لا تمارس القوة بين الدول دائمًا عبر الجيوش أو الصراعات المباشرة؛ فقد تمر أحيانًا عبر الاقتصاد والديون والمشروعات الكبرى، من هذه الزاوية يقدّم جون بيركنز كتابه «اعترافات قاتل اقتصادي»، بوصفه شهادة شخصية على ما يقول إنه الدور الذي لعبه خبراء اقتصاديون ومستشارون في دفع دول نامية إلى الاقتراض، وربط اقتصاداتها بمصالح شركات ومؤسسات مالية كبرى.
صدر الكتاب للمرة الأولى بالإنجليزية عام 2004 بعنوان Confessions of an Economic Hit Man، ويعرض فيه بيركنز تجربته المهنية وما يصفه بالآليات التي يمكن من خلالها استخدام القروض والمشروعات التنموية وسيلة للنفوذ الاقتصادي والسياسي.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتب بيركنز الكتاب بهدف كشف ما يراه جانبًا خفيًا من العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والنفوذ الدولي، وينطلق من تجربته المهنية ليشرح، بحسب روايته، كيف يمكن لتوقعات النمو الاقتصادي والمشروعات الضخمة أن تُستخدم لإقناع حكومات دول نامية بالحصول على قروض كبيرة.
ويقول المؤلف إن هذه القروض لم تكن دائمًا مصممة وفق قدرة الدول على السداد أو احتياجاتها الفعلية، بل كانت مرتبطة في بعض الحالات بمشروعات تستفيد منها شركات كبرى، بينما تتحمل الدولة المقترضة عبء الدين.
ومن هنا يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال جوهري، هل يمكن أن تتحول المساعدات والقروض ومشروعات التنمية من أدوات للتنمية إلى أدوات للنفوذ؟
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
يعرض الكتاب مفهوم «القاتل الاقتصادي» كما يستخدمه بيركنز، للإشارة إلى خبراء اقتصاديين يقول إن مهمتهم كانت إقناع حكومات الدول النامية بالحصول على قروض ضخمة لتمويل مشروعات البنية التحتية.
ويشرح المؤلف كيف يمكن أن تبدو العملية، في ظاهرها، مشروعًا تنمويًا طبيعيًا،سدود، ومحطات كهرباء، وطرق، وموانئ، وغيرها من المشروعات التي يُفترض أن تؤدي إلى النمو الاقتصادي، لكن المشكلة، من وجهة نظره، تبدأ عندما تكون توقعات العوائد مبالغًا فيها، أو عندما يكون حجم الدين أكبر من قدرة الدولة على تحمله.
ويناقش بيركنز كذلك العلاقة بين الدين والسيادة الاقتصادية، فالدولة التي تعجز عن سداد التزاماتها تصبح أكثر تعرضًا للضغوط، وقد تضطر إلى تقديم تنازلات اقتصادية أو سياسية لحماية مصالحها أو إعادة جدولة ديونها.
كما يربط المؤلف بين هذه العملية وبين مصالح الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية، ويرى أن الاقتصاد العالمي لا تحكمه الأرقام والأسواق وحدها، وإنما تتداخل فيه أيضًا المصالح السياسية وموازين القوة.
ويتطرق الكتاب إلى مفهوم أوسع يسميه المؤلف «الشركاتية» أو Corporate Power، في إشارة إلى تداخل مصالح الشركات الكبرى مع مؤسسات الدولة وصناع القرار، ومن خلال قصص وتجارب شخصية يحاول بيركنز رسم صورة لنظام اقتصادي يرى أنه يمنح أصحاب رأس المال والمؤسسات الكبرى قدرة كبيرة على التأثير في الدول الأضعف اقتصاديًا.
وفي الوقت نفسه، يروي الكتاب تحولات المؤلف نفسه ومراجعته لمساره المهني، ولذلك فهو ليس دراسة أكاديمية للديون الدولية بقدر ما هو مذكرات شخصية تحمل موقفًا نقديًا من النظام الاقتصادي العالمي.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بالاقتصاد السياسي، والعلاقات الدولية، والديون السيادية، والعولمة، وتأثير الشركات والمؤسسات المالية في الاقتصادات النامية.
كما يناسب القارئ الذي يريد التعرف إلى العلاقة بين الاقتصاد والنفوذ السياسي من خلال سرد قصصي وشخصي.
لكن من الأفضل ألا يُقرأ باعتباره مرجعًا وحيدًا للحكم على المؤسسات المالية الدولية أو تاريخ العلاقات الاقتصادية بين الدول؛ لأن جزءًا أساسيًا منه قائم على رواية المؤلف وشهادته الشخصية.
مميزات الكتاب:
– يربط بين الاقتصاد والسياسة بطريقة سهلة للقارئ غير المتخصص.
– يقدم موضوع الديون الدولية من خلال تجربة شخصية.
– يطرح أسئلة حول جدوى الاقتراض وتمويل المشروعات الكبرى.
– يلفت الانتباه إلى العلاقة بين التنمية ومصالح الشركات.
– يناقش النفوذ الاقتصادي باعتباره أحد أشكال القوة في العلاقات الدولية.
قراءة صحفية:
أهمية «اعترافات قاتل اقتصادي» لا تكمن فقط في صحة كل رواية يوردها بيركنز، وإنما في الأسئلة التي يضعها أمام القارئ، فالكتاب يدفع إلى النظر إلى الدين باعتباره أكثر من مجرد رقم في ميزانية الدولة، إنه التزام طويل الأمد يمكن أن يؤثر في الخيارات الاقتصادية والسياسية للدول.
لكن القراءة الصحفية للكتاب تتطلب التمييز بين الشهادة الشخصية والواقعة التاريخية المثبتة،فبيركنز يروي الأحداث من موقع مشارك سابق، ويقدم تفسيره الخاص لها، ولذلك لا ينبغي تحويل جميع رواياته أو اتهاماته إلى حقائق مؤكدة من دون الرجوع إلى مصادر مستقلة.
وتبرز أهمية الكتاب بصورة أكبر عندما ننتقل من تفاصيل التجربة الشخصية إلى الأسئلة الاقتصادية التي يطرحها، هل يحتاج البلد فعلًا إلى المشروع الذي يمول بالدين؟ هل يستطيع سداد القرض؟ من سيحصل على العقود؟ وما حجم الفائدة الاقتصادية التي ستعود على السكان مقارنة بالتكلفة التي ستتحملها الدولة؟
هذه الأسئلة تجعل الكتاب مدخلًا مناسبًا لفهم أحد جوانب الاقتصاد السياسي، القرارات الاقتصادية لا تحدث بمعزل عن القوة والمصالح والمؤسسات.
ومع ذلك، فإن الكتاب لا يقدم نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا يمكن تطبيقه على جميع الدول أو الأزمات، كما أن اعتماده الكبير على الذاكرة والسرد الشخصي يجعل مقارنته بالدراسات التاريخية والاقتصادية المستقلة أمرًا ضروريًا.
وبالتالي، فإن أفضل طريقة لقراءة الكتاب هي التعامل معه باعتباره شهادة شخصية مثيرة للنقاش ونافذة على رؤية مؤلفه للنظام الاقتصادي العالمي، ثم اختبار هذه الرؤية أمام الوثائق والدراسات المتخصصة.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
– العنوان: اعترافات قاتل اقتصادي
– العنوان الأصلي: Confessions of an Economic Hit Man
– المؤلف: جون بيركنز (John Perkins)
– المترجم: الهادر المعموري
– دار النشر: دار الرافدين
– بلد النشر: غير محدد في البيانات المتاحة
– الطبعة: الثالثة
– سنة النشر: 2023
– عدد الصفحات: 471 صفحة
– رقم الإيداع الدولي المعياري (ISBN): 9789922691398







