التي تبرزها هاركاب؛ فالقارئ لا يُحرم بالضرورة من المعلومة، لكنه قد لا يعرف أهميتها في اللحظة المناسبة، وهنا تتحول المعرفة العلمية إلى لعبة أدبية.

فإذا عرف القارئ أن مادة معينة يمكن أن تسبب أعراضًا محددة، يصبح قادرًا على إعادة قراءة الأحداث من منظور مختلف. وإذا لم يعرف، فقد يمر على الدليل دون أن ينتبه.

الدقة العلمية في خدمة التشويق

لا يعني استخدام العلم في الرواية أن يتحول السرد إلى محاضرة، وهذه إحدى نقاط قوة كريستي التي تحللها هاركاب؛ فقد كانت تقدم المعلومات الضرورية داخل الحوار والأحداث والوصف، بحيث تصبح جزءًا من القصة نفسها، وهكذا يخدم العلم التشويق بدلًا من أن يقطعه.

وتوضح المؤلفة أن إعادة قراءة أعمال كريستي في ضوء معرفتها العلمية تمنح القارئ طريقة جديدة لفهم براعتها؛ فالتفاصيل التي تبدو عادية عند القراءة الأولى قد تصبح أكثر وضوحًا عند معرفة خلفيتها العلمية.

السم كأداة للغموض

لم يكن اختيار السم في الرواية البوليسية اعتباطيًا، فطبيعة السم يمكن أن تساعد الكاتب في خلق جريمة مختلفة عن الجريمة التقليدية التي تعتمد على السلاح المباشر.

وتسمح هذه الوسيلة بتأخير اكتشاف الجريمة، وإرباك المحقق، وفتح مساحة واسعة للتساؤلات حول وقت الوفاة وسببها والظروف المحيطة بها، وبالتالي يصبح السم أداة سردية تخلق الغموض، وليس مجرد وسيلة قتل داخل الحكاية.

الأدب يستفيد من العلم

الكتاب في جوهره يقدم مثالًا واضحًا على العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، فالرواية الأدبية تستفيد من الكيمياء والصيدلة والطب الشرعي، بينما تمنح الرواية هذه المعرفة سياقًا إنسانيًا يجعل القارئ يتفاعل معها.

وهذا النوع من التداخل بين المجالات يوضح أن المعرفة لا تعمل دائمًا داخل جزر منفصلة، فقد تبدأ المعلومة داخل مختبر، لكنها تجد طريقها إلى رواية، ثم تصبح جزءًا من ثقافة ملايين القراء.

الجرائم الحقيقية وراء بعض الحكايات

لا تكتفي هاركاب بالحديث عن الروايات، وإنما تتتبع أيضًا بعض القضايا الحقيقية التي ارتبطت بالسموم والقتل، وتبحث في الطريقة التي يمكن أن تكون بها هذه الوقائع قد أثرت في الأدب البوليسي، وهنا تتسع دائرة الكتاب من عالم أجاثا كريستي إلى التاريخ الاجتماعي للسموم والجريمة، وكيف تغيرت نظرة المجتمعات إلى بعض المواد عبر الزمن.

وهذا يجعل الكتاب في الوقت نفسه قراءة في الأدب ونافذة على تاريخ العلم والجريمة.

هل كانت كريستي دقيقة دائمًا؟

رغم الإشادة بالمعرفة العلمية للكاتبة، لا يتعامل الكتاب معها باعتبارها معصومة من الخطأ، فالأدب ليس مختبرًا، والروائي له احتياجات سردية قد تجعله يتعامل مع العلم بطريقة تخدم الحبكة.

وهذه نقطة مهمة عند قراءة الروايات القديمة؛ فالمعلومة العلمية الموجودة في عمل أدبي يجب ألا تُعامل تلقائيًا باعتبارها مرجعًا علميًا، القيمة الحقيقية هنا هي فهم كيف استخدمت كريستي المعرفة العلمية في بناء عالمها الروائي، وليس تحويل رواياتها إلى كتب مرجعية في علم السموم.

من المختبر إلى الأدب

من أجمل الأفكار التي يتركها الكتاب أن المعرفة العلمية يمكن أن تعيش أكثر من حياة، قد تكون المعلومة في الأصل جزءًا من دراسة أو تجربة أو تدريب مهني، ثم تنتقل إلى الأدب، وبعد ذلك تصبح جزءًا من الثقافة العامة.

وهذا بالضبط ما حدث مع خبرة أجاثا كريستي في الصيدلة؛ فقد تحولت معرفتها المهنية إلى عنصر أساسي من عناصر عالمها الأدبي.

لماذا لا يزال الموضوع ممتعًا؟

رغم أن بعض الروايات التي يناقشها الكتاب كتبت منذ عقود، فإن السؤال الذي يطرحه لا يزال حاضرًا: لماذا يستمر القارئ في الاستمتاع باكتشاف الطريقة التي ارتُكبت بها الجريمة؟، الإجابة التي يقترحها الكتاب بصورة غير مباشرة أن المتعة ليست في معرفة النهاية فقط، وإنما في إعادة تركيب التفاصيل.

والعلم يمنح هذه اللعبة مستوى إضافيًا، لأن القارئ يستطيع أن يكتشف أن وراء تفصيلة أدبية بسيطة معرفة حقيقية استندت إليها الكاتبة.

ملاحظات يمكن مناقشتها

من المهم عند قراءة الكتاب الفصل بين المعرفة العلمية التي يشرحها الباحث وبين استخدامها داخل الأدب، كما أن شهرة أجاثا كريستي في استخدام السموم قد تجعل القارئ يعتقد أن السم كان الوسيلة الوحيدة أو الأهم في جميع أعمالها، بينما الكتاب نفسه يوضح أن الأمر أكثر تنوعًا.

كذلك فإن تحويل بعض الوقائع الأدبية إلى نماذج للعلم يحتاج دائمًا إلى الانتباه إلى الزمن؛ فما كان معروفًا أو مستخدمًا طبيًا في بدايات القرن العشرين ليس بالضرورة كذلك اليوم.

خلاصة الكتاب

«أجاثا كريستي واستخدام السموم» هو في جوهره كتاب عن المنطقة التي تلتقي فيها الرواية بالعلم. فهو يعيد قراءة أعمال أجاثا كريستي من زاوية مختلفة، تكشف كيف استفادت الكاتبة من خبرتها في الصيدلة ومن اهتمامها بالسموم والطب الشرعي لتصنع جرائم تبدو للقارئ ألغازًا أدبية، بينما تستند في جانب منها إلى معرفة علمية حقيقية.

وتكمن قيمة الكتاب في أنه لا يكتفي بالاحتفاء بملكة الرواية البوليسية، وإنما يوضح أن التفاصيل التي تبدو صغيرة في عالم الجريمة الأدبية قد تكون وراءها معرفة وبحث ودقة، وأن العلم يمكن أن يتحول داخل الرواية من معلومة جامدة إلى عنصر أساسي في التشويق وبناء الشخصيات والحبكة.

يناسب الكتاب محبي أجاثا كريستي والروايات البوليسية، وكذلك المهتمين بتاريخ الجريمة والطب الشرعي وتداخل العلوم مع الأدب، كما يناسب القارئ الذي يحب اكتشاف ما وراء الأعمال الأدبية الشهيرة، ويريد أن يعرف كيف يمكن للخبرة المهنية للكاتب أن تؤثر في طريقة بناء الرواية.

وهو أيضًا مناسب للمهتمين بفكرة تبسيط العلوم، لأن الكتاب يوضح كيف يمكن تقديم معلومات علمية معقدة داخل سياق قصصي ممتع.

من أهم نقاط قوة الكتاب اختياره زاوية محددة وواضحة لقراءة عالم أجاثا كريستي، كما ينجح في الجمع بين التحليل الأدبي والمعلومة العلمية والتاريخ، بحيث لا يصبح الحديث عن السموم مجرد استعراض للمعلومات، وإنما جزءًا من فهم طريقة بناء الرواية، وتمنح خلفية كريستي المهنية الكتاب نقطة انطلاق قوية لتفسير علاقتها بالسموم والعقاقير.

أما بالنسبة لـ نقاط الضعف، فقد يجد بعض القراء أن التركيز على المواد السامة يجعل بعض أجزاء الكتاب أقرب إلى الدراسة العلمية منها إلى القراءة الأدبية الخالصة، كما أن القارئ الذي لم يقرأ عددًا من أعمال كريستي قد لا يلتقط كل الإشارات والتفاصيل التي تصبح أكثر وضوحًا لمن يعرف رواياتها.

ومع ذلك، فإن هذا الأمر يرتبط بطبيعة الكتاب نفسها، التي تقوم على إعادة قراءة أعمال كريستي من زاوية علمية محددة.

الكلمة الأخيرة

يكشف الكتاب أن الرواية البوليسية الجيدة لا تعتمد فقط على المفاجأة في النهاية، وإنما على عشرات التفاصيل الصغيرة التي يضعها الكاتب في طريق القارئ، وعند أجاثا كريستي، كانت المعرفة العلمية واحدة من هذه الأدوات، فالسم في رواياتها ليس مجرد وسيلة للجريمة، وإنما جزء من اللغة التي تتحدث بها الرواية؛ لغة تجمع بين الأدب والعلم، وبين الدليل والخداع، وبين ما يراه القارئ وما يفوته.

لهذا فإن قراءة الكتاب قد تجعل القارئ يعود إلى روايات كريستي القديمة بعين مختلفة، فيقرأ التفاصيل مرة أخرى، ويسأل نفسه: كم دليلًا مر أمامي ولم أنتبه إليه؟.

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشريه وأصحاب حقوق الترجمة والنشر، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا .

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: أجاثا كريستي واستخدام السموم

المؤلفة: كاثرين هاركاب

الترجمة: داليا سابق

التحرير: خالد محمود الشاذلي

المراجعة اللغوية: خالد رجب

الناشر: العربي للنشر والتوزيع

الطبعة العربية: الأولى، 2026

رقم الإيداع: 35853/2025

ISBN: 9789778912203

العنوان الأصلي: A Is for Arsenic: The Poisons of Agatha Christie

الناشر الأصلي: Bloomsbury

سنة الإصدار الأصلي: 2015

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *