حين تصبح هويتك جزءًا من اقتصادك

التمهيد

الإنسان لا يدخل السوق بجيبه فقط ولا يتخذ قراراته الاقتصادية بناء على السعر والدخل والمنفعة وحدها فهناك شيء أكثر خفاءً يرافقه في كل اختيار وهو الصورة التي يحملها عن نفسه والمكان الذي يشعر أنه ينتمي إليه والأدوار التي يعتقد أنه يجب أن يؤديها وهذه الهوية يمكن أن تغير طريقة العمل والاستهلاك والتعاون وحتى طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين

اقتصاديات الهوية يقدم جورج أكيرلوف وراشيل كرانتون محاولة لتوسيع النظرة التقليدية إلى السلوك الاقتصادي عبر إدخال الهوية باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في القرارات فالعامل لا يتعامل مع وظيفته باعتبارها مجرد وسيلة للحصول على راتب والطالب لا ينظر إلى الدراسة باعتبارها مجرد استثمار للمستقبل والمستهلك لا يختار دائمًا بناء على السعر وحده لأن الإنسان يحمل داخله تصورات عن الشخص الذي يريد أن يكونه وعن الجماعة التي ينتمي إليها وعن السلوك الذي يعتبره مناسبًا له

الملخص

تنطلق الفكرة الأساسية من أن الاقتصاد التقليدي يميل إلى تفسير السلوك من خلال الحوافز المادية بينما توجد دوافع أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا في بعض المواقف فالإنسان يستطيع أن يضحي بجزء من دخله أو وقته أو راحته حتى يحافظ على صورة معينة عن نفسه أو حتى يتصرف بالطريقة التي تتوقعها الجماعة التي ينتمي إليها

تظهر الهوية هنا كجزء من عملية اتخاذ القرار فالشخص لا يسأل فقط ماذا سأكسب من هذا التصرف بل يسأل بصورة ضمنية ماذا يعني هذا التصرف بالنسبة إلى صورتي عن نفسي وهنا يمكن أن يتحول السلوك الاقتصادي من عملية حسابية بسيطة إلى تفاعل بين المصلحة الشخصية والقواعد الاجتماعية والتوقعات المرتبطة بالهوية

تتكون الهوية من مجموعة من التصورات التي تحدد كيف يرى الإنسان نفسه وكيف يرى الآخرين وما السلوك الذي يعتبره مناسبًا لكل دور اجتماعي فالموظف قد يرى نفسه محترفًا ولذلك يبذل جهدًا أكبر من الحد الأدنى حتى عندما لا توجد مكافأة مالية مباشرة والطبيب قد يعتبر خدمة المرضى جزءًا من هويته المهنية ولذلك تصبح بعض القرارات بالنسبة إليه مرتبطة بالمعنى الأخلاقي للمهنة وليس بالعائد فقط

توضح الفكرة كذلك أن بيئة العمل تستطيع التأثير في الأداء عبر تغيير شعور العامل تجاه دوره فإذا شعر الموظف بأن المؤسسة تحترمه وأن عمله يتوافق مع هويته يمكن أن تتغير درجة التزامه بينما قد يؤدي شعوره بأن المؤسسة تعامل دوره باعتباره مجرد وظيفة بلا قيمة إلى نتائج مختلفة حتى لو ظل الراتب نفسه

تمتد الفكرة إلى التعليم فالطالب لا يدرس فقط من أجل الحصول على شهادة وإنما قد يتعامل مع نفسه باعتباره شخصًا متعلمًا أو مجتهدًا أو متفوقًا وعندما تصبح هذه الصورة جزءًا من هويته يمكن أن يتحول السلوك الدراسي من استجابة لحافز خارجي إلى عادة مرتبطة بتعريفه لنفسه

تظهر الهوية أيضًا في الاستهلاك فبعض المنتجات لا يتم شراؤها بسبب خصائصها العملية وحدها وإنما لأنها تعبر عن نمط حياة أو مكانة أو انتماء معين وهنا يصبح السوق مساحة لاستهلاك السلع واستهلاك الرموز في الوقت نفسه

توضح النظرية أن القواعد الاجتماعية تستطيع أن تصنع حوافز غير مالية فالإنسان قد يلتزم بسلوك معين لأنه يرى أن هذا هو التصرف اللائق بالنسبة إلى شخص مثله وقد يتجنب سلوكًا آخر ليس لأنه مكلف ماديًا وإنما لأنه يتعارض مع الصورة التي يريد الحفاظ عليها أمام نفسه وأمام الآخرين

تزداد أهمية هذه الفكرة داخل المؤسسات لأن تصميم الحوافز لا يعتمد فقط على مقدار المكافأة فطريقة تقديم المكافأة نفسها قد تغير معناها فإذا شعر العامل أن المكافأة تعبر عن تقدير حقيقي فقد تدعم هويته المهنية بينما يمكن أن يشعر في ظروف أخرى بأن المؤسسة تحاول شراء سلوكه وهو ما قد يغير علاقته بالعمل

تكشف اقتصاديات الهوية كذلك أن الاختلاف بين الجماعات لا يتعلق دائمًا بالموارد المتاحة وإنما يمكن أن يرتبط بالتصورات التي يحملها أفراد كل جماعة عن أنفسهم وعن الآخرين فالتوقعات الاجتماعية قد تفتح بعض الأبواب أمام الفرد أو تغلق أبوابًا أخرى دون أن يظهر ذلك مباشرة في الحسابات الاقتصادية التقليدية

الفكرة تصبح أكثر أهمية حين ننظر إلى المؤسسات باعتبارها أماكن تصنع الهويات وليس فقط أماكن توزع الرواتب فالشركة تستطيع أن تخلق ثقافة تجعل العامل يشعر بأنه جزء من مشروع مشترك والمدرسة تستطيع أن تبني صورة مختلفة عن الطالب والمجتمع يستطيع أن يغير الطريقة التي يرى بها الفرد دوره وإمكاناته

تكمن قوة هذا التصور في أنه لا يلغي أهمية الحوافز المادية وإنما يضيف إليها طبقة أخرى من التحليل فالراتب مهم والسعر مهم والمنفعة مهمة لكن الإنسان لا يعيش داخل جدول حسابي فقط بل يعيش داخل شبكة من المعاني والتوقعات والانتماءات

تترك النظرية سؤالًا اقتصاديًا واسعًا حول الطريقة التي نصمم بها المؤسسات والسياسات والحوافز فإذا أردنا تغيير سلوك الناس فقد لا يكون الحل دائمًا زيادة المكافأة أو فرض العقوبة لأن تغيير البيئة التي تشكل الهوية والتوقعات قد يؤدي إلى تغيير السلوك من جذوره

حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان اقتصاديات الهوية كيف تشكل هويتنا عملنا وأجورنا ورفاهيتنا

المؤلف جورج أكيرلوف وراشيل كرانتون

دار النشر Princeton University Press

بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الأولى

سنة النشر 2010

عدد الصفحات 208

ISBN 9780691142540

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *