هناك فكرة تلاحق الإنسان منذ اللحظة التي يبدأ فيها التفكير في مستقبله وهي هل يجب أن يعرف طريقه مبكرًا في عالم يكرر علينا أن النجاح يحتاج إلى التخصص وأن الشخص الذي يبدأ قبل الآخرين ويتدرب أكثر منهم سيصل أولًا يصبح التردد عيبًا وتجربة مجالات مختلفة نوعًا من إضاعة الوقت وتغيير المسار اعترافًا متأخرًا بالفشل لكن ماذا لو كانت هذه الفكرة صحيحة فقط في بعض الحالات وماذا لو كان العالم الذي نعيش فيه اليوم لا يحتاج دائمًا إلى شخص يعرف كل شيء عن شيء واحد بقدر ما يحتاج إلى شخص يستطيع أن يرى العلاقة بين أشياء كثيرة من هذا السؤال يبدأ ديفيد إبستاين كتابه Range Why Generalists Triumph in a Specialized World وهو كتاب يحاول إعادة النظر في واحدة من أكثر الأفكار انتشارًا حول النجاح والتفوق وهي أن البداية المبكرة والتخصص الشديد هما الطريق الطبيعي إلى القمة
لا يقدم إبستاين دعوة إلى ترك التخصص أو إلى أن يتحول الإنسان إلى شخص يعرف القليل عن كل شيء ولا يتقن شيئًا وإنما يطرح تمييزًا أكثر دقة هناك مجالات تكون فيها البيئة واضحة وقواعدها مستقرة ويمكن للإنسان أن يتعلم من التكرار المباشر وهناك مجالات أخرى شديدة التعقيد والتغير لا يمكن فيها الاعتماد على الخبرة السابقة وحدها لأن المشكلة الجديدة قد لا تشبه أي مشكلة واجهها الإنسان من قبل في النوع الأول قد يكون التخصص المبكر مفيدًا جدًا أما في النوع الثاني فإن امتلاك خبرات متنوعة وقدرة على الانتقال بين الأفكار قد يصبح أكثر أهمية وهذه النقطة هي العمود الفقري للكتاب كله فليست القضية أن التخصص سيئ والتنوع جيد وإنما أن الطريقة التي نتعلم بها ونبني بها خبراتنا يجب أن تتناسب مع طبيعة العالم الذي نعمل داخله
يبدأ إبستاين من عالم الرياضة لأن الرياضة تمنحنا أمثلة واضحة على الفرق بين بيئة يمكن التنبؤ بها وبيئة يصعب التنبؤ بها ويستعيد المقارنة بين تايجر وودز وروجر فيدرر حيث يمثل كل منهما نموذجًا مختلفًا في تطور الموهبة ثم ينتقل من الرياضة إلى مجالات أكثر اتساعًا مثل العلوم والفنون والاختراع واتخاذ القرار ويؤكد أن الصورة الشائعة عن الأشخاص الأكثر نجاحًا باعتبارهم بدأوا في سن صغيرة جدًا وظلوا يتدربون على الشيء نفسه بلا توقف ليست قاعدة عامة كما نتصور فكثير من أصحاب الإنجازات الكبيرة مروا بفترات من التجربة والاستكشاف قبل الوصول إلى مجالهم الأساسي خصوصًا في المجالات المعقدة وغير المتوقعة
وهنا يصطدم الكتاب مباشرة بثقافة البداية المبكرة فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن الطفل الذي يعرف منذ سنواته الأولى أنه سيصبح لاعبًا أو موسيقيًا أو عالمًا يمتلك أفضلية ضخمة على غيره ولذلك أصبحت بعض الأسر والمؤسسات التعليمية تتعامل مع الطفولة وكأنها سباق يجب أن يبدأ قبل الآخرين لكن إبستاين يلفت النظر إلى أن الإنسان في مراحل عمره الأولى لا يعرف بالضرورة ما الذي يناسبه ولا يملك الخبرة الكافية التي تسمح له بالمقارنة بين الخيارات وبالتالي فإن إجباره على الاختيار المبكر قد يجعله متفوقًا في مهارة محددة لكنه قد يمنعه من اكتشاف أنه كان يستطيع تقديم أداء أفضل في مكان آخر
ومن هنا تظهر قيمة فترة الاستكشاف فقد يبدو الشخص الذي يجرب أكثر من مجال متأخرًا مقارنة بشخص بدأ مبكرًا لكنه في الحقيقة قد يكون في مرحلة بناء صورة أكثر دقة عن نفسه تجربة وظيفة ثم تركها ودراسة مجال ثم اكتشاف عدم ملاءمته وممارسة هواية ثم تحويلها إلى مهارة أو حتى العمل في بيئات مختلفة كلها تجارب تمنح الإنسان معلومات لا يستطيع الحصول عليها من التفكير النظري وحده فأنت لا تعرف دائمًا ما تحبه أو ما تتفوق فيه بمجرد أن تسأل نفسك وإنما تكتشف ذلك عندما تدخل العالم الحقيقي وتصطدم بالتجربة
وهذه واحدة من أكثر أفكار الكتاب أهمية وهي أن التجربة ليست عكس النجاح بل قد تكون أحد مكوناته فالشخص الذي يغير طريقه ليس بالضرورة قد أضاع سنواته لأن كل محطة يمكن أن تضيف شيئًا إلى المحطات التالية فالصحفي الذي عمل في الحوادث ثم انتقل إلى الرياضة مثلًا لا يدخل القسم الجديد بالخبرة نفسها التي يملكها شخص بدأ فيه منذ البداية لكنه يحمل معه خبرة التحقيق والبحث والوصول إلى المصادر وقراءة المستندات وفهم التفاصيل وبناء القصة وقد لا تبدو هذه المهارات رياضية في ظاهرها لكنها تصبح قابلة للنقل عندما يعرف الإنسان كيف يستخدمها في بيئة مختلفة وهذه هي فكرة النطاق التي يمنح الكتاب اسمه وهي أن تكون لديك مجموعة من الخبرات التي يمكن أن تتفاعل مع بعضها بدل أن تكون كل خبرة معزولة عن الأخرى
لكن إبستاين لا يكتفي بالحديث عن المهن بل يدخل إلى طريقة تفكير الإنسان نفسه فالمشكلة في التخصص المفرط ليست فقط أن الشخص يعرف مجالًا واحدًا وإنما أنه قد يبدأ في رؤية كل مشكلة من خلال الأدوات نفسها فعندما يمتلك الإنسان أداة واحدة يصبح من السهل أن يبحث عن المشكلات التي تصلح لهذه الأداة بينما الشخص الذي يمتلك مجموعة من الأدوات يمكنه تغيير طريقة النظر إلى المشكلة نفسها ولهذا يناقش الكتاب أهمية التفكير عبر المجالات لأن بعض الأفكار العظيمة لا تظهر من التعمق داخل مجال واحد فقط وإنما من نقل فكرة من مجال إلى مجال آخر واكتشاف أن ما نجح في مكان يمكن أن يقدم حلًا غير متوقع في مكان مختلف
وهنا تظهر أيضًا قيمة الأشخاص القادمين من خارج المجال فالشخص المتخصص قد يمتلك معرفة عميقة جدًا لكن هذه المعرفة نفسها يمكن أن تتحول إلى قيد إذا جعلته عاجزًا عن رؤية الاحتمالات الموجودة خارج الحدود التي اعتاد العمل داخلها أما القادم من مجال آخر فقد ينظر إلى المشكلة بعين مختلفة لأنه لا يحمل الافتراضات نفسها وفي كثير من حالات الابتكار يكون هذا الاختلاف في زاوية النظر أهم من كمية المعلومات التي يمتلكها الشخص عن المشكلة
ويقدم الكتاب كذلك فكرة شديدة الأهمية عن المشكلات المعقدة التي لا توجد لها إجابة واحدة واضحة ولا يمكن حلها باتباع وصفة ثابتة وهذه المشكلات موجودة في الإدارة والسياسة والاقتصاد والعلوم والصحافة وغيرها وفيها تتداخل المتغيرات وتتغير الظروف وتظهر نتائج غير متوقعة وفي هذه البيئات تصبح الخبرة السابقة مفيدة لكنها لا تكفي وحدها لأن المشكلة الجديدة قد تحتاج إلى استعارة أدوات من مجالات أخرى أو النظر إليها من زاوية مختلفة ولهذا يرى إبستاين أن الإنسان واسع الخبرة يمكن أن يمتلك ميزة في عالم تزداد فيه المشكلات تعقيدًا
ومن الأفكار اللافتة في الكتاب أيضًا أن الفشل قد يكون أداة تعليمية إذا حدث في الوقت والمكان المناسبين فالإنسان الذي يتعود دائمًا على النجاح داخل بيئة مألوفة قد لا يكتشف حدود قدراته بينما تجربة موقف جديد تجبره على تعديل أدواته ولذلك يناقش إبستاين قيمة التجارب التي لا تسير وفق المتوقع لأن الفشل في اختبار أو مشروع أو مسار مهني قد يقدم معلومات عن الذات أكثر مما تقدمه تجربة سهلة ناجحة وهذا لا يعني تمجيد الفشل في حد ذاته وإنما فهمه باعتباره معلومات يمكن استخدامها لتعديل المسار
ومن هنا تأتي واحدة من أكثر الأفكار إثارة في Range وهي فكرة ترك الطريق في الوقت المناسب فالثقافة الشعبية كثيرًا ما تصور الشخص الذي يستمر رغم كل شيء باعتباره صاحب إرادة أقوى لكن الاستمرار في طريق غير مناسب قد يكون أحيانًا مجرد تعلق بما بدأناه والإنسان يحتاج إلى معرفة الفرق بين الصعوبة الطبيعية التي يجب تحملها وبين الإشارة التي تقول إن المسار نفسه لا يناسبه وقد يكون تغيير الطريق قرارًا أكثر عقلانية من الاستمرار لمجرد أن الشخص استثمر فيه سنوات
لكن هناك خطر آخر يحذر منه الكتاب بصورة غير مباشرة وهو أن يتحول التنوع إلى عذر لعدم الالتزام فليس الهدف أن ينتقل الإنسان كل شهر من شيء إلى شيء ثم يسمي ذلك استكشافًا فالتجارب لا تصبح ذات قيمة إلا عندما تنتج معرفة ومهارات وفهمًا جديدًا والاستكشاف الحقيقي له تراكم وكل تجربة يجب أن تترك شيئًا يمكن استخدامه في التجربة التالية وإلا تحول التنوع إلى تشتت وتحول رفض التخصص إلى رفض للتعلم العميق نفسه
وهنا يقترب الكتاب من فكرة مهمة جدًا في الحياة المهنية وهي أنه ليس مطلوبًا من الإنسان أن يختار بين أن يكون متخصصًا أو عامًا بصورة مطلقة فيمكنه أن يبني عمقًا في مجال معين وفي الوقت نفسه يحتفظ باتساع يسمح له بفهم مجالات أخرى ويمكن للإنسان أن يصل إلى التخصص بعد فترة من الاستكشاف لا قبلها بل إن أفضل صورة للمسار في بعض المجالات قد تكون اتساعًا ثم عمقًا ثم اتساعًا جديدًا لأن الإنسان كلما تعلم شيئًا بعمق أصبح قادرًا على اكتشاف علاقته بأشياء أخرى
وتصبح هذه الفكرة أكثر أهمية عندما ننظر إلى سوق العمل الحديث فالتغير التكنولوجي يجعل بعض المهارات التي كانت شديدة القيمة أقل ندرة بمرور الوقت بينما تزداد قيمة المهارات التي يصعب عزلها في مهمة واحدة مثل التفكير النقدي والربط بين المعلومات والإبداع والتواصل وفهم السياق ولذلك يرى الكتاب أن الشخص الذي يستطيع التعلم وإعادة تشكيل أدواته قد يمتلك قدرة أكبر على مواكبة عالم لا يظل ثابتًا طويلًا
وفي النهاية لا يطلب Range من القارئ أن يتخلى عن الطموح أو أن يقبل بأن يكون عاديًا بل يعيد تعريف الطريق الذي يمكن أن يقود إلى التميز وربما لا يكون المطلوب دائمًا أن تصل أسرع من الآخرين وإنما أن تصل وأنت تعرف لماذا اخترت المكان الذي وصلت إليه وما الأدوات التي اكتسبتها أثناء الطريق وربما تكون السنوات التي ظننت أنها تأخيرًا هي السنوات التي صنعت لديك قدرة لم تكن لتملكها لو سرت في خط مستقيم منذ البداية
وهذا هو الجانب الأكثر إنسانية في الكتاب فهناك أشخاص يشعرون أنهم تأخروا لأنهم لم يعرفوا ماذا يريدون في العشرين وآخرون يشعرون أنهم أضاعوا وقتهم لأنهم غيروا مجالاتهم وغيرهم ينظر إلى سيرته الذاتية فيجدها مليئة بمحطات لا تبدو مترابطة ويقدم Range لهم طريقة أخرى لقراءة هذه القصة فربما ليست كل المحطات أجزاء منفصلة وربما تكون قيمتها الحقيقية في أنها صنعت شخصًا قادرًا على الجمع بينها فالخبرة ليست فقط عدد السنوات التي قضيتها في مكان واحد وإنما أيضًا عدد الأشياء التي تعلمت كيف تربط بينها
خلاصة الكتاب في 10 نقاط
1 التخصص المبكر ليس قاعدة عامة للنجاح
2 بعض المجالات تحتاج إلى عمق شديد بينما تحتاج المجالات المعقدة إلى اتساع في الخبرة ومرونة في التفكير
3 التجربة في مجالات مختلفة تساعد الإنسان على اكتشاف قدراته الحقيقية
4 تغيير المسار لا يعني بالضرورة ضياع ما سبق لأن المهارات والخبرات يمكن نقلها إلى مجالات جديدة
5 التفكير من خلال أكثر من مجال قد يؤدي إلى حلول لا تظهر داخل التخصص الواحد
6 الفشل يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا للمعلومات إذا استخدم الإنسان نتائجه في تعديل طريقه
7 الاستمرار ليس فضيلة في كل الظروف وترك الطريق غير المناسب قد يكون جزءًا من بناء المسار الصحيح
8 التنوع لا يعني التشتت إذا كانت التجارب تضيف مهارات ومعرفة قابلة للاستخدام
9 المشكلات المعقدة وغير المتوقعة تحتاج إلى أكثر من الخبرة المتخصصة وحدها
10 أفضل مسار مهني ليس بالضرورة الأكثر استقامة وإنما المسار الذي يحول التجارب المختلفة إلى خبرة متراكمة
الكلمة الأخيرة
ربما تكون أهم قيمة في Range أنه لا يخبر الإنسان ماذا يفعل بقدر ما يجعله يعيد التفكير في الطريقة التي ينظر بها إلى حياته السابقة فهناك فرق بين أن تقول أنا غيرت مجالي عدة مرات وأن تقول أنا جمعت خبرات من أكثر من مجال وأحاول الآن أن أعرف كيف أستخدمها معًا فالفرق بين الجملتين ليس في الماضي وإنما في الطريقة التي يفسر بها الإنسان ماضيه
الكتاب لا يمنح شهادة نجاح لكل شخص غير مساره ولا يقول إن كل تجربة تستحق الاستمرار فيها لكنه يضع أمام القارئ احتمالًا مهمًا وهو أن الطريق غير المستقيم ليس بالضرورة طريقًا خاطئًا وفي عالم يتغير بسرعة قد تصبح القدرة على التعلم وإعادة التعلم وربط الخبرات أكثر أهمية من معرفة إجابة واحدة صحيحة منذ البداية
ولذلك فإن السؤال الذي يتركه الكتاب ليس هل أنا متخصص أم عام وإنما هل خبراتي المختلفة أصبحت تمنحني قدرة أكبر على الفهم والاختيار وصناعة الحلول فإذا كانت الإجابة نعم فإن السنوات التي بدت متفرقة قد تكون في الحقيقة كانت تبني شيئًا واحدًا لم يكن واضحًا في بدايته
البطاقة التعريفية
اسم الكتاب Range Why Generalists Triumph in a Specialized World
المؤلف David Epstein
الناشر Riverhead Books
مكان النشر New York
تاريخ النشر 28 مايو 2019
الطبعة الطبعة الأمريكية الأولى
عدد الصفحات 352 صفحة
ISBN 9780735214484
المجال علم النفس وتطوير الذات والأعمال والتعلم والأداء
موضوع الكتاب أثر اتساع الخبرات والتجارب المتنوعة في التعلم والابتكار وبناء المسار المهني خصوصًا في المجالات المعقدة وغير المتوقعة
الرسالة الأساسية ليس كل مسار ناجح يبدأ بتحديد المجال منذ الصغر و
بعض الأشخاص يصلون إلى أفضل ما لديهم من خلال الاستكشاف والتجربة ثم التخصص في الوقت المناسب







