النشاط والوعي والشخصية.. حين يصنع الإنسان نفسه بالفعل لا بالأمنيات

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها

رسالة الكاتب للقارئ

يبدأ أليكسي ليونتييف من الإنسان وهو يتحرك في الحياة، يعمل ويتعلم ويختار ويتفاعل، ثم يسأل السؤال الذي يقف خلف تجربته النفسية كلها، كيف تتكون شخصية الإنسان من خلال نشاطه وعلاقته بالعالم

يرى ليونتييف أن الإنسان لا يعيش فقط داخل أفكاره، وإنما يعيش من خلال نشاطه، وما يفعله كل يوم يشارك في تشكيل وعيه، وما يكتسبه من خبرات يترك أثره في شخصيته، ولذلك فإن فهم الإنسان يحتاج إلى النظر إلى أفعاله بقدر النظر إلى أفكاره

ومن هذه الزاوية تصبح رسالة الكتاب قريبة من جوهر تطوير الذات، لأن الإنسان لا يغير نفسه بمجرد أن يتمنى التغيير، وإنما حين ينتقل من الرغبة إلى الفعل، ومن الفكرة إلى الممارسة، ومن القرار العابر إلى النشاط المتكرر

فالذات عند ليونتييف ليست تمثالا ثابتا، وإنما بناء يتحرك مع الحياة، وكل تجربة تضيف لبنة، وكل اختيار يفتح طريقا، وكل عادة تترك أثرا في ملامح الشخصية

الأفكار القائمة عليها الكتاب

يقوم الكتاب على العلاقة بين النشاط والوعي والشخصية، وهي علاقة لا ينظر إليها ليونتييف باعتبارها عناصر منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات متصلة في حياة الإنسان

فالإنسان ينشط لتحقيق أهداف ودوافع، ومن خلال النشاط يكتسب خبرات، ومن خلال الخبرات يتكون وعيه، ومع استمرار التجربة تتشكل الشخصية بطريقة أكثر تعقيدا وعمقا

ويعطي ليونتييف أهمية كبيرة للدافع والهدف، لأن الإنسان لا يتحرك في الحياة بصورة عشوائية دائما، وإنما ترتبط أفعاله بحاجات ورغبات وأهداف، وقد يتغير السلوك عندما تتغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى أهدافه ودوافعه

وهنا يظهر البعد الاجتماعي بوضوح، فالأنشطة التي يمارسها الإنسان لا تحدث في فراغ، وإنما داخل المجتمع، وفي إطار علاقات وقيم وثقافة وعمل وأسرة وتعليم، ولذلك فإن شخصية الإنسان تحمل في داخلها آثار العالم الذي عاش فيه

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

النشاط الإنساني عنصر أساسي في تكوين الشخصية

الوعي يتطور من خلال علاقة الإنسان بالعالم ونشاطه داخله

الدوافع تؤثر في الأهداف والسلوك

الشخصية ليست مجموعة صفات جامدة، وإنما تتشكل من خلال الخبرة والنشاط

التعلم والممارسة يساهمان في تطوير القدرات

البيئة الاجتماعية والثقافية تؤثر في طريقة الإنسان في التفكير والعمل

تطوير الذات يحتاج إلى تحويل النوايا إلى نشاط مستمر

فهم السلوك يحتاج إلى فهم الدوافع والأهداف التي تقف خلفه

 الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب طلاب علم النفس والباحثين والمتخصصين في التربية والفلسفة وعلم الاجتماع، كما يخاطب كل قارئ يريد فهما أعمق للعلاقة بين الشخصية والسلوك والنشاط الإنساني

ويستطيع المهتم بتطوير الذات أن يقرأ الكتاب من زاوية عملية، فالإنسان الذي يريد تغيير عاداته أو تطوير قدراته لا يحتاج إلى الأمنيات وحدها، وإنما يحتاج إلى نشاط جديد يتكرر حتى يصبح جزءا من حياته

وهنا تتحول فكرة تطوير الذات من خطاب تحفيزي إلى سؤال عملي، ماذا أفعل، ولماذا أفعله، وإلى أين يقودني هذا الفعل

من أهم نقاط القوة أن ليونتييف لا يفصل الشخصية عن النشاط، ولا يفصل الإنسان عن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، وبذلك يقدم رؤية واسعة تتجاوز النظرة الضيقة إلى النفس باعتبارها مجموعة من العمليات الداخلية فقط

كما أن الكتاب يمنح القارئ طريقة مختلفة في التفكير في تطوير الذات، فبدلا من سؤال “كيف أغير نفسي” يمكن أن يبدأ الإنسان بسؤال “ما الأنشطة التي أمارسها كل يوم، وما الشخصية التي تصنعها هذه الأنشطة”

أما ما يحتاج إلى نقاش نقدي فيرتبط بطبيعة الكتاب النظرية وكثافة المفاهيم النفسية والفلسفية التي قد تجعل بعض أجزائه صعبة على القارئ غير المتخصص، كما أن تطبيق بعض تصورات المدرسة السوفيتية يحتاج إلى مراعاة التطورات اللاحقة في علم النفس

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

إذا كانت الشخصية تتشكل من خلال النشاط، فهل يستطيع الإنسان أن يغير شخصيته بمجرد تغيير أنشطته اليومية

وهل يمكن لعادات صغيرة ومتكررة أن تعيد بناء جوانب عميقة من الشخصية، أم أن التغيير يحتاج إلى ظروف اجتماعية ونفسية أوسع

ثم يظهر سؤال آخر أكثر قربا من حياتنا اليومية، هل نحن نختار أنشطتنا بالفعل، أم أن العمل والأسرة والظروف الاقتصادية والاجتماعية تختار لنا جزءا كبيرا منها

وهنا تكمن قوة السؤال الذي يتركه الكتاب، فالإنسان ليس فقط من يقول إنه يريد أن يكون، وإنما هو أيضا ما يفعله، وما يكرره، وما يمنحه من وقت وجهد، وما يضعه في مقدمة اهتماماته

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “النشاط والوعي والشخصية”

المؤلف: أليكسي نيكولايفيتش ليونتييف

دار النشر: “Prentice-Hall”

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية، والمؤلف من أبرز علماء النفس السوفييت

الطبعة: الطبعة الإنجليزية

سنة النشر: 1978

عدد الصفحات: 186 صفحة

رقم الإيداع: غير متاح في البيانات الببليوغرافية المتاحة

ISBN: 9780130035332

وتوثق بيانات Google Books الطبعة الصادرة عن Prentice-Hall عام 1978 في 186 صفحة، وتحمل ISBN 0130035335 و9780130035332

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *