كيف يبني الإنسان نفسه قبل أن يحاول تغيير العالم من حوله
هناك فرق كبير بين أن يعرف الإنسان ما الذي يريد الوصول إليه وبين أن يمتلك الطريقة التي تجعله قادرًا على الوصول إليه ولهذا فإن بعض الناس يملكون أهدافًا واضحة وأحلامًا كبيرة لكنهم يظلون عالقين في دائرة التأجيل والتشتت وردود الأفعال بينما يستطيع آخرون تحويل أهدافهم إلى طريقة حياة يومية تجعل التقدم نتيجة طبيعية لعاداتهم وهذا هو المدخل الأساسي لكتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية لستيفن كوفي فالكتاب لا يقدم مجموعة من الحيل السريعة لزيادة الإنتاجية وإنما يحاول بناء الإنسان من الداخل قبل أن يتحدث عن تنظيم وقته أو علاقاته أو عمله لأن الفعالية في رؤية كوفي ليست أن تفعل أشياء كثيرة وإنما أن تفعل الأشياء الصحيحة بطريقة تنسجم مع القيم التي تؤمن بها
يبدأ كوفي بفكرة التحول من الاعتماد إلى الاستقلال ثم من الاستقلال إلى الاعتماد المتبادل فالإنسان في بداية حياته يعتمد على الآخرين في أشياء كثيرة ثم يحتاج مع الوقت إلى بناء قدرته على إدارة نفسه واتخاذ قراراته وتحمل مسؤولية اختياراته وبعد ذلك يصل إلى مرحلة أكثر نضجًا يصبح فيها قادرًا على التعاون مع الآخرين دون أن يفقد استقلاله وهنا تختلف الفعالية عن الفردية لأن الإنسان القوي ليس فقط من يستطيع أن يعمل بمفرده وإنما من يستطيع أيضًا أن يبني علاقات وشراكات تجعل الجميع أكثر قدرة على تحقيق أهدافهم
العادة الأولى هي كن مبادرًا وهي ربما واحدة من أكثر أفكار الكتاب أهمية لأنها تتعلق بالطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه أمام الظروف فالشخص المبادر لا يعني أنه يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله وإنما يعرف أن هناك فرقًا بين الحدث وبين الطريقة التي يستجيب بها له ولذلك بدل أن يجعل الظروف أو الناس أو الماضي مسؤولين بالكامل عن مستقبله يحاول أن يحدد ما الذي يستطيع فعله الآن وهذه الفكرة لا تلغي تأثير الظروف وإنما تعيد للإنسان مساحة من المسؤولية داخلها
وهنا يميز كوفي بين دائرة الاهتمام ودائرة التأثير فالإنسان يمكن أن يهدر طاقته في أشياء يهتم بها لكنه لا يستطيع التحكم فيها مثل آراء الآخرين أو أحداث الماضي أو كل ما يحدث في العالم وفي المقابل توجد أشياء يستطيع التأثير فيها مثل طريقة عمله وتعلمه وعلاقاته وقراراته اليومية وكلما ركز الإنسان على دائرة تأثيره زادت قدرته على توسيعها أما إذا قضى معظم وقته في الشكوى من الأشياء التي لا يستطيع تغييرها فسوف تستهلكه دون أن ينتج عنها تقدم حقيقي
العادة الثانية هي ابدأ والنهاية في ذهنك وهي دعوة إلى أن يحدد الإنسان الصورة التي يريد أن تكون عليها حياته قبل أن ينشغل بالتفاصيل اليومية فالكثير من الناس يعملون طوال الوقت دون أن يسألوا أنفسهم إلى أين يقودهم هذا العمل وقد يصلون إلى أهدافهم ثم يكتشفون أنهم لم يكونوا يريدونها أصلًا ولذلك يطلب كوفي من القارئ أن يحدد مبادئه وقيمه وما الذي يريد أن يمثله في حياته ثم يستخدم هذه الصورة كمرجع للقرارات اليومية
وهنا تظهر فكرة مهمة جدًا وهي أن النجاح المهني وحده لا يكفي إذا كان على حساب أشياء يعتبرها الإنسان أساسية في حياته فقد يستطيع الإنسان أن يحصل على منصب أو دخل أو شهرة لكنه يخسر علاقته بأسرته أو صحته أو وقته أو احترامه لنفسه وعندما تكون النهاية واضحة يصبح من الأسهل أن يعرف الإنسان ما الذي يجب أن يقبله وما الذي يجب أن يرفضه ولذلك فإن تحديد القيم ليس تمرينًا فلسفيًا بعيدًا عن الحياة وإنما وسيلة لاتخاذ قرارات عملية
العادة الثالثة هي ضع الأشياء الأولى أولًا وهي الجانب العملي من العادة السابقة فبعد أن يعرف الإنسان ما الذي يريده يحتاج إلى تنظيم وقته وأولوياته بناء على ذلك ويشرح كوفي أن إدارة الوقت ليست مجرد ملء الجدول بالمهام وإنما إعطاء الأولوية لما هو مهم حتى عندما لا يكون عاجلًا فهناك أعمال مهمة لكنها لا تصرخ طلبًا للاهتمام مثل التعلم وبناء العلاقات والتخطيط والصحة وتطوير المهارات بينما توجد أشياء عاجلة تستحوذ على الوقت لأنها تحتاج إلى استجابة فورية وقد ينتهي اليوم وقد أنجز الإنسان الكثير من الأمور العاجلة لكنه لم يتحرك خطوة واحدة نحو أهدافه الأساسية
وهذه الفكرة تتقاطع مع كتاب الجوهرية الذي قرأناه قبل هذا الكتاب لأن كليهما يسأل الإنسان بصورة مختلفة كيف يستخدم وقته لكن كوفي يضيف إليها سؤالًا يتعلق بالقيم والمسؤولية فالمطلوب ليس فقط تقليل المهام وإنما بناء ترتيب يجعل الوقت يخدم ما يراه الإنسان مهمًا بالفعل
بعد ذلك ينتقل الكتاب من الانتصار الشخصي إلى العلاقات مع الآخرين وهنا تبدأ العادات المرتبطة بالاعتماد المتبادل فالعادة الرابعة هي فكر بمنطق المكسب للجميع وهي لا تعني أن الإنسان يجب أن يتنازل دائمًا عن مصالحه حتى يرضي الآخرين وإنما تعني البحث عن حلول تحقق قيمة للطرفين بدل النظر إلى كل علاقة باعتبارها معركة يجب أن يفوز فيها طرف ويخسر الطرف الآخر وهذا التفكير يحتاج إلى الثقة والقدرة على التفاوض والاستعداد لرؤية احتياجات الآخرين دون التخلي عن المصالح المشروعة
وفي بيئة العمل تصبح هذه الفكرة شديدة الأهمية لأن النجاح المهني لا يعتمد فقط على قدرة الإنسان الفردية وإنما على قدرته على العمل مع الآخرين فالعلاقة بين الصحفي والمصدر وبين الصحفي ورئيس القسم وبين الزملاء وبين المؤسسات المختلفة يمكن أن تصبح أكثر استقرارًا عندما تقوم على الثقة والاحترام المتبادل بدل التعامل مع كل موقف بمنطق المكسب الشخصي السريع
العادة الخامسة هي اسع أولًا إلى أن تفهم ثم إلى أن تكون مفهومًا وهي من أكثر العادات ارتباطًا بالتواصل لأن الإنسان غالبًا يستمع إلى الآخرين وهو يفكر في الرد الذي سيقوله بدل أن يحاول فهم ما يقولونه فعلًا ولذلك قد يسمع الكلمات لكنه لا يفهم الدافع أو الخوف أو الاحتياج الموجود خلفها والاستماع الحقيقي لا يعني الموافقة على كل ما يقوله الآخر وإنما يعني أن تفهم موقفه قبل أن تبدأ في محاولة إقناعه بموقفك
وهذه الفكرة مهمة جدًا في الصحافة والإعلام لأن المقابلة الجيدة لا تبدأ فقط بالسؤال الذي يريد الصحفي أن يسأله وإنما تبدأ بفهم الشخص الذي أمامه وفهم السياق الذي يتحدث منه وعندما يشعر الطرف الآخر بأن الصحفي يستمع فعلًا يصبح الحوار أكثر عمقًا وتظهر معلومات وأسئلة لم تكن لتظهر في حوار قائم على انتظار الإجابة فقط من أجل الانتقال إلى السؤال التالي
العادة السادسة هي التآزر وهي الفكرة التي يرى من خلالها كوفي أن الاختلاف بين الناس يمكن أن يتحول من مشكلة إلى مصدر قوة عندما يتم التعامل معه بصورة صحيحة فالتآزر يعني أن النتيجة التي يصل إليها الطرفان معًا يمكن أن تكون أفضل من النتيجة التي كان سيصل إليها كل طرف بمفرده وهذا لا يحدث عندما يحاول أحدهما إلغاء الآخر وإنما عندما يتم احترام الاختلاف واستخدامه لتوسيع مساحة الحلول
أما العادة السابعة فهي اشحذ المنشار وهي تتعلق بتجديد الإنسان لنفسه لأن الشخص الذي يعمل باستمرار دون أن يعيد بناء طاقته وقدراته قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها العمل نفسه أقل جودة مهما كان مخلصًا ولذلك يقسم كوفي التجديد إلى جوانب متعددة تشمل الجسد والعقل والعلاقات والجانب الداخلي للإنسان فالنوم والحركة والتعلم والقراءة والتأمل والعلاقات الصحية ليست أشياء منفصلة عن النجاح وإنما جزء من القدرة على الاستمرار
وهنا يظهر جانب مهم من فلسفة الكتاب وهو أن الفعالية ليست سباقًا قصيرًا فالإنسان لا يحتاج فقط إلى أن ينجح اليوم وإنما إلى أن يظل قادرًا على النجاح بعد سنوات ولذلك فإن إهمال نفسه من أجل تحقيق هدف واحد قد يجعل النجاح مؤقتًا لأن الطاقة والمهارة والعلاقات كلها تحتاج إلى صيانة مستمرة
ويجمع كوفي العادات السبع في مسار متدرج يبدأ من الداخل ثم ينتقل إلى العلاقات ثم يعود إلى التجديد المستمر فالمبادرة تعني تحمل المسؤولية والنهاية الواضحة تعني معرفة الاتجاه وترتيب الأولويات يعني تحويل الاتجاه إلى أفعال ثم تأتي العلاقات والتعاون والاستماع والتجديد ليصبح الإنسان أكثر قدرة على بناء حياة متوازنة وليس مجرد آلة لإنجاز المهام
وفي النهاية يقدم الكتاب فكرة أساسية وهي أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من محاولة السيطرة على العالم الخارجي وإنما من إعادة ترتيب الإنسان لعلاقته بنفسه وبوقته وباختياراته وبالآخرين فكل عادة من العادات السبع ليست مجرد تقنية منفصلة وإنما جزء من طريقة تفكير تجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يستطيع التحكم فيه وأكثر وضوحًا في أهدافه وأكثر قدرة على التعاون وأكثر اهتمامًا بالحفاظ على نفسه أثناء الطريق
خلاصة الكتاب في 10 نقاط
1 الفعالية تبدأ من تحمل الإنسان مسؤولية اختياراته بدل انتظار تغير الظروف
2 التركيز على دائرة التأثير يساعد الإنسان على استخدام طاقته في الأشياء التي يستطيع تغييرها
3 معرفة النهاية التي يريد الإنسان الوصول إليها تساعده على اتخاذ قرارات أكثر وضوحًا
4 ترتيب الأولويات يعني إعطاء الأشياء المهمة وقتًا حتى عندما لا تكون عاجلة
5 التفكير بمنطق المكسب للجميع يساعد على بناء علاقات أكثر استقرارًا وتعاونًا
6 فهم الآخرين قبل محاولة إقناعهم يجعل التواصل أكثر عمقًا وفاعلية
7 الاختلاف بين الناس يمكن أن يصبح مصدرًا لحلول أفضل عندما يتم التعامل معه بصورة صحيحة
8 الإنسان يحتاج إلى تجديد جسده وعقله وعلاقاته حتى يستطيع الاستمرار على المدى الطويل
9 النجاح الحقيقي لا يعتمد على الإنتاج فقط وإنما على التوازن بين الإنجاز وبناء القدرة على الاستمرار
10 بناء العادات يبدأ من تغيير طريقة التفكير ثم تحويل المبادئ إلى سلوك يومي متكرر
الكلمة الأخيرة
العادات السبع للناس الأكثر فعالية ليس كتابًا عن تنظيم اليوم فقط وإنما كتاب عن بناء شخصية تعرف ماذا تريد ولماذا تريده وكيف تتحرك نحوه دون أن تفقد نفسها في الطريق وربما تكون أهم فكرته أن الإنسان لا يستطيع أن يتحكم في كل شيء لكنه يستطيع أن يبدأ بنفسه وأن يحدد أولوياته وأن يتعلم الاستماع وأن يبني علاقات أكثر نضجًا وأن يحافظ على قدرته على الاستمرار وعندما تتحول هذه المبادئ إلى عادات يومية يصبح النجاح أقل اعتمادًا على الحماس المؤقت وأكثر ارتباطًا بطريقة حياة كاملة
بطاقة بيانات الكتاب
اسم الكتاب The 7 Habits of Highly Effective People
العنوان الكامل The 7 Habits of Highly Effective People Powerful Lessons in Personal Change
المؤلف Stephen R Covey
الناشر Free Press
مكان النشر New York
تاريخ النشر 15 أغسطس 1989
الطبعة الطبعة الأولى
عدد الصفحات 381 صفحة
ISBN 9780671708634
المجال تطوير الذات والإدارة والقيادة والعلاقات والإنتاجية
موضوع الكتاب بناء الفعالية الشخصية والمهنية من خلال مجموعة من العادات المرتبطة بالمسؤولية والأهداف والأولويات والتعاون والتواصل والتجديد
الرسالة الأساسية في الكتاب أن الفعالية الحقيقية تبدأ من تغيير الإنسان لطريقة تفكيره وسلوكه ثم تحويل المبادئ الصحيحة إلى عادا
ت مستمرة تساعده على إدارة نفسه وبناء علاقاته وتحقيق أهدافه مع الحفاظ على قدرته على الاستمرار







