“شفرة الجماعة”.. حين يصبح الأمان والثقة لغة خفية تصنع الفرق بين فريق متماسك ومجموعة متفرقة

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة، هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها

في كتاب “شفرة الجماعة” ينتقل دانيال كويل من الإنسان الفرد إلى الإنسان داخل المجموعة، ومن سؤال النجاح الشخصي إلى سؤال أكثر تعقيدا، لماذا تنجح بعض الجماعات في التعاون والثقة والإبداع، بينما تفشل جماعات أخرى رغم امتلاكها أفرادا موهوبين، ولماذا تستطيع بعض الفرق أن تجعل أفرادها يشعرون بالأمان والانتماء، بينما تظل فرق أخرى أسيرة الخوف والمنافسة والصمت، ومن هنا يبدأ الكتاب رحلة في علم النفس الاجتماعي والسلوك الجماعي، يبحث خلالها عن الإشارات الصغيرة التي تصنع الثقافة الكبيرة

الكتاب لا يتعامل مع الثقافة باعتبارها شعارات مكتوبة على الجدران أو قيما معلنة في اللوائح، وإنما باعتبارها سلوكا يوميا يتكرر حتى يصبح عادة، فالثقافة بالنسبة إلى كويل ليست شيئا نمتلكه فقط، وإنما شيء نفعله، ولذلك فإن طريقة حديث أعضاء الفريق، وكيفية تعاملهم مع الخطأ، ومدى استعدادهم للاعتراف بالضعف، وطريقة استقبال الأفكار الجديدة، كلها رسائل اجتماعية تشكل المناخ الذي يعيش داخله الأفراد

وقد اعتمد المؤلف على دراسة جماعات ومؤسسات مختلفة، من فرق عسكرية ورياضية إلى شركات ومجموعات إبداعية، ليبحث عن العناصر المشتركة التي تجعل بعض البيئات أكثر تماسكا وتعاونا، ويضع في مركز تحليله ثلاث مهارات رئيسية، بناء الأمان، وإظهار الضعف بصورة منتجة، وبناء قصة مشتركة تمنح الجماعة اتجاها ومعنى، وهي أفكار تجعل الكتاب وثيق الصلة بعلم النفس الاجتماعي، لأنه يبحث في الثقة والانتماء والتأثير المتبادل وكيف تتغير سلوكيات الفرد عندما يصبح جزءا من جماعة.

 رسالة الكاتب للقارئ

الرسالة الأهم التي يحملها الكتاب هي أن الجماعات الناجحة لا تنجح بالصدفة، وأن العلاقات الإنسانية داخل الفريق ليست تفصيلا جانبيا يمكن تجاهله، بل هي جزء أساسي من القدرة على العمل والابتكار والاستمرار، فالمؤسسة التي تريد نتائج أفضل لا تحتاج فقط إلى أشخاص أكثر مهارة، وإنما تحتاج أيضا إلى بيئة تجعل هؤلاء الأشخاص قادرين على استخدام مهاراتهم

ويعيد الكاتب تعريف الأمان النفسي بطريقة عملية، فالأمان لا يعني غياب الاختلاف أو النقد أو المحاسبة، وإنما يعني أن يشعر الإنسان بأن صوته مسموع، وأن وجوده له قيمة، وأن الخطأ لا يحوله تلقائيا إلى شخص منبوذ، وأن الاعتراف بعدم المعرفة ليس عارا، وأن طلب المساعدة لا يعني الهزيمة

وهنا تصبح الثقة مثل الأرض التي يقف عليها الفريق، فإذا كانت الأرض ثابتة استطاع الناس أن يتحركوا بحرية، وإذا كانت مهتزة أصبح كل فرد منشغلا بحماية نفسه قبل التفكير في مصلحة المجموعة، ولذلك فإن الكاتب يدفع القارئ إلى النظر في التفاصيل التي تبدو صغيرة، نظرة القائد، طريقة الرد، سؤال بسيط عن الرأي، الاعتراف بالخطأ، الإصغاء، أو حتى طريقة التعامل مع شخص أقل مكانة داخل المجموعة

الكتاب يقول بصورة غير مباشرة إن الإنسان لا يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أنه مراقب طوال الوقت، وإنما عندما يشعر أن بإمكانه التفكير والتجربة والتعلم، ولذلك فإن بناء الثقافة ليس مهمة المدير وحده، بل مسؤولية كل فرد يرسل برسالة إلى الآخرين، إما أن تقول لهم “أنت معنا”، أو تقول لهم “احذر، أنت وحدك”

الأفكار القائمة عليها الكتاب

يقوم الكتاب على ثلاثة محاور أساسية، أولها الأمان، وثانيها القابلية للتعرض للضعف، وثالثها بناء القصة المشتركة، وهذه المحاور تتداخل فيما بينها لتكوين ما يمكن تسميته بالكيمياء الاجتماعية للمجموعة

الأمان يعني إرسال إشارات مستمرة تؤكد الانتماء، مثل الإصغاء، والاهتمام، واحترام المشاركة، وعدم التعامل مع الأسئلة باعتبارها جهلا، وعدم تحويل الأخطاء إلى وسيلة للإذلال، لأن الفرد الذي يشعر بالأمان يصبح أكثر قدرة على التعلم والمشاركة

أما الضعف، فلا يعني الاستسلام أو فقدان القوة، وإنما يعني القدرة على الاعتراف بأن الإنسان لا يعرف كل شيء، وأنه قد يخطئ، وأنه يحتاج أحيانا إلى الآخرين، ويشير الكتاب إلى أن مشاركة الضعف بصورة صحيحة يمكن أن تقوي الروابط، لأنها تخفف المسافة بين الأفراد وتمنح الآخرين إذنا ضمنيا بأن يكونوا أكثر صدقا

أما القصة المشتركة، فهي الصورة التي تجيب عن سؤال، لماذا نفعل ما نفعله، فالفريق الذي يعرف هدفه يستطيع أن يربط التفاصيل الصغيرة بالغاية الكبرى، بينما الفريق الذي يعمل دون معنى مشترك قد يتحول إلى مجموعة من الأفراد يؤدون مهاما منفصلة دون إحساس حقيقي بأنهم جزء من شيء أكبر

ومن هنا يصبح التواصل أكثر من تبادل للمعلومات، فهو عملية لبناء الانتماء، وكل كلمة وكل تصرف يمكن أن يكون إشارة اجتماعية، إما أن تقوي الجسر أو تزيد المسافة، إما أن تفتح الباب أو تغلقه

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

الثقة لا تبنى بخطاب واحد وإنما بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة، وأن الأمان النفسي يساعد الأفراد على المشاركة والتعلم، وأن الجماعات القوية لا تخشى الاعتراف بالخطأ، وأن القادة لا يصنعون الثقافة وحدهم بل يشاركون في صناعتها مع أعضاء المجموعة، وأن القصص المشتركة تساعد على توحيد الاتجاه، وأن التعاون يحتاج إلى بيئة اجتماعية تشجع على التواصل لا إلى أوامر إدارية فقط

ومن النقاط المهمة أن الجماعة قد تغير سلوك الفرد، فالإنسان الذي يعمل في بيئة يسودها الخوف قد يصبح أكثر تحفظا، بينما الإنسان الذي يعمل في بيئة تسمح له بالتجربة قد يصبح أكثر إبداعا، وهذه الفكرة تكشف أحد أهم جوانب علم النفس الاجتماعي، الإنسان لا يعيش منفصلا عن المحيط، وإنما يتأثر بإشاراته وقواعده وتوقعاته

كما يلفت الكتاب إلى أن النجاح الجماعي لا يقوم على غياب المشكلات، وإنما على طريقة التعامل معها، فقد يختلف أعضاء الفريق ويخطئون ويتعثرون، لكن الفارق يكمن في قدرتهم على العودة إلى الحوار، وفي وجود ثقافة تسمح بإصلاح الخطأ بدلا من إخفائه

وهنا تبدو الثقافة أشبه بالنسيج، قد يبدو كل خيط ضعيفا بمفرده، لكن اجتماع الخيوط يصنع قطعة متماسكة، وكذلك الجماعة، قد تبدو الكلمات والإشارات والتصرفات اليومية صغيرة، لكنها مع التكرار تصنع المناخ العام، والمناخ يصنع السلوك، والسلوك يصنع النتائج

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب القادة والمديرين وأصحاب المؤسسات، لكنه لا يتوقف عندهم، فهو يخاطب كل إنسان يعمل داخل فريق، سواء كان فريقا مهنيا أو رياضيا أو تعليميا أو تطوعيا، كما يمكن أن يستفيد منه الآباء والمعلمون وكل من يدير مجموعة من البشر

ويخاطب أيضا الأشخاص الذين يشعرون أن المشكلة في فريقهم ليست دائما في نقص المهارات، وإنما في طريقة التعامل بين الأفراد، فقد تكون المجموعة مليئة بالكفاءات، لكنها تفتقر إلى الثقة، وقد يكون لديها المال والموارد، لكنها لا تملك لغة مشتركة، وقد يكون أفرادها أذكياء، لكنهم لا يشعرون بالأمان الكافي للتحدث

ومن هذه الزاوية يصبح الكتاب مناسبا لمن يريد فهم الإنسان داخل الجماعة، وليس الإنسان بمعزل عنها، فهو يشرح كيف يمكن للعلاقات أن ترفع مستوى الأداء أو تخفضه، وكيف يمكن للثقة أن تتحول إلى طاقة، والخوف إلى جدار، والانتماء إلى قوة دافعة

 أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أبرز نقاط القوة أن الكاتب لا يقدم أفكاره في صورة نظرية مجردة، وإنما يعتمد على قصص وتجارب من بيئات مختلفة، وهو ما يجعل المفاهيم المتعلقة بالثقة والتعاون والثقافة أكثر قربا من القارئ، كما أن الكتاب يحاول تحويل أفكار علم النفس والسلوك الجماعي إلى ممارسات يستطيع القارئ التفكير فيها وتطبيق بعضها داخل بيئته

ومن نقاط القوة كذلك أن الكتاب يرفض فكرة أن الثقافة مجرد شعارات، ويعيدها إلى السلوك، وهي فكرة مهمة لأن كثيرا من المؤسسات تكتب قيما جميلة، لكن الاختبار الحقيقي يحدث في لحظة الخلاف، أو عند وقوع الخطأ، أو عندما يقدم شخص أقل سلطة فكرة لا تعجب الإدارة

أما نقطة الضعف التي تحتاج إلى نقاش فهي أن النماذج الناجحة التي يستعرضها الكتاب قد لا تنتقل كما هي إلى كل بيئة، فالثقافة التنظيمية تتأثر بالمجتمع والاقتصاد ونوع المؤسسة والتاريخ وطبيعة القيادة، ولذلك فإن ما يصلح لفريق رياضي قد يحتاج إلى تعديل داخل مؤسسة حكومية، وما ينجح داخل شركة صغيرة قد لا يعمل بالطريقة نفسها داخل مؤسسة ضخمة

كما أن التركيز على الثقافة الداخلية لا يلغي تأثير العوامل الخارجية، فالفريق يعمل داخل ظروف اقتصادية وقانونية ومؤسسية قد تحد أحيانا من قدرته على تغيير واقعه، ولهذا فإن الثقافة مهمة، لكنها ليست العامل الوحيد في النجاح

 ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أول هذه المفاهيم هو الأمان النفسي، فهل يمكن أن يتحول الأمان إلى تساهل، وهل الاعتراف بالخطأ يعني غياب المحاسبة، والواقع أن الأمان لا ينبغي أن يعني إلغاء المسؤولية، بل يمكن أن يعني خلق بيئة تسمح بالاعتراف بالخطأ حتى يمكن إصلاحه، وهنا يصبح الأمان طريقا إلى المسؤولية وليس بديلا عنها

وهناك سؤال آخر يتعلق بالضعف، فمشاركة الضعف قد تقرب الناس، لكنها تحتاج إلى حكمة، لأن كل بيئة لا تسمح بالمستوى نفسه من الانفتاح، ولذلك يجب أن يكون الإنسان قادرا على التمييز بين الصراحة البناءة وبين كشف ما قد يعرضه للاستغلال

كما يحتاج مفهوم القصة المشتركة إلى نقاش، لأن الجماعات قد تمتلك قصة جميلة لكنها لا تطبقها، وقد تتحول القيم إلى لغة دعائية إذا لم ترتبط بالسلوك اليومي، ولهذا فإن القصة الحقيقية لأي مؤسسة ليست ما تقوله عن نفسها، وإنما ما يراه أفرادها ويعيشونه كل يوم

وفي النهاية يترك الكتاب سؤالا يتجاوز المؤسسات، ماذا يحدث للإنسان عندما يجد نفسه داخل جماعة تمنحه الأمان، وتحترم صوته، وتسمح له بالتعلم، وتجعله يشعر أن عمله له معنى، وربما تكون الإجابة أن الإنسان لا يصبح أقوى دائما عندما يعمل وحده، وإنما قد يصبح أقوى عندما يجد جماعة تعرف كيف تجعله يرى أفضل ما فيه

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “The Culture Code: The Secrets of Highly Successful Groups”

المؤلف: Daniel Coyle

دار النشر: Bantam

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكي

الطبعة: طبعة أولى

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 304 صفحات

ISBN: 9780804176989

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *