عندما نتحدث عن الاستثمار، غالبا ما تتجه الأنظار إلى حجم رؤوس الأموال، وعدد المشروعات الجديدة، وقيمة الاستثمارات التي تدخل السوق، باعتبارها مؤشرات أساسية على قوة الاقتصاد وقدرته على النمو، لكن هل يمكن أن نقيس نجاح الاستثمار بالأرقام وحدها؟ أم أن هناك معيار أكثر ارتباطا بحياة الناس ومستقبل المجتمع؟
في تقديري، الاستثمار الحقيقي لا يتوقف عند إنشاء مشروع أو ضخ مليارات جديدة، إنما يبدأ من قدرته على إحداث تأثير مستدام في حياة المواطنين، من خلال توفير فرص عمل، وتطوير مهارات الشباب، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال المقبلة.
وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان باعتباره أحد أهم مكونات التنمية، فالمشروع الجديد قد يوفر عشرات أو مئات الوظائف، لكن تأهيل الشباب وتطوير مهاراتهم يمكن أن يمنحهم القدرة على المنافسة في سوق عمل يتغير بصورة متسارعة، ويخلق فرصا تتجاوز حدود المشروع الواحد.
سوق العمل اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، حيث أن التغير التكنولوجي، والتحول الرقمي، وظهور وظائف جديدة، واختفاء أو تغير طبيعة بعض الوظائف التقليدية، كلها عوامل تفرض ضرورة إعادة التفكير في العلاقة بين التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى خلق فرص العمل بمعزل عن تأهيل الشباب لشغل هذه الفرص، فوجود استثمارات جديدة أمر مهم، لكن الأهم أن يكون هناك كوادر بشرية قادرة على الاستفادة منها، وأن تتوافر برامج تدريبية تواكب احتياجات الشركات والمشروعات، وتمنح الشباب المهارات المطلوبة بالفعل.
وفي الوقت نفسه، فإن جذب الاستثمارات إلى المحافظات المختلفة يمثل محورا لا يقل أهمية، فالتنمية لا ينبغي أن تتركز في مناطق بعينها، بينما تظل محافظات أخرى في انتظار نصيبها من المشروعات وفرص العمل، توزيع الاستثمارات بصورة أكثر اتزانا يمكن أن يفتح مجالات جديدة للنمو، ويدعم المجتمعات المحلية، ويخلق فرصا أمام الشباب بالقرب من أماكن إقامتهم.
من هنا تأتي أهمية مؤتمر «مصر بكرة»، باعتباره مساحة للنقاش حول أسئلة تتجاوز مفهوم الاستثمار التقليدي: هل الأولوية لخلق فرص عمل جديدة؟ أم لتدريب وتأهيل الشباب؟ أم لجذب استثمارات جديدة إلى المحافظات؟
وربما تكون الإجابة الأكثر واقعية أن هذه المسارات ليست بدائل متنافسة، بل حلقات مترابطة، فالمشروع يحتاج إلى استثمار، والاستثمار يحتاج إلى بيئة مناسبة، والمشروع الناجح يحتاج إلى عمالة مؤهلة، والشباب يحتاجون إلى فرص حقيقية لتطبيق ما تعلموه واكتسبوه من مهارات.
في النهاية، لا يقاس مستقبل الاقتصاد فقط بحجم ما يتم استثماره اليوم، إنما أيضا بما يتركه هذا الاستثمار من قدرة على العمل والإنتاج والنمو غدا.
«مصر بكرة» ليست مجرد عنوان لمؤتمر، بل سؤال مفتوح حول شكل المستقبل الذي نريد أن نصنعه.. وهل سيكون الإنسان في قلب معادلة الاستثمار والتنمية؟







