قراءة في كتاب The Mountain Is You.. تحويل التخريب الذاتي إلى بناء للذات

 

أحيانًا لا يكون أصعب شيء في حياة الإنسان هو الطريق الذي أمامه وإنما الشيء الذي يحمله داخله وهو يسير في هذا الطريق فقد يعرف الإنسان ما يريد بوضوح وقد يمتلك القدرة والوقت والفرص لكنه يجد نفسه يؤجل ويتردد ويعود إلى العادات نفسها ويختار ما يعرف أنه لا يخدمه ثم يتساءل لماذا لا تتغير حياته وهنا يبدأ كتاب The Mountain Is You للكاتبة بريانا ويست من فكرة قاسية لكنها شديدة الأهمية وهي أن العقبة التي تمنع الإنسان من الوصول إلى بعض أهدافه قد لا تكون دائمًا الظروف أو الأشخاص أو نقص الإمكانيات وإنما أنماط داخلية تعلم الإنسان استخدامها حتى أصبحت تعمل ضده دون أن يشعر

الكتاب يتناول ما تسميه الكاتبة التخريب الذاتي وهو ليس بالضرورة رغبة واعية في تدمير النجاح وإنما مجموعة من السلوكيات والأفكار وردود الأفعال التي تمنح الإنسان راحة مؤقتة لكنها تمنعه على المدى الطويل من الوصول إلى ما يريده فقد يؤجل الإنسان مهمة لأنه يشعر بالقلق منها وقد ينسحب من فرصة لأنه يخاف من الفشل وقد يبالغ في التفكير لأنه يريد ضمان النتيجة قبل أن يبدأ وقد يختار البقاء في وضع غير مريح لأنه يعرفه بدل أن يدخل في وضع جديد لا يعرفه وفي كل هذه الحالات يبدو السلوك منطقيًا للحظة لكنه يصبح عقبة عندما يتكرر

ومن أهم أفكار الكتاب أن الإنسان لا يتصرف دائمًا وفق ما يريده وإنما وفق ما اعتاد عليه فالعادة أقوى أحيانًا من الرغبة الواعية لأن العقل يبحث عن المألوف حتى لو لم يكن المألوف مفيدًا ولذلك يمكن للإنسان أن يقول إنه يريد النجاح ثم يتصرف بطريقة تحميه من احتمال الفشل ويمكن أن يقول إنه يريد التغيير ثم يستمر في كل السلوكيات التي تبقي حياته كما هي وهنا لا يكون التناقض دليلًا على ضعف الشخصية بقدر ما يكون إشارة إلى وجود احتياجات أو مخاوف داخلية لم يتم فهمها بعد

وتحاول بريانا ويست أن تجعل القارئ ينظر إلى السلوك بدل أن يحكم على نفسه من خلاله فالإنسان الذي يماطل مثلًا قد لا يكون كسولًا بالضرورة وربما يكون خائفًا من النتيجة أو من تقييم الآخرين أو من اكتشاف أنه ليس بالمستوى الذي يتصوره عن نفسه والإنسان الذي ينسحب من الفرص قد لا يكون غير طموح وإنما ربما يحاول حماية نفسه من الرفض ولذلك فإن تغيير السلوك يبدأ في كثير من الأحيان بفهم الوظيفة التي كان يؤديها هذا السلوك في حياة الإنسان

وهنا تأتي فكرة مهمة جدًا وهي أن كثيرًا من السلوكيات المؤذية تبدأ باعتبارها وسائل للحماية فالإنسان قد يتعلم منذ وقت مبكر أن تجنب المواجهة يحميه من الصراع وأن الصمت يحميه من الرفض وأن تأجيل القرار يحميه من تحمل المسؤولية وأن العمل المستمر يحميه من مواجهة مشاعر لا يريد التفكير فيها ومع الوقت تتحول وسيلة الحماية إلى قيد دائم ولذلك فإن التخلص من السلوك لا يحتاج فقط إلى إرادة قوية وإنما إلى بناء طريقة جديدة للحصول على الأمان دون الاستمرار في السلوك القديم

ويشرح الكتاب أن الإنسان قد يصبح مرتبطًا بهويته القديمة حتى عندما يريد تغييرها فقد يقول لنفسه أنا شخص متردد أو أنا لا أستطيع الاستمرار أو أنا دائمًا أخاف من المخاطرة أو أنا لا أعرف ماذا أريد وهذه الجمل تتحول مع الوقت إلى حدود داخلية يتعامل معها الإنسان كأنها حقائق ثابتة بينما هي في كثير من الأحيان وصف لسلوك تكرر لفترة طويلة ولذلك فإن تغيير الحياة يحتاج إلى تغيير الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه وليس فقط تغيير قائمة المهام التي يقوم بها

لكن الكتاب لا يدعو الإنسان إلى خداع نفسه بالتفكير الإيجابي وإنما إلى بناء علاقة أكثر واقعية مع نفسه فالإنسان يحتاج إلى الاعتراف بما يخاف منه وما يريده وما يفعله عندما يشعر بالضغط ثم يبدأ في بناء استجابات جديدة ومع الوقت تصبح الاستجابة الجديدة عادة مثلما كانت الاستجابة القديمة عادة

ومن الأفكار المهمة في الكتاب أن الإنسان قد يعتاد مستوى معينًا من الألم أو الفوضى حتى يصبح الاستقرار نفسه غريبًا بالنسبة إليه فقد يعرف الإنسان كيف يتعامل مع الأزمة لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع الهدوء وقد يشعر بالقلق عندما تبدأ الأمور في التحسن لأنه اعتاد أن يكون في حالة استعداد دائم ولذلك قد يعيد بصورة غير واعية خلق المشكلات التي تمنحه الشعور المألوف حتى لو كان هذا الشعور متعبًا وهنا يصبح التغيير صعبًا لأن الإنسان لا يترك عادة فقط وإنما يترك حالة نفسية اعتاد عليها

وتربط الكاتبة بين التغيير وبين القدرة على تحمل المشاعر غير المريحة فالإنسان الذي يريد بناء حياة مختلفة يحتاج إلى أن يتعلم البقاء في لحظة القلق دون الهروب الفوري منها وأن يتحمل الملل دون العودة إلى التشتيت وأن يتحمل احتمال الرفض دون التخلي عن هدفه وأن يتحمل عدم اليقين دون محاولة السيطرة على كل شيء فالنضج لا يعني اختفاء المشاعر الصعبة وإنما زيادة القدرة على التعامل معها دون أن تتحول إلى قرارات تلقائية

وهنا يصبح الانضباط أكثر أهمية من الحماس فالإنسان قد يشعر بالحماس في بداية أي تغيير لكن الحماس لا يستمر بنفس القوة ولذلك فإن بناء السلوك الجديد يحتاج إلى خطوات صغيرة متكررة وإلى بيئة تساعد على الاستمرار وإلى تقليل الاحتكاك الذي يجعل العودة إلى العادة القديمة سهلة فالإنسان لا يغير حياته بقرار واحد وإنما من خلال عدد كبير من القرارات الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح جزءًا من هويته الجديدة

ويتحدث الكتاب أيضًا عن فكرة التخلي عن النسخة القديمة من الذات وهي من أصعب مراحل التغيير لأن بعض الناس يريدون حياة مختلفة لكنهم يريدون في الوقت نفسه الاحتفاظ بكل العادات القديمة التي صنعت حياتهم السابقة وهذا غير ممكن فكل نتيجة جديدة تحتاج إلى سلوك جديد وإذا أراد الإنسان أن يصبح أكثر انضباطًا فعليه أن يتوقف عن إعطاء كل رغبة لحظية حقها في التحكم فيه وإذا أراد أن يصبح أكثر شجاعة فعليه أن يقبل أن الخوف سيظل موجودًا لكنه لن يكون صاحب القرار

وفي هذه النقطة يصبح عنوان الكتاب واضحًا فالجبل ليس دائمًا شيئًا خارجيًا يقف أمام الإنسان وإنما قد يكون مجموع المخاوف والعادات والذكريات والتفسيرات والسلوكيات التي تراكمت داخله حتى أصبحت تبدو أكبر من قدرته على التغيير لكن الجبل نفسه يتكون من خطوات صغيرة متراكمة ولذلك فإن صعوده يحدث بالطريقة نفسها خطوة بعد خطوة وليس من خلال قفزة واحدة

والفكرة هنا لا تعني أن كل مشكلة في حياة الإنسان سببها نفسه أو أن الظروف الخارجية غير مهمة فهناك ظروف حقيقية قد تكون صعبة وقد تكون غير عادلة وقد تكون خارج قدرة الفرد على التحكم فيها لكن الكتاب يركز على المساحة التي يستطيع الإنسان العمل فيها وهي استجابته واختياراته وحدوده وعاداته وطريقة تعامله مع الفرص والخوف والفشل

وهذا يجعل الكتاب متصلًا بصورة واضحة بالكتب التي قرأناها في هذه السلسلة فبعد أن تحدثنا عن العمل العميق تحدثنا عن المهارات ثم المال ثم التفكير ثم النجاح والمثابرة ثم المعنى والجوهرية والعادات يأتي هذا الكتاب ليطرح سؤالًا داخليًا ماذا لو كنت أعرف ما يجب أن أفعله لكنني أستمر في الوقوف أمام نفسي وهنا تصبح المعرفة وحدها غير كافية لأن الإنسان يحتاج إلى تحويل ما يعرفه إلى سلوك ثم تحويل السلوك إلى نمط حياة

وفي النهاية يترك الكتاب القارئ أمام فكرة إنسانية مهمة وهي أن التغيير لا يعني أن يصبح الإنسان شخصًا آخر تمامًا وإنما أن يتوقف عن السماح للنسخة القديمة منه بإدارة مستقبله فالخوف قد يبقى موجودًا والتردد قد يعود والقلق قد يظهر لكن الفرق الحقيقي هو أن الإنسان يصبح قادرًا على رؤية هذه المشاعر دون أن يمنحها حق اتخاذ القرار بدلًا منه وعندما يحدث ذلك يبدأ الجبل في الانخفاض لأن ما كان يبدو مستحيلًا يصبح سلسلة من الخطوات التي يمكن التعامل معها واحدة بعد الأخرى

خلاصة الكتاب في 10 نقاط

1 التخريب الذاتي قد يكون نتيجة لمحاولات قديمة لحماية الإنسان من الخوف أو الرفض أو الفشل

2 السلوك المتكرر يمكن أن يصبح أقوى من الرغبة الواعية في التغيير

3 فهم سبب السلوك يساعد على تغييره بصورة أكثر استدامة

4 الإنسان يحتاج إلى التوقف عن تعريف نفسه من خلال عاداته القديمة

5 الراحة المؤقتة التي تمنحها بعض السلوكيات قد تكون سببًا في استمرار المشكلة

6 التغيير يحتاج إلى القدرة على تحمل المشاعر غير المريحة بدل الهروب منها

7 الانضباط والعادات المتكررة أكثر استقرارًا من الاعتماد على الحماس

8 بناء هوية جديدة يحتاج إلى سلوك جديد يتكرر حتى يصبح طبيعيًا

9 الظروف الخارجية مهمة لكن الإنسان يستطيع العمل على استجابته وحدوده واختياراته

10 أكبر تغيير يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الوقوف في طريق نفسه

الكلمة الأخيرة

The Mountain Is You كتاب عن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الطريق لم يكن دائمًا مغلقًا أمامه وإنما كان يحمل معه أحيانًا العادات التي تمنعه من السير وهو كتاب لا يطلب من القارئ أن ينكر خوفه أو يتظاهر بالقوة وإنما أن يفهم نفسه بصورة أعمق وأن يعرف لماذا يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها ثم يبدأ في بناء استجابات جديدة ومع الوقت يصبح التغيير أقل شبهًا بمعركة مع النفس وأكثر شبهًا بعملية إعادة بناء هادئة ومتدرجة

بطاقة بيانات الكتاب

اسم الكتاب The Mountain Is You

العنوان الكامل The Mountain Is You Transforming Self Sabotage into Self Mastery

المؤلفة Brianna Wiest

الناشر Thought Catalog Books

مكان النشر الولايات المتحدة

تاريخ النشر 2020

الطبعة الطبعة الأولى

عدد الصفحات 290 صفحة

ISBN 9781945796067

المجال تطوير الذات وعلم النفس والسلوك والتغيير الشخصي

موضوع الكتاب فهم التخريب الذاتي والعادات والمخاوف الداخلية التي تمنع الإنسان من التغيير وبناء استجابات وسلوكيات جديدة

الرسالة الأساسية في الكتاب أن الإنسان يستطيع أن يتغير عندما يفهم دوافع سلوكه القديم ويت

علم تحمل المشاعر غير المريحة ويبني عادات وهوية جديدة بدل الاستمرار في الأنماط التي تعيقه

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *