هل يمكن للاقتصاد أن يتنبأ بالمستقبل في عالم تتغير فيه أسعار الطاقة، وتنهار فيه أنظمة نقدية، وتتبدل فيه موازين القوة الاقتصادية والسياسية بصورة متسارعة؟ هذا هو السؤال الذي يقف خلف كتاب «عصر عدم اليقين» للاقتصادي الكندي-الأمريكي جون كينيث جالبريث، الصادر عام 1977.
الكتاب لم يكن مجرد دراسة اقتصادية تقليدية، بل جاء مرتبطا بسلسلة تلفزيونية من 13 حلقة أنتجت بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC وPBS، وحاول من خلالها جالبريث تقديم تاريخ للأفكار الاقتصادية وتطورها وعلاقتها بالتحولات السياسية والاجتماعية.
ويعود الكتاب اليوم إلى الواجهة كلما دخل الاقتصاد العالمي مرحلة اضطراب، لأن كثيرا من الأسئلة التي طرحها جالبريث تتعلق بعلاقة الاقتصاد بالقوة، وبمدى قدرة النظريات الاقتصادية على تفسير عالم لا يسير وفق قواعد ثابتة.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتب جالبريث «عصر عدم اليقين» في مرحلة اقتصادية مضطربة، فقد كان العالم يعيش تداعيات أزمة النفط، وارتفاع التضخم، وتباطؤ النمو، وانهيار نظام بريتون وودز النقدي، وهي تطورات هزت الاعتقاد الذي كان سائدا بأن الاقتصادات الكبرى قادرة على تحقيق قدر مستمر من الاستقرار، ومن هنا حاول جالبريث إعادة قراءة تاريخ الفكر الاقتصادي، بدءا من الاقتصاد الكلاسيكي، مرورًا بماركس، والتصنيع والرأسمالية، وصولا إلى الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، ولم يكن هدفه تقديم تنبؤات دقيقة بالمستقبل بقدر ما كان يسعى إلى إظهار أن الأفكار الاقتصادية نفسها تتغير عندما تتغير الظروف الاجتماعية والسياسية.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
الاقتصاد ليس منفصلا عن السياسة: يرى جالبريث أن الأسواق والمؤسسات الاقتصادية تتأثر بتوزيع القوة داخل المجتمع.
الأفكار الاقتصادية وليدة ظروفها: النظريات التي تبدو مناسبة لعصر معين قد لا تكون قادرة على تفسير عصر مختلف.
الرأسمالية تتغير باستمرار: ينتقل الاقتصاد من مرحلة إلى أخرى مع تغير التكنولوجيا والإنتاج والملكية والقوة المؤسسية.
الأزمات تكشف نقاط ضعف النظريات: فالأزمات الاقتصادية تجبر الاقتصاديين وصناع القرار على إعادة النظر في افتراضاتهم.
عدم اليقين جزء من الاقتصاد: لا يمكن بناء المستقبل اعتمادا على افتراض أن الظروف الاقتصادية ستظل مستقرة.
السلطة الاقتصادية مهمة: لا يكتفي الكتاب بدراسة الأسعار والأسواق، وإنما يبحث في من يمتلك القدرة على التأثير في القرارات الاقتصادية.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بتاريخ الفكر الاقتصادي والاقتصاد السياسي، كما يناسب الصحفيين والباحثين الذين يريدون فهم العلاقة بين التحولات الاقتصادية الكبرى والتغيرات السياسية والاجتماعية.
ويمكن أن يكون مفيدا للقارئ غير المتخصص أيضا، لأن جالبريث لم يكتب بأسلوب أكاديمي مغلق، وإنما حاول تقديم الأفكار الاقتصادية من خلال التاريخ والقصص والتحولات التي شهدها العالم.
كما يناسب من يريد فهم سبب اختلاف المدارس الاقتصادية في تفسير الأزمات، ولماذا لا توجد دائما إجابة واحدة عن كيفية إدارة الاقتصاد.
مميزات الكتاب
من أهم مميزات «عصر عدم اليقين» أنه لا يقدم الاقتصاد باعتباره علمًا منفصلا عن المجتمع، فجالبريث يربط بين الأفكار الاقتصادية ومصالح الطبقات والمؤسسات وتطور التكنولوجيا والقوة السياسية.
كما يتميز الكتاب بأسلوب تاريخي واسع، يسمح للقارئ بمتابعة تطور الرأسمالية والأفكار التي حاولت تفسيرها.
ومن نقاط القوة أيضا قدرة المؤلف على تبسيط القضايا المعقدة وربطها بأحداث تاريخية، بما يجعل الكتاب أقرب إلى جولة في تاريخ الاقتصاد والفكر السياسي منه إلى كتاب دراسي تقليدي.
وفي المقابل، فإن قراءة الكتاب اليوم تحتاج إلى وضعه في سياقه التاريخي، فقد كتب في سبعينيات القرن الماضي، ولذلك فإن بعض القضايا والأمثلة التي يناقشها تعكس طبيعة تلك المرحلة.
قراءة صحفية
تكمن القيمة الصحفية للكتاب في أنه يطرح سؤالًا شديد الأهمية: هل الأرقام الاقتصادية تكفي وحدها لفهم الاقتصاد؟ فالصحفي الاقتصادي يتعامل يوميا مع مؤشرات مثل النمو والتضخم والبطالة وأسعار الفائدة والاستثمار، لكن جالبريث يذكرنا بأن خلف هذه الأرقام مؤسسات ومصالح وقرارات سياسية وسلوكيات بشرية.
وتزداد أهمية هذه الطريقة في قراءة الاقتصاد في أوقات عدم اليقين، عندما تتداخل الأزمات الجيوسياسية مع التجارة والطاقة وأسواق المال.
كما يمنح الكتاب الصحفي الاقتصادي زاوية أخرى: لا تسأل فقط ماذا حدث، بل اسأل من يملك القدرة على التأثير في ما سيحدث لاحقا.
وهذه الفكرة تجعل الكتاب قابلا لإعادة القراءة في الحاضر، رغم مرور عقود على صدوره. فالعالم الذي واجهه جالبريث في سبعينيات القرن الماضي كان يمر بصدمات النفط والتضخم وتغير النظام النقدي، بينما يواجه الاقتصاد العالمي اليوم أزمات مختلفة في طبيعتها، لكنها تشترك معه في عنصر أساسي هو صعوبة التنبؤ بالمستقبل.
وفي النهاية، لا يقدم «عصر عدم اليقين» إجابة جاهزة لكيفية إدارة الاقتصاد، وإنما يقدم طريقة للنظر إليه، الاقتصاد تاريخ ومؤسسات وقوة ومصالح، وليس مجرد معادلات وأرقام، وهنا تكمن أهميته الصحفية؛ إذ يدعو القارئ إلى النظر خلف المؤشر الاقتصادي، والبحث عن القوى التي أنتجته، وعن الأطراف التي تتأثر به، وعن المصالح التي يمكن أن تتغير عندما تتغير قواعد اللعبة الاقتصادية.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: عصر عدم اليقين – The Age of Uncertainty
المؤلف: جون كينيث جالبريث (John Kenneth Galbraith)
دار النشر: Houghton Mifflin Company
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 1977
عدد الصفحات: 364 صفحة.
رقم الإيداع/الضبط: 76-26965







