يمثل الاقتصاد السلوكي أحد أهم الاتجاهات الحديثة التي أعادت النظر في الطريقة التي يفكر بها الاقتصاديون في سلوك الإنسان واتخاذ القرار، ومن أبرز الكتب التي أسهمت في نشر هذا الاتجاه كتاب «Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness» لريتشارد ثالر وكاس صنستين، الذي صدر لأول مرة عام 2008.
ينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن الإنسان لا يتخذ قراراته دائمًا بطريقة عقلانية ومنظمة كما تفترض بعض النماذج الاقتصادية التقليدية، فالناس قد يتأثرون بطريقة عرض الخيارات، والعادات، والانطباعات السريعة، والخوف من الخسارة، وتأجيل القرارات، وضغط المجتمع.
ومن هنا يقدم المؤلفان مفهوم «الدفعة» (Nudge)، أي تصميم بيئة الاختيار بطريقة تساعد الأفراد على اتخاذ قرارات أفضل، دون إلغاء حريتهم في الاختيار.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
جاء الكتاب لتقديم تطبيق عملي لأفكار الاقتصاد السلوكي، والانتقال بها من المجال الأكاديمي إلى الحياة اليومية والسياسات العامة.
ويرى ثالر وصنستين أن فهم السلوك البشري كما هو، وليس كما يفترض النموذج الاقتصادي المثالي أن يكون، يمكن أن يساعد الحكومات والمؤسسات والأفراد على تحسين القرارات المتعلقة بالصحة والادخار والتعليم والعمل والاستهلاك.
ويطرح الكتاب سؤالا جوهريا، وهو إذا كان الإنسان يرتكب أخطاء متكررة في اتخاذ القرار، فهل يمكن تصميم البيئة المحيطة به بحيث تساعده على اتخاذ خيارات أفضل، مع الحفاظ على حريته؟
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
أولا: الإنسان ليس عقلانيا بصورة كاملة
يناقش المؤلفان الفرق بين الإنسان الواقعي، الذي يتأثر بالعاطفة والعادات والانحيازات، وبين الإنسان الاقتصادي المثالي الذي يفترض أنه يمتلك معلومات كاملة ويحسب جميع البدائل بصورة دقيقة.
ثانيا: قوة طريقة عرض الاختيارات
قد تتغير قرارات الأفراد تبعا للطريقة التي يتم بها تقديم البدائل، فالخيار الافتراضي، وترتيب المعلومات، وطريقة صياغة الرسالة يمكن أن تؤثر في السلوك، حتى عندما تظل الخيارات نفسها متاحة.
ثالثا: مفهوم الدفعة
الدفعة ليست إجبارا ولا حظرا، وإنما وسيلة لتصميم الاختيار بحيث يصبح السلوك الأكثر فائدة أسهل أو أكثر وضوحا. ومن أمثلتها وضع خيار الادخار ضمن الإعدادات الافتراضية للموظف، مع إمكانية إلغائه.
رابعا: الادخار والاستثمار:
يشرح الكتاب كيف يمكن للناس أن يؤجلوا الادخار رغم إدراكهم لأهميته، بسبب الميل إلى تفضيل الاستهلاك الحالي على المنفعة المستقبلية، ولذلك يمكن لبعض التصميمات السلوكية أن تساعد الأفراد على زيادة مدخراتهم تدريجيا.
خامسا: الصحة والتغذية
يمكن استخدام تصميم بيئة الاختيار للتأثير في العادات الصحية، مثل طريقة ترتيب الطعام أو تقديم المعلومات الغذائية، دون منع المستهلك من اختيار ما يريده.
سادسا: السياسات العامة:
يرى المؤلفان أن أدوات الاقتصاد السلوكي يمكن أن تستخدمها الحكومات في مجالات متعددة، مثل التقاعد والصحة والتعليم والطاقة وحماية المستهلك، مع بقاء الاختيار الفردي قائما.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بالاقتصاد وعلم النفس والإدارة والتسويق والسياسات العامة والاستثمار، كما يناسب القارئ غير المتخصص الذي يريد فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يتخذ أحيانا قرارات تبدو غير منطقية اقتصاديا.
وهو مفيد بصورة خاصة لرجال الأعمال ومديري المؤسسات والمسوقين، لأن فهم سلوك المستهلك وطريقة اتخاذه للقرار يمثل عنصرا أساسيا في تصميم المنتجات والخدمات والحملات التسويقية.
مميزات الكتاب
من أهم مميزات الكتاب أنه يجمع بين النظرية الاقتصادية وعلم النفس السلوكي والتطبيقات اليومية، فلا يكتفي بشرح الانحيازات السلوكية، وإنما يحاول تحويلها إلى أدوات عملية يمكن استخدامها في تصميم السياسات والمنتجات والبيئات التي يتخذ الناس داخلها قراراتهم.
كما يتميز أسلوب ثالر وصنستين بالاعتماد على أمثلة واقعية وقريبة من الحياة اليومية، وهو ما جعل مفهوم «الدفعة» ينتقل من المصطلح الأكاديمي إلى النقاشات المتعلقة بالإدارة والسياسة العامة والاقتصاد.
قراءة صحفية
تكمن أهمية «الاقتصاد السلوكي» في أنه يغير زاوية النظر إلى القرار الاقتصادي، فبدلا من السؤال التقليدي، اذا يفعل الإنسان إذا كان عقلانيا تماما؟، يدفعنا الكتاب إلى سؤال أكثر ارتباطا بالواقع، وهو كيف يتصرف الإنسان بالفعل عندما يواجه معلومات ناقصة، وضغوطا يومية، وإغراءات، وخوفا من المستقبل؟
هذه الفكرة لها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والاستثمار، فالمستثمر على سبيل المثال، لا يتخذ قراراته دائما بناءً على تحليل موضوعي كامل، وإنما قد يتأثر بالخوف والطمع والثقة الزائدة وتجارب الماضي وسلوك الآخرين.
والأمر نفسه ينطبق على المستهلك الذي قد يشتري منتجا لا يحتاج إليه بسبب التخفيضات، أو يؤجل الادخار لأنه يفضل الإنفاق الحالي، أو يستمر في قرار مالي غير مناسب لأنه لا يريد الاعتراف بخسارته.
ومن هنا يبرز مفهوم «الدَفعة» باعتباره محاولة للاستفادة من معرفة السلوك البشري بدلا من تجاهله، فإذا كان الإنسان يميل إلى التسويف، يمكن تصميم نظام يساعده على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وإذا كان يواجه صعوبة في فهم الخيارات المالية، يمكن تبسيط المعلومات وترتيبها بطريقة أكثر وضوحا.
لكن الكتاب يفتح أيضا نقاشا مهما حول حدود التدخل في اختيارات الأفراد. فإذا كانت طريقة تصميم الاختيارات تؤثر في السلوك، فإن السؤال يصبح: من يحدد التصميم؟ وما المعايير التي تجعل «الدَفعة» مفيدة وليست وسيلة للتلاعب؟ وهنا تظهر أهمية الشفافية وحق الفرد في معرفة الخيارات المتاحة له وإمكانية رفض الخيار الافتراضي.
وبالنسبة للاقتصادات النامية، يمكن الاستفادة من أفكار الكتاب في مجالات مثل الشمول المالي، وتشجيع الادخار، وتحسين الثقافة المالية، وزيادة الإقبال على الخدمات المصرفية، وترشيد استهلاك الطاقة، وتحسين القرارات الصحية.
والرسالة الأوسع التي يقدمها الكتاب هي أن الاقتصاد لا يعمل بعيدًا عن علم النفس، فالأرقام والأسعار والدخول والحوافز مهمة، لكن طريقة تفكير البشر في هذه العناصر لا تقل أهمية عن العناصر الاقتصادية نفسها.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: الاقتصاد السلوكي: تحسين القرارات المتعلقة بالصحة والثروة والسعادة
العنوان الأصلي: Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness
المؤلفان: ريتشارد هـ. ثال وكاس ر. صنستين
دار النشر: Yale University Press
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2008
عدد الصفحات: 312 صفحة في الطبعة الأولى
رقم الإيداع: 978-0-300-12223-7







