التمهيد
حين تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبيرة يصبح الاقتصاد أقرب إلينا مما نتخيل فالسعر الذي ندفعه والاختيار الذي نفضله والوقت الذي نهدره والمال الذي ننفقه كلها قرارات تحمل خلفها منطقًا اقتصاديًا قد لا نراه مباشره
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
الحياة اليومية تبدو مليئة بتصرفات عادية لا تحتاج إلى تفسير طويل لكن النظر إليها بعين اقتصادية يكشف أن وراء معظمها حسابات دقيقة تتعلق بالتكلفة والمنفعة والحوافز والاختيار فالإنسان لا يتحرك دائمًا وفق ما يبدو منطقيًا على السطح وإنما يتأثر بما يدفعه وما يحصل عليه وما يخسره وما يعتقد أنه سيكسبه في المقابل وهذه الفكرة تمنح القارئ طريقة مختلفة لفهم تفاصيل تبدو بعيدة تمامًا عن علم الاقتصاد
الأسئلة التي يطرحها الكتاب تنطلق من مواقف مألوفة لماذا توجد نقاط بارزة على أزرار أجهزة الصراف المخصصة للسيارات رغم أن السائق قد لا يكون قادرًا على رؤيتها بوضوح ولماذا قد تختلف أسعار تذاكر الرحلة نفسها بحسب اتجاه السفر ولماذا تدفع بعض الشركات أموالًا ضخمة مقابل منتجات تبدو متشابهة في وظيفتها مع منتجات أرخص هذه الأسئلة لا تبحث فقط عن إجابة مباشرة لكنها تكشف الطريقة التي تعمل بها الحوافز والأسواق داخل تفاصيل الحياة
الفكرة الأهم أن القرار الاقتصادي لا يتعلق بالسعر وحده فالإنسان يقارن بين ما يحصل عليه وما يتنازل عنه حتى عندما لا يكون التنازل مالًا مباشرًا فقد يكون وقتًا أو مجهودًا أو راحة أو فرصة ضائعة ولهذا تصبح تكلفة أي اختيار أكبر من الرقم الموجود على بطاقة السعر لأن كل قرار يغلق في الوقت نفسه أبوابًا لقرارات أخرى كان يمكن اتخاذها
اختيارات الناس تتأثر كذلك بالبيئة المحيطة وباختيارات الآخرين فالمنتج الذي يبدو فاخرًا قد يكتسب قيمته من نظرة المجتمع إليه وليس من وظيفته وحدها والسيارة الأكبر قد تمنح صاحبها مكانة اجتماعية أكثر مما تمنحه فائدة عملية والإنفاق على بعض الأشياء قد يكون محاولة للحفاظ على موقع اجتماعي أو منافسة الآخرين بدل أن يكون بحثًا مباشرًا عن منفعة مادية
هذه الزاوية تقود إلى فكرة المنافسة الاجتماعية التي تجعل بعض الناس ينفقون أكثر كلما زاد إنفاق المحيطين بهم فالمشكلة لا تكمن دائمًا في رغبة الفرد في الحصول على شيء أفضل وإنما في تغير معيار الأفضل نفسه عندما يرى الإنسان جاره أو زميله أو منافسه يمتلك شيئًا أكثر تكلفة يصبح ما كان يرضيه بالأمس أقل إغراء اليوم وهكذا تتحول بعض الأسواق إلى سباق مستمر لا يصل فيه الجميع إلى شعور حقيقي بالرضا
الحوافز تظهر أيضًا في طريقة تصميم المنتجات والخدمات فالشركات لا تضع الأسعار عشوائيًا بل تحاول معرفة استعداد كل فئة للدفع ولذلك قد يحصل أشخاص مختلفون على الخدمة نفسها بأسعار مختلفة لأن ظروفهم واحتياجاتهم وقدرتهم على الانتظار ليست متساوية وهنا يصبح السعر أداة لفهم سلوك المستهلك وليس مجرد رقم يعبر عن تكلفة الإنتاج
الكتاب يوضح كذلك أن بعض القرارات التي تبدو غريبة تصبح منطقية عندما نعرف القيود التي تتحكم فيها فقد تختار شركة تصميمًا موحدًا لمنتج يستخدم في ظروف مختلفة لأن تكلفة إنتاج نموذج واحد أقل من إنتاج نماذج متعددة وقد يتحمل المستهلك سعرًا أعلى عندما تكون أمامه خيارات محدودة أو عندما يكون احتياجه للمنتج أكثر إلحاحًا
التفكير بهذه الطريقة يجعل الاقتصاد أقرب إلى علم ملاحظة منه إلى مجموعة معادلات فالمطلوب ليس حفظ القوانين بقدر ما هو تعلم طرح السؤال الصحيح لماذا يحدث هذا السلوك ولماذا اختار الناس هذا المنتج ولماذا دفعت الشركة هذا السعر ولماذا لم يظهر حل أرخص ولماذا يستمر الناس في اتخاذ قرار يبدو غير منطقي
قيمة الكتاب الحقيقية تظهر عندما يتحول القارئ نفسه إلى مراقب للتفاصيل اليومية فيبدأ برؤية الاقتصاد داخل المطاعم والمتاجر ووسائل النقل والإعلانات وأماكن العمل وحتى داخل العلاقات الاجتماعية فالقرارات التي نعتبرها شخصية تمامًا قد تكون متأثرة بالحوافز والمقارنة والندرة وتكلفة الفرصة والبحث عن أفضل نتيجة ممكنة
الاقتصاد هنا لا يظهر كعالم بعيد يخص رجال الأعمال والحكومات فقط بل كطريقة لفهم الإنسان نفسه فالاختيار اليومي يحمل داخله مفاضلة بين بدائل وكلما أصبح الإنسان أكثر قدرة على اكتشاف هذه المفاضلات استطاع أن يفهم لماذا يتصرف الآخرون بطريقة معينة ولماذا تتخذ الشركات قرارات تبدو أحيانًا غريبة ولماذا يمكن لتغيير صغير في الحافز أن يؤدي إلى تغيير كبير في السلوك
الفكرة التي تبقى بعد قراءة هذه التجارب أن العالم اليومي ليس عشوائيًا كما يبدو فخلف كثير من التفاصيل منطق يمكن اكتشافه وخلف كثير من القرارات حسابات قد لا تكون واعية وخلف الأسعار والحوافز والاختيارات شبكة من العلاقات تجعل أبسط موقف قادرًا على كشف قاعدة اقتصادية كاملة ولذلك يصبح السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس كم دفعت ولكن لماذا اخترت أن تدفع أصلًا وما البديل الذي تخليت عنه حتى تحصل على ما تريد
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان اقتصاديات الحياة اليومية
المؤلف روبرت هـ فرانك
دار النشر بيسك بوكس
بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة طبعة مصورة معاد إصدارها
سنة النشر 2018
عدد الصفحات 240 صفحة
رقم الإيداع غير متاح
ISBN 9781541673830







