قراءة في كتاب The E-Myth Revisited.. لماذا تفشل المشروعات الصغيرة رغم نجاح أصحابها

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة، وهذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يعد كتاب “أسطورة صاحب المشروع” للمؤلف الأمريكي مايكل إي. جيربر من الكتب التي تناقش واحدة من أكثر الأفكار شيوعًا في عالم المشروعات الصغيرة، الاعتقاد بأن الشخص الذي يجيد مهنته أو يمتلك مهارة فنية يستطيع بالضرورة أن يدير مشروعًا ناجحًا في المجال نفسه.

ويرى الكاتب أن هذه الفكرة قد تكون أحد أسباب تعثر كثير من المشروعات الصغيرة، لأن امتلاك مهارة العمل لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات الإدارة والتسويق وبناء الأنظمة والتخطيط، ومن هنا يطرح الكتاب تصورًا مختلفًا يقوم على ضرورة أن يعمل صاحب المشروع على المشروع، وليس فقط داخل المشروع.

لماذا كتب هذا الكتاب؟

انطلق جيربر من ملاحظاته خلال سنوات عمله مع أصحاب المشروعات الصغيرة، حيث وجد أن كثيرًا منهم بدأوا أعمالهم لأنهم كانوا جيدين في مهنة معينة، ثم اكتشفوا بعد فترة أنهم أصبحوا أسرى للعمل اليومي بدلًا من أن يصبحوا أصحاب أعمال قادرين على إدارتها وتطويرها، وقد يبدأ مصمم أو خباز أو فني أو صاحب متجر مشروعه بهدف الاستقلال وتحقيق دخل أفضل، لكنه يجد نفسه بعد فترة يؤدي جميع المهام بنفسه، من تنفيذ الخدمة إلى متابعة العملاء والحسابات والمشتريات والتسويق، ويصبح المشروع في النهاية وظيفة أكثر إرهاقًا بدلًا من أن يكون أصلًا قابلًا للنمو.

ماذا يقدم الكتاب؟

كما يقدم أيضًا نموذجًا يقوم على التمييز بين 3 أدوار داخل صاحب المشروع نفسه، رائد الأعمال، والمدير، والفني. فـ “رائد الأعمال” يهتم بالصورة المستقبلية والفرص والنمو، ويعمل “المدير” على التنظيم والتخطيط ووضع الأنظمة، أما “الفني” فيركز على تنفيذ العمل نفسه، ويرى أن المشكلة تبدأ عندما يطغى دور الفني على الدورين الآخرين، وصاحب المشروع قد يقضي معظم يومه في أداء المهام التي يجيدها، لكنه لا يجد وقتًا لبناء نظام يساعد المشروع على العمل بصورة مستقرة ومنظمة.

فكرة الأنظمة

ويولي الكتاب أهمية كبيرة لفكرة الأنظمة، وأن المشروع الناجح، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يعتمد على شخص واحد يعرف كل شيء ويقوم بكل شيء، وإنما يجب أن تكون طريقة العمل واضحة وقابلة للتكرار، بحيث يستطيع الموظفون تنفيذ المهام وفق خطوات ومعايير محددة، ويستفيد من فكرة نموذج الامتياز التجاري، ليس بمعنى أن كل مشروع يجب أن يتحول إلى «فرانشايز»، وإنما باعتبار أن الشركات الناجحة تحتاج إلى أنظمة واضحة تجعل تجربة العميل وجودة الخدمة أكثر اتساقًا وأقل اعتمادًا على الأشخاص.

مراحل نمو المشروع

وينتقل الكتاب إلى مراحل نمو المشروع، موضحًا أن المشروعات تمر بمراحل مختلفة، تبدأ غالبًا بحماس البدايات، ثم تظهر مشكلات التوسع عندما يزداد حجم العمل ويصبح الاعتماد على صاحب المشروع وحده غير عملي، وهنا يصبح بناء الهيكل الإداري والأنظمة أكثر أهمية، كما يدعو الكاتب صاحب المشروع إلى التفكير في هوية المشروع ومستقبله قبل الانشغال بالتفاصيل اليومية، من خلال تحديد ما يريد أن يحققه المشروع، ومن هم عملاؤه، وكيف يريد أن يقدم خدماته، وما الذي يجعله مختلفًا عن المنافسين.

الأفكار المهمة في الكتاب

ومن الأفكار المهمة في الكتاب أن بناء المشروع لا يعني فقط زيادة المبيعات. فقد ترتفع الإيرادات بينما تظل الأرباح ضعيفة، أو يزيد عدد العملاء بينما يزداد الضغط على صاحب العمل، ويحتاج النمو الحقيقي إلى نظام يجعل زيادة حجم النشاط قابلة للإدارة والاستمرار، ويؤكد أن توثيق العمليات وتحديد المسؤوليات وتطوير طريقة واضحة لتدريب العاملين يمكن أن يحول المشروع من نشاط يعتمد على خبرة صاحبه إلى مؤسسة لديها طريقة عمل يمكن تطويرها وقياسها.

خلاصة الكتاب

تتمثل الرسالة الأساسية للكتاب في أن امتلاك مشروع لا يعني بالضرورة أن صاحبه أصبح رجل أعمال ناجحًا. فقد يكون الشخص ممتازًا في مهنته، لكنه يحتاج إلى مهارات مختلفة تمامًا حتى يستطيع بناء مؤسسة مستقرة وقابلة للنمو، ويركز على ضرورة الانتقال من عقلية «أنا أنجز كل شيء» إلى عقلية «كيف أبني نظامًا يستطيع إنجاز العمل بكفاءة؟». فالمشروع الذي يعتمد على صاحبه في كل التفاصيل يظل محدودًا بوقته وقدرته، والمشروع الذي يمتلك أنظمة واضحة يمكن أن ينمو بصورة أكثر استدامة.

يناسب الكتاب أصحاب المشروعات الصغيرة، ورواد الأعمال في المراحل الأولى، وأصحاب المتاجر والخدمات والمهن الحرة، وكل شخص يفكر في تحويل مهارته أو خبرته إلى مشروع، كما يمكن أن يكون مفيدًا لمن يدير مشروعًا بالفعل ويشعر أنه يعمل لساعات طويلة دون أن يملك وقتًا كافيًا للتخطيط والتطوير.

من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يتناول مشكلة واقعية تواجه عددًا كبيرًا من أصحاب المشروعات الصغيرة، ويقدم طريقة مختلفة للنظر إلى إدارة الأعمال. كما أن مفهوم العمل على المشروع بدلًا من العمل داخل المشروع من الأفكار التي يمكن تطبيقها على قطاعات مختلفة، إلى جانب تركيزه على أهمية الأنظمة بدل الاعتماد الكامل على الأفراد.

قد تبدو بعض أفكار الكتاب مثالية أو صعبة التطبيق بالنسبة إلى المشروعات الصغيرة جدًا التي تبدأ بإمكانات محدودة، كما أن بناء الأنظمة يحتاج إلى وقت وموارد قد لا تتوافر لدى صاحب المشروع في مراحله الأولى، وكذلك فإن بعض نماذج الكتاب تنطلق من بيئة الأعمال الأمريكية، ما يستدعي تكييفها مع طبيعة الأسواق والظروف المحلية.

ملاحظات يمكن مناقشتها

لا يعني الاعتماد على الأنظمة أن العامل البشري يمكن الاستغناء عنه، فنجاح أي مشروع يحتاج إلى أشخاص قادرين على اتخاذ القرارات والتعامل مع العملاء والمشكلات غير المتوقعة، كما أن التفويض لا يعني التخلي عن المسؤولية، وإنما توزيعها بطريقة تجعل صاحب المشروع قادرًا على التركيز على القرارات الأكثر أهمية.

والسؤال الأهم الذي يتركه الكتاب أمام القارئ هو، هل أسست مشروعًا بالفعل، أم صنعت لنفسك وظيفة جديدة؟ فقد يكون الفرق بين الاثنين هو قدرة المشروع على الاستمرار والعمل بكفاءة حتى عندما لا يكون صاحبه موجودًا في كل تفصيلة.

الكلمة الأخيرة

عندما تطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: أسطورة صاحب المشروع: لماذا تفشل معظم المشروعات الصغيرة وماذا تفعل حيال ذلك؟

العنوان الأصلي: The E-Myth Revisited: Why Most Small Businesses Don’t Work and What to Do About It

المؤلف: مايكل إي. جيربر

دار النشر: HarperBusiness / Collins

بلد النشر: الولايات المتحدة

الطبعة: الطبعة المنقحة

سنة النشر: 2005

عدد الصفحات: 288 صفحة

ISBN: 9780060766610

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *