تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
حين يضع الإنسان ثقته بنفسه في مكانها الصحيح، لا يصبح العالم أقل صعوبة، لكنه يصبح أكثر قابلية للفهم، وهذه هي الفكرة التي يتحرك حولها كتاب “El poder de confiar en ti” للكاتب الإسباني كورو كانيتي، الصادر عن دار بلانيتا عام 2019، وهو كتاب ينتمي إلى مجال المساعدة الذاتية والنمو الشخصي والذكاء العاطفي، ويجعل من الثقة بالنفس نقطة انطلاق لإعادة بناء العلاقة مع الذات والحياة.
يبدأ الكتاب من مشكلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها واسعة الأثر في باطنها، وهي أن الإنسان قد يعرف ما يريد، لكنه لا يصدق أنه قادر على الوصول إليه، وقد يمتلك الرغبة، لكنه يفتقد الإيمان بقدرته على تحويل الرغبة إلى فعل، ومن هنا تصبح المشكلة ليست دائماً في غياب الفرص، وإنما في الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه، فحين تهتز الصورة الداخلية يتراجع القرار، وحين يتراجع القرار تتعطل الخطوة، وحين تتعطل الخطوة يبدو الحلم أبعد مما هو عليه.
ولا يقدم الكتاب الثقة باعتبارها حالة سحرية تجعل الإنسان قادراً على تحقيق كل شيء، وإنما يتعامل معها بوصفها ممارسة يومية تحتاج إلى وعي وتدريب وتغيير في طريقة التفكير، فالإنسان الذي يكرر على نفسه أنه عاجز، يضع حول قدرته سوراً قبل أن يختبرها، أما الذي يسمح لنفسه بالمحاولة، فإنه يفتح باباً لاحتمال جديد، وبين السور والباب تتحدد أحياناً مسافة التطور كلها.
من الأفكار المحورية في الكتاب أهمية الوعي بالحياة اليومية، لأن الإنسان قد يعيش سنوات طويلة وفق عادات وأفكار لم يخترها بوعي، فيتحول الماضي إلى بوصلة دائمة، وتتحول تجارب الفشل إلى أحكام نهائية، ويصبح صوت الخوف أعلى من صوت الرغبة، وهنا تأتي أهمية التوقف والسؤال، ماذا أريد فعلاً، وما الذي يمنعني، وهل العائق حقيقي أم أنني منحته حجماً أكبر من حجمه.
ويمنح الكتاب مساحة واضحة لفكرة الرغبات والأهداف، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها قائمة أمنيات، فالهدف الذي لا يتحول إلى فعل يظل فكرة جميلة معلقة في الهواء، أما الهدف الذي يرتبط بخطوات واقعية فيبدأ في اكتساب وزن وملامح، ولذلك تبدو التنمية الذاتية في هذا السياق أقل ارتباطاً بالشعارات وأكثر ارتباطاً بالسلوك، فالنجاح لا يبدأ دائماً من قفزة كبيرة، بل قد يبدأ من قرار صغير يتكرر حتى يصبح عادة، ومن عادة تصبح شخصية، ومن شخصية تصنع مساراً جديداً.
وتظهر في الكتاب كذلك فكرة التعامل مع الخوف، وهي فكرة مهمة لأن الخوف لا يختفي بمجرد أن نطلب منه الرحيل، وإنما يتغير عندما نقترب منه ونفهمه، فالإنسان قد يخاف من الفشل، لكنه قد يخاف أيضاً من النجاح وما يفرضه من مسؤوليات، وقد يخشى نظرة الآخرين أكثر مما يخشى خسارته الشخصية، ولذلك فإن التحرر لا يعني غياب الخوف، بل يعني ألا يتحول الخوف إلى صاحب القرار.
ومن الزوايا اللافتة في الكتاب أنه يربط السعادة بدرجة من التصالح مع الذات، فالسعادة هنا ليست نتيجة نهائية يصل إليها الإنسان ثم يضعها في خزنة، وإنما حالة تحتاج إلى ممارسة ووعي واختيار، وهذا التصور يجعل تطوير الذات عملية مستمرة وليست مشروعاً له تاريخ انتهاء، فالإنسان يتغير، وأهدافه تتغير، واحتياجاته تتغير، ولذلك فإن ما يصلح له في مرحلة قد يحتاج إلى إعادة النظر في مرحلة أخرى.
كما يركز الكتاب على فكرة أن الإنسان يستطيع أن يعيد كتابة علاقته بنفسه، ليس بمعنى محو الماضي، وإنما بمعنى تغيير الطريقة التي يقرأ بها الماضي، فالفشل يمكن أن يتحول إلى شهادة عجز، ويمكن في الوقت نفسه أن يتحول إلى خبرة، والرفض يمكن أن يصبح جرحاً دائماً، ويمكن أن يصبح درساً في الاختيار، والخسارة يمكن أن تغلق الباب، ويمكن أيضاً أن تكشف أن الباب الذي كنا نطارده لم يكن بابنا أصلاً.
ومن هنا تبدو قيمة الكتاب في أنه ينقل مفهوم تطوير الذات من منطقة “كن أفضل” إلى منطقة أكثر عملية، وهي “افهم نفسك أولاً”، لأن الإنسان الذي لا يعرف أسباب خوفه قد يهرب من فرصه، والذي لا يعرف مصادر ضعفه قد يكرر أخطاءه، والذي لا يعرف قيمه قد يحقق أهدافاً لا تشبهه، فيصبح النجاح نفسه عبئاً بدل أن يكون ثمرة.
وبلغة أقرب إلى الصحافة الإنسانية، يمكن القول إن الكتاب يحاول إعادة الإنسان إلى مقعد القيادة، لا بوعده بأن الطريق سيكون سهلاً، وإنما بتذكيره بأن ترك المقود للشك والخوف وآراء الآخرين له ثمن أيضاً، وأن القرار الشخصي لا يعني ضمان النتيجة، لكنه يعني امتلاك حق المحاولة.
وفي النهاية، يترك الكتاب سؤالاً أكثر عمقاً من سؤال النجاح نفسه، وهو ماذا يمكن أن يحدث لو توقف الإنسان عن انتظار الإذن من الآخرين، ومنح نفسه فرصة حقيقية ليجرب، ويخطئ، ويتعلم، ويبدأ من جديد، فالثقة التي يدعو إليها الكتاب ليست غروراً ولا إنكاراً للضعف، بل اعتراف بالضعف مع رفض الاستسلام له، وبين الاعتراف والاستسلام فرق يصنع أحياناً حياة كاملة.
الكلمة الأخيرة في كتاب
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر ثابتة في كتاب
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: El poder de confiar en ti “قوة الثقة بالنفس”
المؤلف: Curro Cañete “كورو كانيتي”
دار النشر: Editorial Planeta
بلد النشر: إسبانيا
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2019
عدد الصفحات: 256 صفحة
رقم الإيداع: B. 4.313-2019
ISBN: 978-84-08-20563-0







