ماذا يحتاج الاقتصاد العالمي

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالباً بأسئلة أكبر

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب بقدر ما هي محاولة للاقتراب من أفكاره وما تقترحه من أسئلة حول العالم الذي نعيش فيه وطريقة إدارة موارده وعلاقاته الاقتصادية

نقرأ ما وراءها

اقتصاد يحتاج إلى بوصلة جديدة

الاقتصاد العالمي يمثل نقطة الانطلاق الأساسية لدى Mariana Mazzucato في هذا الكتاب الذي صدر عام 2026 ويقدم محاولة لإعادة التفكير في الطريقة التي نحدد بها أهداف الاقتصاد وطريقة تحقيقها فالكتاب ينطلق من ملاحظة أن الأزمات الكبرى مثل تغير المناخ وعدم المساواة وأزمات المياه والصحة والبنية التحتية الرقمية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلات منفصلة تنتظر تدخلاً محدوداً بعد حدوثها بل تحتاج إلى تصور مختلف لطريقة بناء الاقتصاد منذ البداية.

الخير المشترك هو المفهوم الذي تضعه Mazzucato في مركز تصورها الاقتصادي وهي تميز بين فكرة السلع العامة وفكرة المشاعات وبين مفهوم أوسع يتعلق بالنتيجة التي يستطيع المجتمع تحقيقها بصورة جماعية فالكتاب لا يتعامل مع الخير المشترك باعتباره منتجاً يمكن شراؤه وإنما باعتباره هدفاً يحتاج إلى مشاركة وتعاون وعلاقات اقتصادية تتجاوز فكرة المنفعة الفردية المباشرة.

السوق بين الإصلاح وإعادة البناء

السوق يحتل موقعاً أساسياً في النقاش لأن الكتاب لا يكتفي بفكرة إصلاح السوق بعد ظهور المشكلات وإنما يناقش إمكانية إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية نفسها بحيث تصبح القيم التي تحكم عملية إنتاج القيمة أكثر ارتباطاً بالمصلحة العامة وتقوم على المشاركة والتبادل بدلاً من الاستخراج وحده وتصبح الدولة والشركات والمجتمع أطرافاً في عملية صناعة القيمة وليس مجرد أطراف تتدخل بعد اكتمالها.

القيمة التي يصنعها المجتمع

القيمة الاقتصادية لا تظهر دائماً من المكان الذي تظهر فيه الأرباح فالكتاب يستند إلى جانب أساسي من مشروع Mazzucato الفكري الذي يركز على كيفية صناعة القيمة ومن يشارك في صناعتها وكيف يتم توزيع نتائجها وتصبح هذه الأسئلة ضرورية عندما نتحدث عن قطاعات تعتمد على استثمارات عامة أو بنية تحتية أو معرفة تراكمية ساهمت فيها مؤسسات ومجتمعات بأكملها.

الدولة ليست مجرد طوارئ

الدولة تظهر في الكتاب بوصفها طرفاً يمكن أن يشارك في تشكيل اتجاه الاقتصاد وليس مجرد مؤسسة تنتظر فشل السوق حتى تتدخل وهذا الطرح امتداد لأفكار Mazzucato السابقة حول الدولة الريادية والسياسات القائمة على المهام حيث يصبح السؤال الأساسي هو نوع الاقتصاد الذي تريد المؤسسات بناءه وليس فقط كيفية إصلاح مشكلة ظهرت بالفعل.

المناخ كاختبار اقتصادي

المناخ يمثل أحد الأمثلة الكبرى على الفكرة لأن أزمة المناخ تحتاج إلى استثمارات طويلة المدى وتعاون بين قطاعات متعددة ولا يمكن اختزالها في قرار استهلاكي فردي أو تدخل حكومي منفرد والكتاب يضع تغير المناخ ضمن مجموعة من التحديات التي تكشف حدود النماذج الاقتصادية التي تتعامل مع الأزمات بصورة منفصلة بدلاً من بناء أهداف مشتركة حولها.

أزمة المياه

المياه تقدم نموذجاً آخر للعلاقة بين الاقتصاد والمصلحة المشتركة لأن إدارة المياه تتعلق بمورد لا يمكن التعامل معه كسلعة عادية فقط فالقرارات المتعلقة بالمياه ترتبط بالمجتمعات والصحة والزراعة والبيئة والبنية التحتية ويستخدم الكتاب حوكمة المياه باعتبارها أحد الأمثلة العملية على كيفية تطبيق فكرة الخير المشترك في إدارة الموارد.

الصحة ليست سوقاً فقط

الصحة تكشف أيضاً أهمية الطريقة التي نحدد بها أهداف الاقتصاد لأن الأزمات الصحية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمات اجتماعية واقتصادية واسعة ويطرح الكتاب الحاجة إلى النظر إلى الصحة باعتبارها جزءاً من بناء قدرة المجتمع على العمل والازدهار وليس مجرد قطاع اقتصادي تحكمه آليات العرض والطلب وحدها.

الاستثمار العام وصناعة المستقبل

الاستثمار يمثل في رؤية الكتاب أكثر من عملية تمويل لمشروع قائم لأنه يمكن أن يكون وسيلة لتوجيه الاقتصاد نحو أهداف طويلة المدى وهنا تبرز أهمية تحديد الغاية من الاستثمار منذ البداية وربط التمويل بالنتائج الاجتماعية والبيئية والاقتصادية التي يريد المجتمع تحقيقها بدلاً من قياس النجاح من خلال العائد المالي وحده.

المشتريات الحكومية كأداة للتغيير

المشتريات العامة تبدو في ظاهرها إجراءً إدارياً يتعلق بشراء السلع والخدمات لكنها تتحول داخل الكتاب إلى أداة يمكن من خلالها التأثير في طبيعة الاقتصاد لأن الأموال العامة عندما توجه إلى شركات ومشروعات يمكن أن تساعد في تحديد نوع المنتجات والخدمات التي تتوسع ونوع المعايير التي تصبح أكثر أهمية في السوق وتظهر هنا فكرة استخدام الأدوات الحكومية لصناعة اتجاهات اقتصادية طويلة المدى.

التمويل وعلاقته بالغاية

التمويل لا يصبح محايداً تماماً عندما يتعلق الأمر بأهداف المجتمع لأن اختيار المشاريع التي تحصل على التمويل يحدد بصورة غير مباشرة نوع الاقتصاد الذي ينمو ولذلك يناقش الكتاب الحاجة إلى إعادة التفكير في المؤسسات المالية والعلاقات التي تربط رأس المال بالاستثمار والإنتاج بحيث يصبح التمويل جزءاً من عملية بناء المستقبل وليس مجرد وسيلة لتعظيم العائد قصير المدى.

المشاركة قبل النتيجة

المشاركة تمثل أحد العناصر المهمة في مفهوم الخير المشترك لأن الكتاب لا يركز فقط على النتيجة النهائية التي يحصل عليها المجتمع وإنما يهتم أيضاً بالطريقة التي يتم بها الوصول إليها فالمشاركة الجماعية والتعاون والتبادلية تصبح عناصر أساسية في تحديد ما إذا كان الهدف الاقتصادي يعبر فعلاً عن مصلحة مشتركة أم يمثل منفعة طرف واحد فقط.

التبادلية بدلاً من الاستخراج

التبادلية تظهر في الكتاب بوصفها مبدأ يمكن أن يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية فبدلاً من تصور الاقتصاد باعتباره عملية يقوم فيها طرف باستخراج القيمة من طرف آخر يصبح التركيز على العلاقات التي تسمح للأطراف المختلفة بالمساهمة والاستفادة وبناء القيمة معاً وهذا التغيير في طريقة النظر إلى العلاقة الاقتصادية يمثل أحد أهم الأسس التي تقترحها Mazzucato لمفهومها عن الاقتصاد القائم على الخير المشترك.

الفرد والمجتمع

الفرد لا يختفي داخل التصور الجماعي الذي يقدمه الكتاب لأن الفكرة الأساسية ليست إلغاء المنفعة الفردية وإنما وضعها داخل إطار أوسع يعترف بأن حياة الفرد تعتمد على مؤسسات وموارد وعلاقات اجتماعية مشتركة ولذلك يصبح تحقيق الازدهار الفردي مرتبطاً بقدرة المجتمع على بناء بيئة تسمح للناس بالمشاركة والإنتاج والاستفادة من الموارد بصورة مستدامة.

من إصلاح الأخطاء إلى صناعة المستقبل

الإصلاح التقليدي يبدأ غالباً بعد ظهور المشكلة أما المنهج الذي يناقشه الكتاب فيبدأ من سؤال مختلف وهو كيف نصمم المؤسسات والأسواق والسياسات بطريقة تقلل احتمال إنتاج المشكلة من الأساس وهذه النقلة من معالجة الفشل إلى بناء المستقبل تمثل جوهر ما تسميه Mazzucato بوصلة الخير المشترك.

المجتمع الذي يصنع القيمة

المجتمع يظهر هنا باعتباره شريكاً في العملية الاقتصادية وليس مجرد مستهلك نهائي فالمدارس والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية والمعرفة العامة والمؤسسات المختلفة تساهم في تكوين البيئة التي تستطيع الشركات والأفراد داخلها إنتاج القيمة وتصبح هذه الرؤية مدخلاً لإعادة التفكير في العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع.

الاقتصاد أمام سؤال أخلاقي

الأخلاق الاقتصادية لا تعني في الكتاب التخلي عن الحسابات والأرقام وإنما تعني توسيع السؤال الذي نطرحه على الاقتصاد فبدلاً من الاكتفاء بسؤال كم ننتج وكم نربح يصبح هناك سؤال إضافي يتعلق بما الذي ننتجه ولماذا ننتجه ومن يستفيد منه وكيف نضمن استمرار القدرة على إنتاجه وتصبح هذه الأسئلة جزءاً من تعريف النجاح الاقتصادي نفسه.

بوصلة لا وصفة جاهزة

البوصلة التي يقدمها الكتاب ليست وصفة واحدة يمكن تطبيقها بالطريقة نفسها في كل بلد لأن الاقتصادات تختلف في مؤسساتها ومواردها واحتياجاتها لكن الفكرة الأساسية تتمثل في وجود اتجاه واضح يربط السياسات الاقتصادية بأهداف مشتركة ويجعل طريقة تحقيق هذه الأهداف جزءاً من تقييم النتائج وليس مجرد تفصيل ثانوي.

الاقتصاد الذي يخدم الإنسان

الإنسان يعود في نهاية التصور إلى مركز الاقتصاد لأن الهدف المعلن للكتاب هو إعادة توجيه الاقتصاد نحو نظام يخدم الناس والكوكب وتوضح بيانات الناشر أن الكتاب يسعى إلى إعادة تصور الاقتصاد بطريقة تضع الخير المشترك في المركز مع الاستفادة من أمثلة واقعية تتعلق بالمياه والتمويل والمشتريات وبناء المجتمع.

السؤال الذي يبقى بعد القراءة

السؤال الأهم الذي يتركه The Common Good Economy لا يتعلق بإمكانية تغيير الاقتصاد فقط وإنما بالطريقة التي نحدد بها أصلاً معنى الاقتصاد الجيد فالكتاب يدفع القارئ إلى النظر إلى الأسواق والاستثمارات والسياسات والمؤسسات باعتبارها أدوات يمكن أن تخدم أهدافاً مختلفة وأن الاختيار بين هذه الأهداف ليس مسألة تقنية خالصة بل يرتبط بما يعتبره المجتمع قيمة وما يريد أن يبنيه للأجيال القادمة وتقدم Mazzucato من خلال مفهوم بوصلة الخير المشترك تصوراً يجعل المشاركة والتبادلية وصناعة القيمة الجماعية عناصر أساسية في التفكير الاقتصادي الجديد.

حقوق النشر

حقوق النشر محفوظة للمؤلفة Mariana Mazzucato وللناشرين أصحاب الحقوق وفق بيانات الطبعات المنشورة عام 2026 ولا يجوز إعادة نشر النص الأصلي للكتاب أو نسخه دون إذن أصحاب الحقوق.

بطاقة تعريفية مختصرة

العنوان: The Common Good Economy

العنوان الفرعي: A New Compas

المؤلف: Mariana Mazzucato

دار النشر: Allen Lane

بلد النشر: المملكة المتحدة

الطبعة: Hardback

سنة النشر: 2026

تاريخ النشر: يوليو 2026

عدد الصفحات: 352 صفحة

ISBN: 9780241722244

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *