تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ينطلق كتاب”أيقظ قدراتك واصنع مستقبلك” للدكتور”إبراهيم الفقي”من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل كثيرا من الأسئلة حول علاقة الإنسان بذاته وبالمستقبل الذي يريده، فالإنسان لا يبدأ حياته وهو يعرف بالضرورة كل ما يمتلكه من قدرات، ولا يستطيع دائما أن يرى إمكاناته بوضوح، وقد يعيش سنوات طويلة وهو يستخدم جزءا محدودا من طاقته بسبب الخوف أو التردد أو الأفكار التي كونها عن نفسه والواقع المحيط به.
ومن هنا يبدأ الكتاب بمحاولة إعادة النظر إلى الذات، قبل الانتقال إلى المستقبل، فقبل أن يسأل الإنسان نفسه عن المكان الذي يريد الوصول إليه، عليه أن يتوقف أمام سؤال أكثر أهمية: من أنا؟ وما الذي أستطيع فعله؟ وما القدرات التي أملكها ولم أستخدمها بعد؟ ويقسم الكتاب رحلته إلى مرحلتين متكاملتين، تبدأ الأولى بمحاولة إيقاظ القدرات الداخلية، بينما تنتقل الثانية إلى فكرة صناعة المستقبل من خلال الأهداف والرؤية والعمل.
وتبدو الرسالة الأساسية في الكتاب مرتبطة بإعادة اكتشاف الإنسان لقدرته على التأثير في حياته، فالمؤلف يحاول أن يدفع القارئ إلى عدم النظر إلى نفسه باعتباره شخصا محكوما بالكامل بالظروف، وإنما باعتباره يمتلك مساحة من الاختيار والعمل يستطيع من خلالها أن يغير بعض جوانب واقعه.
ولا تعني هذه الفكرة أن الظروف لا قيمة لها أو أن كل إنسان يستطيع الوصول إلى كل ما يريده بمجرد التفكير الإيجابي، وإنما يركز الكتاب على المساحة التي يستطيع الفرد التحرك داخلها، فقد لا يستطيع الإنسان اختيار نقطة البداية، لكنه يستطيع في كثير من الأحيان أن يحدد الاتجاه الذي يريد أن يتحرك نحوه، وأن يتعلم من تجاربه، وأن يعيد بناء خطته عندما لا تسير الأمور كما يريد.
العلاقة بين اكتشاف القدرات وصناعة المستقبل:
الإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبلا مختلفا دون أن يعيد اكتشاف الأدوات التي يمتلكها بالفعل، ولذلك يركز المؤلف على التفكير في الذات، وعلى الإمكانات التي قد تكون موجودة لكنها غير مستثمرة بصورة كافية.
الخوف أحد عوامل تعطيل الإنسان عن استخدام قدراته:
فالخوف من الفشل أو من كلام الآخرين أو من تجربة شيء جديد قد يجعل الإنسان يفضل البقاء في منطقة مألوفة حتى لو لم يكن راضيا عنها، وهنا تصبح المشكلة ليست دائما في غياب القدرة، وإنما في عدم منح النفس فرصة لاختبارها.
الرغبة وحدها لا تصنع مستقبلا:
فقد يرغب الإنسان في النجاح أو التغيير أو تحسين حياته، لكن الرغبة العامة تحتاج إلى أن تتحول إلى هدف أكثر وضوحا، ثم إلى خطوات يستطيع تنفيذها ومراجعتها.
الرؤية المستقبلية:
الإنسان يحتاج إلى صورة واضحة نسبيا لما يريد الوصول إليه حتى يستطيع تحديد أولوياته، وكلما كانت الصورة أكثر وضوحا، أصبح من الأسهل معرفة ما الذي يجب فعله الآن وما الذي يمكن تأجيله.
التفكير والسلوك:
الأفكار لا تظل دائما داخل العقل، وإنما تظهر آثارها في الاختيارات اليومية، والطريقة التي يفكر بها الإنسان في قدراته قد تؤثر في استعداده للتجربة، وطريقة تعامله مع العقبات، وقدرته على الاستمرار عندما لا تظهر النتائج بسرعة.
بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب:
أولى هذه النقاط أن الإنسان يحتاج إلى اكتشاف ذاته قبل أن يحدد مستقبله، فمعرفة نقاط القوة والضعف والاهتمامات والقدرات ليست رفاهية، وإنما تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر ارتباطا بحقيقته بدلا من تقليد الآخرين أو السير في طرق لا تناسبه.
الخوف قد يكون أحيانا وسيلة لحماية الإنسان من المخاطر، لكنه قد يتحول في أوقات أخرى إلى عائق يمنعه من تجربة فرص جديدة، ولذلك فإن مواجهة الخوف لا تعني تجاهله، وإنما فهمه والتعامل معه بصورة أكثر توازنا.
الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال الكتاب:
يخاطب المؤلف القارئ الذي يشعر بأن لديه إمكانات لم يستثمرها بصورة كافية، أو الشخص الذي يقف أمام مرحلة جديدة ويحتاج إلى إعادة ترتيب أهدافه ونظرته إلى المستقبل، كما يناسب الشباب الذين يبحثون عن بداية في مجال تطوير الذات، خصوصا من يشعرون بالتردد أو الخوف من اتخاذ قرارات مرتبطة بالدراسة والعمل والحياة الشخصية.
وتناسب أفكار الكتاب كذلك من يريد إعادة النظر في أهدافه، أو من يشعر بأنه يتحرك في حياته دون اتجاه واضح، فالكتاب يحاول أن يدفع القارئ إلى الانتقال من التفكير العام في النجاح إلى أسئلة أكثر تحديدا حول ما يريده وكيف يمكن أن يبدأ.
من أبرز نقاط القوة وضوح الفكرة الأساسية، فالكتاب يتحرك في خط واضح يبدأ من الإنسان نفسه ثم ينتقل إلى المستقبل، وهذا يمنح القارئ إحساسا بأن صناعة المستقبل ليست خطوة منفصلة عن اكتشاف الذات، وإنما نتيجة طبيعية لمحاولة فهم الإمكانات وتوظيفها.
كما أن لغة إبراهيم الفقي المباشرة تجعل الأفكار سهلة الاقتراب منها، وهو ما يتناسب مع طبيعة كتب التنمية البشرية التي تستهدف القارئ العام.
ومن نقاط القوة أيضا ارتباط الأفكار بالحياة اليومية، فالخوف والتردد وتأجيل القرارات وعدم وضوح الأهداف كلها تجارب يمر بها كثير من الناس. ولذلك يستطيع القارئ أن يجد نفسه في عدد من الأسئلة التي يطرحها الكتاب.
لكن هذه الملاحظات لا تلغي قيمة الكتاب باعتباره قراءة تحفيزية، وإنما تساعد على التعامل معه باعتدال، والاستفادة من أفكاره دون اعتبارها تفسيرا وحيدا لكل ما يحدث في حياة الإنسان.
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
ربما يكون أول سؤال يطرحه الكتاب على القارئ هو مدى معرفته الحقيقية بنفسه، فكثير من الناس يكتشفون قدرات جديدة عندما يدخلون تجارب لم يسبق لهم خوضها، ولذلك فإن اكتشاف الذات لا يكون دائما من خلال التفكير فقط، وإنما من خلال التجربة أيضا.
فالإنسان قد يعتقد أنه لا يستطيع التحدث أمام الآخرين، ثم يكتشف مع التدريب أنه قادر على ذلك، وقد يظن أنه لا يستطيع تحمل مسؤولية معينة قبل أن يجد نفسه مضطرا إلى تحملها وينجح فيها، ومن هنا تصبح التجربة وسيلة لاكتشاف الإمكانات.
الحلم.. متى يتحول إلى هدف؟ الحلم يمنح الإنسان الرغبة، لكن الهدف يمنحه اتجاها، وعندما يتحول الهدف إلى خطة، يصبح هناك طريق يمكن السير فيه ومراجعته.
ومن هنا فإن صناعة المستقبل لا تتوقف عند أن يعرف الإنسان ما يريد، وإنما تتطلب أن يعرف أيضا ما الخطوة التالية التي يستطيع تنفيذها.
في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: أيقظ قدراتك واصنع مستقبلك
المؤلف: إبراهيم الفقي
النوع الأدبي: تنمية بشرية وتطوير الذات والنجاح الشخصي
الموضوعات: اكتشاف القدرات، التفكير، الثقة بالنفس، الأهداف، الرؤية، العمل، صناعة المستقبل
دار النشر: دار الراية للنشر والتوزيع
بلد النشر: مصر
سنة النشر: 2008
رقم الإيداع: 9776451160







