قراءة في كتاب The Success Principles — مبادئ النجاح—جاك كانفيلد

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

هناك كتب كثيرة تتحدث عن النجاح باعتباره نتيجة للحظ أو للظروف أو للقدرات الاستثنائية، لكن جاك كانفيلد ينطلق في كتابه “The Success Principles” من فكرة مختلفة، وهي أن النجاح في جانب كبير منه نتيجة لمجموعة من المبادئ التي يمكن تعلمها وتطبيقها وتطويرها، فالإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع أن يراجع طريقة تفكيره، وقراراته، وعاداته، وأهدافه، وطريقة تعامله مع الفرص والعقبات، ومن هنا يحاول الكتاب أن ينقل القارئ من انتظار الظروف المناسبة إلى تحمل مسؤولية صناعة الطريق الذي يريده لنفسه.

يقدم كانفيلد مجموعة كبيرة من المبادئ التي يعتبرها ضرورية للوصول إلى حياة أكثر نجاحًا وإشباعًا، ويبدأ من نقطة أساسية وهي تحمل المسؤولية الشخصية، فالإنسان قد لا يكون مسؤولا عن كل الظروف التي حدثت له، لكنه مسؤول عن الطريقة التي يستجيب بها لهذه الظروف، وهذه الفكرة تمثل حجر الأساس في الكتاب، لأن تغيير النتائج يبدأ من تغيير الموقف الداخلي تجاه ما يحدث، فإذا ظل الإنسان يفسر كل إخفاق باعتباره نتيجة للآخرين أو للظروف أو للحظ، فسوف يجد صعوبة في تغيير واقعه، أما عندما يسأل نفسه عما يستطيع فعله الآن، فإنه ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.

ومن هذا المنطلق يدعو الكتاب إلى التوقف عن لوم الآخرين، ليس لأن الآخرين لا يخطئون، وإنما لأن استمرار اللوم لا يمنح الإنسان قدرة أكبر على التحكم في حياته، فالتركيز على ما يمكن تغييره أكثر فائدة من استنزاف الطاقة في البحث عن المسؤول عن الماضي، ويقترح كانفيلد أن يبدأ الإنسان بتحديد ما يريده بوضوح، لأن الهدف الغامض يصعب تحويله إلى خطة أو نتيجة قابلة للقياس، بينما يساعد تحديد الرغبات والأهداف على توجيه الانتباه والوقت والجهد.

ويولي الكتاب أهمية كبيرة لصياغة الأهداف، فالنجاح في نظر كانفيلد لا يبدأ عندما يتحقق الهدف، بل عندما يصبح واضحًا في ذهن صاحبه، ولذلك يشجع على كتابة الأهداف وتحديدها بصورة دقيقة، وتصور النتيجة المرغوبة، ثم تحويلها إلى خطوات عملية، فالفارق بين الرغبة والهدف هو أن الهدف يرتبط بقرار وخطة وموعد ومسؤولية، بينما قد تظل الرغبة مجرد أمنية إذا لم تتحول إلى فعل.

ولا يكتفي المؤلف بالحديث عن الأهداف، بل يتناول أيضا المعتقدات التي يحملها الإنسان عن نفسه وعن العالم، لأن الإنسان قد يضع هدفا ثم يظل يتصرف وفق أفكار تجعله غير قادر على الوصول إليه، مثل الاعتقاد بأنه لا يستطيع النجاح أو أن الفرص لا تأتي إلا للآخرين أو أن الفشل دليل على عدم القدرة، ويرى الكتاب أن مراجعة هذه الأفكار جزء أساسي من رحلة التطور، لأن السلوك غالبًا ما يتأثر بالصورة التي يكونها الإنسان عن نفسه.

ومن الأفكار المهمة في الكتاب أيضا أهمية التعلم المستمر، فالنجاح ليس حالة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، وإنما عملية مستمرة تتطلب اكتساب المعرفة والمهارات والقدرة على التعلم من التجربة، ولهذا يشجع كانفيلد على قراءة الكتب، والاستفادة من تجارب الآخرين، وطلب المشورة، والاستماع إلى النقد، والبحث عن الأشخاص الذين يمكن أن يساعدوا في تطوير المهارات، فالإنسان لا يحتاج إلى اكتشاف كل شيء بنفسه إذا كان يستطيع التعلم ممن سبقوه.

ويتحدث المؤلف كذلك عن أهمية العلاقات، فالنجاح لا يحدث دائمًا في عزلة، وإنما يتأثر بالأشخاص المحيطين بنا، ولذلك يدعو إلى بناء علاقات صحية مع أشخاص إيجابيين وطموحين، والاستفادة من المرشدين وأصحاب الخبرة، وتقديم الدعم للآخرين أيضًا، فالعلاقات في الكتاب ليست مجرد وسيلة للحصول على منفعة، وإنما جزء من البيئة التي تساعد الإنسان على النمو وتحقيق أهدافه.

ويتعامل كانفيلد مع الفشل باعتباره تجربة يمكن التعلم منها بدل اعتباره حكمًا نهائيًا على الإنسان، فالهدف الذي لم يتحقق قد يكشف عن خطأ في الخطة أو نقص في المهارة أو سوء في التوقيت، ولذلك فإن النتيجة السلبية لا تعني بالضرورة أن الهدف نفسه مستحيل، وإنما قد تعني أن الطريقة المستخدمة تحتاج إلى تعديل، وهذه النظرة تجعل الفشل جزءًا من عملية التعلم بدل أن يكون سببًا للتوقف.

كما يركز الكتاب على اتخاذ القرارات وعدم انتظار الكمال، فالإنسان قد يؤجل كثيرًا من الخطوات لأنه ينتظر اللحظة المثالية أو يعتقد أنه يحتاج إلى معرفة كل التفاصيل قبل أن يبدأ، لكن الانتظار المستمر يمكن أن يتحول إلى عائق، ولذلك يشجع المؤلف على اتخاذ خطوات واقعية ثم مراجعة النتائج وتعديل المسار، فالحركة توفر معلومات جديدة لا يمكن الحصول عليها بمجرد التفكير.

ويطرح الكتاب كذلك فكرة مهمة تتعلق بالمال والعمل، وهي أن النجاح لا يرتبط فقط بالحصول على دخل أكبر، وإنما بطريقة التفكير في القيمة التي يقدمها الإنسان، والمهارات التي يمتلكها، والقدرة على تطوير نفسه، كما يشجع على تحديد الأهداف المالية والتعامل مع المال بوعي، وعدم ترك القرارات المالية للصدفة، فالاستقرار المالي في نظر الكتاب يحتاج إلى معرفة وإدارة وتخطيط مثل أي هدف آخر.

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بالعادات اليومية، لأن الأهداف الكبيرة لا تتحقق غالبا بقرار واحد، وإنما من خلال أفعال صغيرة تتكرر باستمرار، ولذلك فإن إدارة الوقت، وتنظيم الأولويات، وتخصيص وقت للتعلم والعمل والراحة، كلها عناصر تؤثر في النتائج النهائية، فالإنجاز لا يعتمد فقط على الحماس الذي يظهر في بداية الطريق، وإنما على القدرة على الاستمرار عندما يختفي الحماس وتصبح المهمة جزءًا من الروتين اليومي.

ويؤكد كانفيلد أيضا أهمية التعبير عن الاحتياجات والحدود بوضوح، فالإنسان الذي لا يعرف كيف يقول لا، أو يخشى طلب ما يحتاج إليه، قد يجد نفسه منشغلًا بما يريده الآخرون على حساب أهدافه الخاصة، ولذلك فإن التواصل الواضح وتحمل مسؤولية الاختيارات الشخصية يساعدان على بناء حياة أكثر اتساقًا مع القيم والأهداف.

وفي النهاية، يمكن النظر إلى “مبادئ النجاح” باعتباره كتابا عن الانتقال من التفكير في النجاح إلى ممارسة السلوكيات التي يمكن أن تقود إليه، فهو لا يقدم وصفة سحرية تضمن النتيجة نفسها للجميع، وإنما يركز على مجموعة من الأدوات الذهنية والعملية مثل تحمل المسؤولية، وتحديد الأهداف، والتعلم المستمر، وبناء العلاقات، ومراجعة الأخطاء، واتخاذ القرارات، والاستمرار في العمل، وتكمن الفكرة الأساسية في أن الإنسان لا يستطيع أن يختار كل الظروف التي يمر بها، لكنه يستطيع بدرجات مختلفة أن يختار الطريقة التي يتعامل بها معها، وأن يحول بعض التجارب الصعبة إلى معرفة وخبرة تساعده في المرحلة التالية.

قيمة الكتاب الحقيقية تكمن في أنه يحاول تحويل النجاح من فكرة غامضة إلى مجموعة من الممارسات اليومية، فبدل أن يسأل الإنسان لماذا لا أملك ما يملكه الآخرون، يدفعه الكتاب إلى سؤال أكثر عملية، ماذا أستطيع أن أفعل بما أملكه الآن، وقد تبدو بعض أفكار كانفيلد مباشرة ومكررة في كتب التنمية البشرية، لكن جمعها في إطار واحد يجعل الكتاب أشبه بخريطة واسعة لمراجعة طريقة التفكير والعمل والعلاقات والأهداف، وفي النهاية يظل النجاح تجربة شخصية لا تسير وفق طريق واحد، لكن وضوح الهدف وتحمل المسؤولية والاستعداد للتعلم والاستمرار في المحاولة يمكن أن تجعل الطريق أكثر وعيًا وأقل اعتمادا على المصادفة.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: مبادئ النجاح

المؤلف: جاك كانفيلد

دار النشر: HarperCollins

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2004

عدد الصفحات: نحو 500 صفحة، بحسب الطبعة

رقم الإيداع: يختلف بحسب الطبعة

ISBN: 9780060594885

 

 

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *