فخ السعاده

التمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

تبدو السعادة في ظاهرها هدفًا لا يحتاج إلى نقاش لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى شرط للحياة الطبيعية فنعتقد أننا يجب أن نشعر بالرضا طوال الوقت وأن القلق علامة على الفشل وأن الحزن شيء يجب التخلص منه بسرعة وأن الأفكار السلبية يجب إسكاتها قبل أن نتمكن من العيش بشكل جيد هنا يأتي الكتاب بفكرة مختلفة وهي أن المشكلة قد لا تكون في وجود المشاعر المؤلمة وإنما في المعركة المستمرة التي نخوضها ضدها

يفترض الكتاب أن الإنسان الحديث وقع داخل تصور غريب للسعادة يجعله يعتقد أن الحياة الجيدة تعني الشعور الجيد معظم الوقت لكن هذا التصور يصطدم بطبيعة الحياة نفسها فالحزن والقلق والخوف والغضب والشك ليست أخطاء في النظام الإنساني بل مشاعر يمكن أن تظهر حتى عندما تسير الحياة في الاتجاه الصحيح

تبدأ المشكلة عندما نحاول السيطرة على كل تجربة داخلية وكأن العقل جهاز يمكن ضبطه على الشعور الذي نريده فكلما ظهرت فكرة مزعجة حاولنا طردها وكلما ظهر خوف حاولنا التخلص منه وكلما شعرنا بالحزن اعتبرناه دليلًا على أن هناك شيئًا خطأ في حياتنا

هذا الصراع قد يجعل التجربة أكثر إزعاجًا لأن الإنسان لا يكتفي بالشعور الأصلي بل يضيف إليه خوفًا من الشعور نفسه فالشخص القلق قد يصبح قلقًا لأنه قلق والشخص الحزين قد يبدأ في لوم نفسه لأنه حزين والشخص الذي يشك في قدرته قد يدخل في دائرة طويلة من مراقبة نفسه ومقارنة أدائه بالآخرين

يقدم الكتاب طريقة مختلفة للتعامل مع الأفكار والمشاعر تقوم على عدم تحويلها إلى أوامر واجبة التنفيذ فالفكرة ليست حقيقة مطلقة لمجرد أنها ظهرت في العقل والمشاعر ليست دائمًا تعليمات يجب اتباعها وجود فكرة عن الفشل لا يعني أن الفشل حدث ووجود الخوف لا يعني أن الخطر موجود بالفعل

هذه المسافة بين الإنسان وبين ما يدور داخله تصبح نقطة أساسية في التعامل مع الحياة فبدلًا من الدخول في معركة مع العقل يمكن ملاحظة ما يحدث داخله ثم العودة إلى الفعل الذي يخدم الحياة التي يريدها الإنسان

يركز الكتاب كذلك على فكرة القبول لكن القبول هنا لا يعني الاستسلام أو الرضا عن كل شيء وإنما يعني التوقف عن إهدار الطاقة في محاولة إجبار التجربة الداخلية على أن تكون مختلفة عما هي عليه القبول يسمح للمشاعر أن توجد دون أن تتحول إلى مركز الحياة كلها

بعد ذلك ينتقل التركيز من مطاردة الشعور السعيد إلى تحديد القيم التي تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها فالحياة ذات المعنى لا تتكون فقط من اللحظات المريحة وقد يكون الإنسان على الطريق الصحيح رغم شعوره بالتعب أو الخوف أو الحزن

هذه الفكرة تغير تعريف النجاح نفسه فإذا كان الهدف هو الشعور بالسعادة طوال الوقت فإن أي يوم سيئ يصبح دليلًا على أن الحياة لا تسير جيدًا أما إذا كان الهدف هو العيش وفق القيم التي يؤمن بها الإنسان فإن اليوم الصعب يمكن أن يكون جزءًا طبيعيًا من رحلة ذات معنى

يظهر هنا الفرق بين الأهداف والقيم فالهدف يمكن الوصول إليه ثم ينتهي بينما القيمة أشبه باتجاه مستمر فأن تكون شخصًا محبًا أو شجاعًا أو صادقًا أو متعاونًا لا يمثل نقطة نهائية يمكن وضع علامة عليها بل طريقة يمكن أن تظهر في القرارات اليومية

الكتاب يدفع القارئ كذلك إلى النظر في العادات التي يستخدمها للهروب من المشاعر غير المريحة فقد يحاول البعض الانشغال المستمر أو التأجيل أو الإفراط في العمل أو الانعزال أو البحث الدائم عن الترفيه وكل هذه الوسائل قد تمنح راحة مؤقتة لكنها لا تعني بالضرورة أن المشكلة اختفت

الفكرة المهمة ليست أن نتوقف عن الاستمتاع بالحياة أو أن نقبل المعاناة بلا حدود وإنما أن نمنع البحث عن الشعور المثالي من السيطرة على قراراتنا فقد نرفض فرصة مهمة لأننا نخاف ونؤجل خطوة ضرورية لأننا نشعر بعدم الثقة ونبتعد عن علاقة مهمة لأننا لا نريد التعرض للألم

هنا تصبح الشجاعة مختلفة عن غياب الخوف فالشجاعة تعني القدرة على التحرك رغم وجود الخوف عندما يكون الفعل متوافقًا مع ما نعتبره مهمًا

الكتاب لا يعد القارئ بحياة خالية من الألم وهذه ربما تكون أكثر أفكاره واقعية فهو يحاول استبدال الوعد المستحيل بوعد أكثر قابلية للتحقق وهو أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على التعامل مع أفكاره ومشاعره دون أن يسمح لها بأن تحدد كل مسار حياته

تتحول السعادة في هذا التصور من مطاردة مستمرة إلى نتيجة جانبية محتملة لحياة مليئة بالمعنى والعلاقات والعمل والاختيارات التي تتفق مع القيم الشخصية وهنا تكمن المفارقة الأساسية فكلما توقف الإنسان عن جعل السعادة شرطًا مسبقًا للحياة قد يصبح أكثر قدرة على عيشها فعلًا

حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان فخ السعادة كيف تتوقف عن الصراع وتبدأ الحياة

المؤلف روس هاريس

دار النشر Shambhala

بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الثانية

سنة النشر 2022

عدد الصفحات 320

رقم الإيداع غير متاح

ISBN 9781645471165

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *