قراءة في كتاب المثابرة — Grit: The Power of Passion and Perseverance— أنجيلا دكوورث

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

لماذا يصل بعض الناس إلى النهاية بينما يتوقف آخرون في منتصف الطريق، مع أن الاثنين قد يمتلكان القدر نفسه من الذكاء والموهبة والفرص؟، وهل النجاح ثمرة موهبة استثنائية، أم نتيجة قدرة أعمق على الاستمرار حين تخفت الحماسة ويطول الطريق؟ في كتابها المثابرة، تحاول عالمة النفس الأمريكية أنجيلا دكوورث أن تعيد تعريف الطريقة التي ننظر بها إلى النجاح، فتضع أمام القارئ مفهوما يجمع بين الشغف والمثابرة، وتؤكد أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة الإنجاز، وأن الطريق إلى الأهداف الكبيرة لا يحتاج فقط إلى من يبدأ بقوة، بل إلى من يستطيع أن يستمر عندما تفقد البداية بريقها.

تنطلق دكوورث من سؤال جوهري، لماذا ينجح بعض الأشخاص في الوصول إلى مستويات عالية من الإنجاز بينما يتعثر آخرون رغم امتلاكهم قدرات مشابهة؟ ومن خلال أبحاثها وتجاربها وملاحظاتها في المدارس والجيش والرياضة والعمل، تجد أن هناك صفة تتكرر لدى أصحاب الإنجازات الطويلة، إنها القدرة على الاستمرار، وعلى العودة بعد الفشل، وعلى العمل نحو هدف بعيد دون أن تسمح للعقبات اليومية بأن تهدم الصورة الكبرى، وهذه القدرة هي ما تسميه “Grit”، أي المثابرة المقترنة بالشغف والالتزام طويل المدى.

وتفرق الكاتبة بين الموهبة والإنجاز، فالإنسان قد يكون موهوبا في مجال معين، لكن الموهبة لا تتحول تلقائيا إلى نجاح، لأنها تحتاج إلى تدريب وجهد، والتدريب بدوره يحتاج إلى استمرار، والإنجاز الذي يبدو للناس في نهايته سهلا ولامعا يكون غالبا نتيجة سنوات طويلة من العمل الذي لم يره أحد، ولهذا تقدم دكوورث معادلة بسيطة في جوهرها، الموهبة تحتاج إلى جهد حتى تتحول إلى مهارة، والمهارة تحتاج إلى جهد حتى تتحول إلى إنجاز، وكأنها تقول إن الطريق لا يختصر بما نملكه عند البداية، وإنما بما نفعله بما نملكه بعد البداية.

وتؤكد الكاتبة أن المثابرة ليست مجرد قدرة على تحمل التعب، فالإنسان يستطيع أن يعمل لساعات طويلة في شيء لا يحبه ثم يتركه في النهاية، ولذلك فإن المثابرة الحقيقية تحتاج إلى شغف، والشغف هنا لا يعني الحماس المتواصل أو الشعور بالسعادة كل يوم، وإنما وجود اهتمام عميق باتجاه معين يجعل الإنسان مستعدا للاستمرار فيه على المدى الطويل، حتى عندما تأتي الأيام الثقيلة ويصبح التقدم بطيئا، فالشغف الناضج ليس شرارة تشتعل سريعًا وتنطفئ سريعا، بل نار هادئة تظل مشتعلة رغم الريح.

ومن أكثر الأفكار أهمية في الكتاب أن الشغف نفسه لا يولد دائما مكتملا، بل قد يتشكل بالتجربة، فالإنسان قد يبدأ في مجال معين بدافع الفضول، ثم يكتشف مع الوقت ما الذي يثير اهتمامه، ومع الممارسة يبدأ هذا الاهتمام في التحول إلى شغف، ولذلك لا ينبغي أن ينتظر الإنسان لحظة سحرية يكتشف فيها شغفه الحقيقي قبل أن يبدأ، فقد يكون الشغف نتيجة السير في الطريق، لا شرطا للسير فيه، وقد تكون البداية بسيطة، ثم يأتي الاستمرار ليمنحها المعنى والاتجاه.

وتتناول دكوورث أهمية الممارسة، لكنها لا تتحدث عن مجرد تكرار العمل بالطريقة نفسها، وإنما عن ممارسة واعية تسعى إلى اكتشاف نقاط الضعف وتحسينها، فالإنسان الذي يكرر الخطأ نفسه مئات المرات لا يصبح بالضرورة أفضل، بينما الإنسان الذي يلاحظ أخطاءه ويطلب الملاحظات ويعدل طريقته ويكرر المحاولة يصبح أكثر قدرة على التطور، ومن هنا يصبح الفشل جزءًا من عملية التعلم لا حكما نهائيا على الإنسان، فالسقوط لا يعني أن الطريق انتهى، وإنما قد يعني أن الطريقة التي استخدمناها تحتاج إلى تغيير.

وتمنح الكاتبة للعادات دورا مهما في بناء المثابرة، لأن الاعتماد على الحماس وحده يجعل الإنسان أسيرا لمزاجه، بينما تساعد العادات على تحويل العمل إلى جزء طبيعي من الحياة، فالذي ينتظر أن يشعر بالرغبة حتى يبدأ قد يبدأ كثيرًا ويتوقف كثيرا، أما الذي يبني نظاما واضحا للعمل فإنه يستطيع الاستمرار حتى في الأيام التي يغيب فيها الحماس، وهنا يصبح الالتزام أقوى من المزاج، والعادة أقوى من التردد، والخطوة الصغيرة المتكررة أقوى من القفزة الكبيرة المتقطعة.

كما تشير دكوورث إلى أهمية وجود هدف أكبر يمنح الأهداف الصغيرة معناها، فالإنسان يستطيع أن يتحمل صعوبة التدريب إذا كان يعرف لماذا يتدرب، ويستطيع أن يتحمل سنوات الدراسة إذا كان يرى الصورة التي يريد الوصول إليها، ولذلك فإن المثابرة لا تعني التمسك الأعمى بكل هدف، وإنما القدرة على ربط الجهد اليومي بقيمة أو غاية أكبر، لأن الطريق الطويل يصبح أكثر احتمالا عندما نعرف إلى أين نريد أن يقودنا.

ولا تضع الكاتبة المثابرة باعتبارها صفة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل ترى أنها يمكن أن تنمو، سواء من خلال بناء الاهتمامات، أو تطوير العادات، أو تعلم مواجهة الإخفاق، أو وجود بيئة تشجع على الاستمرار، وهنا يظهر مفهوم عقلية النمو، التي تقوم على الاعتقاد بأن القدرات يمكن أن تتطور من خلال التعلم والممارسة، فالشخص الذي يرى الفشل دليلا على أنه غير قادر قد يتوقف، بينما الشخص الذي يراه معلومة تساعده على معرفة ما يحتاج إلى تحسينه قد يعود للمحاولة من جديد.

وتتحدث دكوورث أيضا عن دور الآباء والمعلمين والمدربين في صناعة المثابرة، فالكلمات التي يسمعها الإنسان عن قدراته قد تؤثر في الطريقة التي يرى بها نفسه، والبيئة التي تسمح له بالاستسلام عند أول عقبة تختلف عن البيئة التي تعلمه أن الصعوبة ليست دليلا على الفشل، لكن الكاتبة لا تدعو إلى القسوة أو الضغط بلا حدود، بل تشير إلى أهمية الجمع بين الدعم والتوقعات العالية، أي أن يشعر الإنسان بأنه محبوب ومقبول، وفي الوقت نفسه يعرف أن هناك مسؤوليات يجب أن يتحملها وأهدافا يجب أن يعمل من أجلها.

وفي قلب الكتاب رسالة واضحة، النجاح ليس دائمًا لمن يملك البداية الأقوى، وإنما كثيرًا ما يكون لمن يملك النفس الأطول، فالموهبة قد تلفت الأنظار في البداية، لكن المثابرة هي التي تكشف ما تستطيع تلك الموهبة أن تصبح عليه، ولهذا فإن مقارنة بدايات الناس بنهايات الآخرين ظلم لأنفسنا، فهناك من يبدو متقدما لأنه بدأ بامتيازات أكبر، وهناك من يحتاج إلى وقت أطول حتى تظهر ثمرة جهده، وما يهم في النهاية ليس سرعة الخطوة وحدها، وإنما القدرة على مواصلة السير.

ومع ذلك، لا ينبغي فهم الكتاب على أن المثابرة وحدها تضمن النجاح في كل الظروف، فالحياة تتأثر بالفرص والموارد والظروف الاجتماعية والصحية والاقتصادية، كما أن تغيير الهدف أو ترك طريق غير مناسب قد يكون قرارا واعيا وليس استسلاما، ولذلك فإن قيمة فكرة المثابرة تظهر بصورة أكبر عندما تقترن بالمرونة والوعي، أي أن نعرف متى نستمر، ومتى نغير الوسيلة، ومتى نعيد تحديد الهدف، فالمثابرة الناضجة ليست عنادا، وإنما التزام بالغاية مع استعداد لتعديل الطريق.

وفي النهاية، يأخذنا “Grit” إلى فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، وهي أن الإنجازات الكبيرة لا تصنعها لحظة واحدة من الإلهام، بل تصنعها أيام كثيرة عادية، تتكرر فيها المحاولة بعد المحاولة، والتعلم بعد الخطأ، والسير بعد التعثر، فالقمة التي تبدو من بعيد كأنها لحظة مجد قد تكون في حقيقتها حصيلة سنوات لم يشاهدها أحد، ولذلك فإن المثابرة ليست أن تكون قويا طوال الوقت، وإنما أن تعرف كيف تعود عندما تضعف، وكيف تبدأ من جديد عندما تتعثر، وكيف تحافظ على اتجاهك حتى عندما يصبح الطريق طويلا، وربما كانت أجمل رسالة يتركها الكتاب أن النجاح لا يسأل دائمًا من كان الأكثر موهبة، بل كثيرا ما يسأل من ظل حاضرًا عندما غادر الآخرون، ومن واصل السير عندما انتهى التصفيق، ومن آمن أن الخطوة الصغيرة إذا تكررت بما يكفي قد تصنع في النهاية مسافة لا تصنعها القفزات.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: المثابرة — Grit: The Power of Passion and Perseverance

المؤلف: أنجيلا دكوورث — Angela Duckworth

دار النشر: Scribner

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2016

عدد الصفحات: 352 صفحة

ISBN: 9781501111105

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *