قراءة في كتاب So Good They Can’t Ignore You

هناك نصيحة تبدو جميلة إلى درجة تجعل من الصعب مقاومتها وهي أن تبحث عن شغفك ثم تحوله إلى مهنة وأن الإنسان عندما يجد الشيء الذي يحبه حقًا سيعرف الطريق الذي يجب أن يسلكه لكن المشكلة أن هذه الفكرة تفترض أن الإنسان يعرف منذ البداية ما الذي يحبه وما الذي يريد أن يفعله طوال حياته بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير فالكثير من الناس لا يبدأون حياتهم وهم يعرفون مهنتهم المثالية ولا يكتشفون فجأة وظيفة تجعلهم يشعرون بأنهم وجدوا أنفسهم بل يبنون علاقتهم بالعمل تدريجيًا من خلال التعلم والممارسة واكتساب المهارة وتحقيق النتائج

من هذه النقطة يبدأ كال نيوبورت كتابه كن جيدًا إلى درجة لا يستطيعون تجاهلك ليعيد النظر في واحدة من أكثر الأفكار انتشارًا حول النجاح المهني وهي فكرة اتبع شغفك فالكاتب لا ينكر أهمية أن يشعر الإنسان بالحب تجاه ما يفعل لكنه يرى أن الشغف في كثير من الحالات ليس نقطة البداية وإنما نتيجة تأتي بعد أن يصبح الإنسان جيدًا في شيء له قيمة حقيقية فالإنسان عندما يتقن مهارة ويبدأ في رؤية أثرها ويكتسب ثقة الآخرين ويحصل على قدر أكبر من الاستقلالية يصبح أكثر ارتباطًا بعمله ولذلك فإن السؤال قد لا يكون ماذا أحب أن أفعل وإنما ماذا يمكنني أن أصبح ممتازًا فيه

وهنا يطرح الكتاب مفهوم رأس المال المهني وهو مجموعة المهارات والخبرات والمعرفة والقدرات التي تجعل الإنسان قادرًا على تقديم قيمة حقيقية في سوق العمل فكلما امتلك الإنسان مهارات نادرة ومطلوبة أصبح لديه رأس مال مهني أكبر وهذا الرأس المال هو الذي يمنحه القدرة على التفاوض والحصول على فرص أفضل وبناء مسار مهني أكثر استقلالًا فبدل أن ينتظر الإنسان وظيفة تمنحه كل ما يريد يبدأ هو أولًا في بناء شيء يجعله مطلوبًا

وهذه الفكرة تغير طريقة التفكير في السنوات الأولى من العمل لأن البدايات لا تكون دائمًا ممتعة ولا تمنح الإنسان شعورًا مباشرًا بأنه يعيش حلمه فقد تكون هناك فترة طويلة من التدريب والعمل المتكرر والتعلم من الأخطاء وتطوير الأدوات التي يحتاجها الإنسان حتى يصبح قادرًا على تقديم مستوى أعلى لكن الخطأ هو أن ينظر الإنسان إلى هذه المرحلة باعتبارها ضياعًا للوقت لمجرد أنها لا تمنحه المتعة الفورية فالخبرة التي يتم بناؤها في هذه المرحلة قد تصبح فيما بعد الأساس الذي يسمح له بالانتقال إلى مستوى مختلف تمامًا

ومن هنا يتحدث نيوبورت عن عقلية الحرفي وهي عقلية تنظر إلى العمل باعتباره مساحة لبناء المهارة بدل أن تنشغل باستمرار بما إذا كان العمل يحقق للإنسان ما يريده من الناحية العاطفية فالحرفي يسأل نفسه ماذا أستطيع أن أقدم وكيف يمكن أن أصبح أفضل وما الذي ينقصني حتى أصل إلى المستوى التالي بينما عقلية الشغف تظل مشغولة بسؤال هل أحب هذا العمل بما يكفي وهذه الأسئلة تبدو متشابهة لكنها تقود إلى مسارين مختلفين لأن الأولى تركز على ما يمكن للإنسان أن يبنيه والثانية تركز على ما ينتظر أن يحصل عليه

والتدريب المتعمد يصبح هنا عنصرًا أساسيًا فالخبرة وحدها لا تكفي لأن الإنسان يستطيع أن يعمل في المهنة نفسها عشر سنوات دون أن يصبح أفضل كثيرًا إذا كان يكرر الأسلوب نفسه دون مراجعة أو تعلم أو مواجهة لنقاط ضعفه أما التطور الحقيقي فيحتاج إلى البحث المستمر عن الأشياء التي لا يجيدها الإنسان ثم العمل عليها والحصول على ملاحظات واضحة واستخدامها في تحسين الأداء فالسنوات وحدها لا تصنع الخبير وإنما ما يحدث داخل هذه السنوات هو الذي يصنعه

وتزداد قيمة هذه الفكرة عندما نتحدث عن الصحافة والإعلام لأن العمل الصحفي يمكن أن يتحول بسهولة إلى تكرار يومي إذا أصبح الإنسان ينفذ المطلوب فقط دون أن يبني أدواته الخاصة فالصحفي الذي يتعلم الوصول إلى المصادر ويطور قدرته على إجراء المقابلات ويعرف كيف يصنع زاوية مختلفة ويكتب بصورة أفضل ويقرأ البيانات ويتحقق من المعلومات ويطور حضوره أمام الكاميرا لا يبني مجرد خبرة في الوظيفة وإنما يبني رأس مال مهنيًا ينتقل معه من مكان إلى آخر

وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار الكتاب وهي أن المهارة القوية تمنح الإنسان قوة تفاوضية لأن الشخص الذي يستطيع تقديم قيمة واضحة يصبح في وضع مختلف عن الشخص الذي ينتظر فقط أن تمنحه المؤسسة فرصة فكلما ارتفعت قيمة ما تستطيع تقديمه أصبحت لديك مساحة أكبر للتفاوض حول طبيعة العمل والدخل والمسؤوليات والاستقلالية ولذلك فإن بناء المهارة لا يرتبط فقط بتحسين الأداء وإنما يرتبط أيضًا بزيادة القدرة على التحكم في المسار المهني

لكن نيوبورت يحذر من مطاردة الاستقلالية قبل امتلاك الأدوات التي تجعلها ممكنة فالإنسان قد يريد الحرية في عمله ويريد أن يختار وقته ومكانه ومشروعاته لكن الاستقلالية لها ثمن وهو امتلاك شيء له قيمة يمكن تقديمه للآخرين فإذا لم تكن لديك مهارة قوية أو خبرة مميزة فقد تتحول الحرية إلى مجرد رغبة بلا قدرة حقيقية على تنفيذها ولهذا فإن الطريق إلى الاستقلالية يبدأ غالبًا ببناء القيمة وليس بالمطالبة بالحرية فقط

ومن الأفكار المهمة أيضًا أن بعض الفرص التي تبدو جذابة قد تكون فخًا إذا كانت تمنح الإنسان امتيازات شكلية دون أن تساعده على بناء مستقبله فقد يحصل شخص على منصب أعلى لكنه يكتشف أن العمل الجديد يستهلك وقته ولا يمنحه مهارة جديدة أو مساحة أكبر لصناعة شيء مهم ولذلك لا ينبغي النظر إلى التقدم المهني باعتباره سلمًا واحدًا يجب صعوده بأي ثمن وإنما باعتباره سلسلة من القرارات التي يجب أن تضيف إلى رأس المال المهني للإنسان

ثم يصل الكتاب إلى مفهوم الرسالة أو المهمة المهنية وهي الفكرة التي تجعل الإنسان يشعر بأن مهاراته يمكن أن تخدم شيئًا أكبر من مجرد أداء الوظيفة لكن الكاتب يضع ترتيبًا مهمًا لهذه العملية فالرسالة لا تكون دائمًا شيئًا يكتشفه الإنسان في داخله ثم يبدأ في البحث عن وسيلة لتحقيقه بل قد تظهر بعد أن يطور الإنسان مهارة حقيقية ويصل إلى مستوى يسمح له برؤية مشكلات وفرص لم يكن قادرًا على رؤيتها من قبل

وهذا يعني أن الإنسان لا يحتاج إلى امتلاك إجابة نهائية عن مستقبله منذ البداية فقد يكون من الطبيعي أن تتغير أهدافه مع تطور قدراته لأن الإنسان عندما يتعلم أكثر يرى العالم بصورة مختلفة وعندما يقترب من مجال معين يكتشف فرصًا لم يكن يعرف بوجودها ولذلك فإن محاولة اتخاذ القرار المهني النهائي في بداية الطريق قد تكون أقل فائدة من بناء مجموعة قوية من المهارات التي تمنح الإنسان خيارات أكثر في المستقبل

لكن الكتاب لا يدعو إلى العمل بلا نهاية أو التضحية بالحياة كلها من أجل المهارة فالهدف ليس أن يصبح الإنسان آلة إنتاج وإنما أن يبني قيمة حقيقية تسمح له لاحقًا بالحصول على قدر أكبر من الحرية والمعنى والسيطرة على وقته فالعمل الشاق في هذا التصور ليس الهدف النهائي وإنما مرحلة من مراحل بناء القدرة التي تسمح للإنسان بأن يعيش بصورة أفضل

وهنا تتضح العلاقة بين هذا الكتاب والكتاب السابق العمل العميق فكال نيوبورت في الكتابين ينظر إلى النجاح باعتباره نتيجة لتدريب القدرة وليس انتظار الظروف المناسبة ففي العمل العميق تحتاج إلى حماية انتباهك حتى تستطيع إنتاج شيء مهم وفي هذا الكتاب تحتاج إلى تطوير مهارة ذات قيمة حتى يصبح لديك شيء مهم تستطيع تقديمه للعالم وفي الحالتين لا يكون النجاح قائمًا على الحماس اللحظي وإنما على بناء قدرة حقيقية والاستمرار في استخدامها

والرسالة الأهم هنا أن المسار المهني لا يحتاج دائمًا إلى أن يبدأ بحب شديد للمهنة فقد يبدأ بفضول بسيط ثم يتحول إلى ممارسة ثم إلى مهارة ثم إلى إنجاز ثم إلى تقدير من الآخرين ثم إلى إحساس بالاستقلالية والمعنى وبعد سنوات قد ينظر الإنسان إلى الوراء ويكتشف أنه أصبح يحب شيئًا لم يكن يعرف أنه سيحبه في البداية

ولهذا فإن الإنسان الذي يشعر بالحيرة تجاه مستقبله ليس بالضرورة متأخرًا وليس مطلوبًا منه أن يجد إجابة سحرية عن سؤال ماذا أريد أن أفعل في حياتي فقد يكون السؤال الأكثر فائدة في هذه المرحلة هو ما المهارة التي أستطيع أن أبنيها الآن وما المشكلة التي أستطيع أن أصبح جيدًا في حلها وما الشيء الذي يمكنني أن أفعله بصورة أفضل بعد عام مما أفعله اليوم

وفي النهاية يضع الكتاب النجاح المهني في مكان مختلف تمامًا عن المكان الذي اعتدنا أن نراه فيه فالنجاح لا يبدأ دائمًا من العثور على وظيفة الأحلام وإنما قد يبدأ من قرار أكثر بساطة وهو أن تصبح جيدًا جدًا في شيء له قيمة وعندما تتراكم المهارة والخبرة والسمعة والثقة تبدأ الخيارات في الظهور ويصبح الإنسان قادرًا على صناعة مساره بدل انتظار أن يأتي المسار إليه

وربما لهذا يحمل الكتاب عنوانه القوي كن جيدًا إلى درجة لا يستطيعون تجاهلك لأن الفكرة ليست أن تطلب من العالم أن يمنحك فرصة وإنما أن تبني لنفسك قيمة تجعل تجاهلك أكثر صعوبة فالتميز هنا ليس مجرد لقب أو شهرة وإنما نتيجة تراكمية لمهارات يتم بناؤها بصبر وممارسة ووعي ومراجعة مستمرة

خلاصة الكتاب في 10 نقاط

1 الشغف ليس دائمًا نقطة البداية في بناء المسار المهني

2 المهارات القوية يمكن أن تكون أساسًا للشغف والرضا عن العمل

3 رأس المال المهني هو مجموعة المهارات والخبرات التي تجعل الإنسان قادرًا على تقديم قيمة حقيقية

4 الخبرة وحدها لا تكفي إذا لم يصاحبها تعلم وممارسة وتحسين مستمر

5 عقلية الحرفي تركز على ما يستطيع الإنسان تقديمه بدل التركيز فقط على ما يريد الحصول عليه

6 التدريب المتعمد يساعد الإنسان على الانتقال من مجرد ممارسة العمل إلى إتقان العمل

7 امتلاك مهارة نادرة ومطلوبة يزيد قدرة الإنسان على التفاوض وصناعة فرص أفضل

8 الاستقلالية تحتاج إلى قيمة حقيقية يستطيع الإنسان تقديمها للآخرين

9 الرسالة المهنية قد تظهر بعد بناء المهارة وليس بالضرورة قبل بداية الطريق

10 أفضل طريقة لصناعة مسار مهني قوي هي أن تصبح جيدًا جدًا في شيء له قيمة حقيقية

الكلمة الأخيرة

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يعرف منذ البداية أين سينتهي فقد يكون المطلوب في البداية أن يعرف فقط ما الذي يستطيع أن يتعلمه وما المهارة التي يمكن أن يطورها وما القيمة التي يستطيع أن يضيفها ومع مرور الوقت تتحول هذه الأشياء الصغيرة إلى خبرة وسمعة وثقة وفرص جديدة

فكرة الكتاب الأساسية تمنح معنى مختلفًا لفترات العمل التي تبدو عادية أو بطيئة لأن كل يوم يمكن أن يكون جزءًا من بناء رأس مال مهني لا يظهر أثره فورًا وقد لا يراه الإنسان وهو في منتصف الطريق لكن عندما تتراكم المهارات يبدأ الفرق في الظهور ويصبح ما كان يبدو مجهودًا عاديًا أصلًا لقيمة يصعب تجاهلها

وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو هل أحب عملي أم لا وإنما هل أصبحت أفضل فيه وهل أصبحت أمتلك شيئًا له قيمة وهل أستطيع أن أبني فوق ما تعلمته وإذا كانت الإجابة تتجه مع الوقت إلى نعم فإن الطريق نفسه قد يبدأ في صناعة الشغف الذي كنا نظنه شرطًا للبدء

بطاقة بيانات الكتاب

اسم الكتاب So Good They Can’t Ignore You

العنوان الكامل So Good They Can’t Ignore You Why Skills Trump Passion in the Quest for Work You Love

المؤلف Cal Newport

الناشر Grand Central Publishing

مكان النشر New York

تاريخ النشر 18 سبتمبر 2012

الطبعة الطبعة الأولى

عدد الصفحات 288 صفحة

ISBN 9781455509102

المجال تطوير الذات والمسار المهني والمهارات والعمل والنجاح

موضوع الكتاب بناء مسار مهني قوي من خلال تطوير المهارات واكتساب الخبرة وبناء قيمة حقيقية بدل الاعتماد على فكرة البحث عن الشغف فقط

الرسالة الأساسية في الكتاب أن الإنسان يستطيع أن يبني عملًا يحبه من خلال تطوير مهارات نادرة وذات

قيمة ثم استخدام هذه المهارات للحصول على قدر أكبر من الاستقلالية والمعنى والسيطرة على مساره المهني

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *