قراءة في كتاب Nanti Kita Cerita Tentang Hari Ini لاحقاً سنتحدث عن هذا اليوم

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

تقدم الكاتبة الإندونيسية مارشيلا إف بي في كتابها “Nanti Kita Cerita Tentang Hari Ini” مساحة مختلفة لفكرة تطوير الذات، فهي لا تتعامل معها باعتبارها خططاً للنجاح أو قوائم للإنجاز، وإنما تنظر إليها من نافذة أكثر هدوءاً، نافذة الإنسان الذي يحمل بداخله ذكريات ومخاوف وأسئلة وأشياء لم يقلها بعد.

صدر الكتاب في إندونيسيا، وتدور فكرته حول شخصية “Awan” التي تكتب رسائل إلى المستقبل، محاولة أن تحفظ دروس مرحلة الشباب وألا تضيع مع مرور السنوات، وجاء الكتاب في صورة بصرية تجمع الكتابة والرسوم، وهو ما منحه طبيعة مختلفة عن كتب التنمية الذاتية التقليدية.

وهنا تبدأ الرحلة من فكرة شديدة الإنسانية، ماذا لو استطاع الإنسان أن يكتب لنفسه في المستقبل، ماذا سيقول، وما الذي يريد ألا ينساه، وما الأخطاء التي يتمنى أن يتعلم منها قبل أن تتحول إلى ندوب قديمة.

تعتمد الكاتبة على الرسائل القصيرة والأفكار المكثفة، وكأنها تحاول الإمساك بلحظات الحياة قبل أن تفلت، فالإنسان لا يتذكر دائماً التفاصيل، لكنه يتذكر الشعور الذي تركته التفاصيل، ولذلك تبدو الرسالة في الكتاب أشبه بمرآة صغيرة، كلما نظر إليها القارئ رأى جزءاً من تجربته.

هذه الطريقة تجعل الكتاب قريباً من القارئ الذي لا يبحث بالضرورة عن خطة خمسية أو برنامج لتحسين الإنتاجية، وإنما يحتاج أحياناً إلى لحظة توقف، وإلى صوت يقول له إن الحيرة جزء من الطريق، وإن الحزن لا يلغي إمكانية الفرح، وإن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى أن يبدو قوياً حتى يكون قادراً على الاستمرار.

وتصنف بعض المصادر الكتاب ضمن مساحة التأمل وتطوير الذات، بينما تقدمه سجلات المكتبات باعتباره عملاً أدبياً بصرياً يحمل موضوعات مرتبطة بالحياة والأسرة والمشاعر.

أحد أهم الأسئلة التي يفتحها الكتاب هو علاقة الإنسان بماضيه، فهناك أحداث تنتهي زمنياً لكنها لا تنتهي داخلنا، وهناك كلمات قيلت منذ سنوات، لكنها تواصل العيش في الذاكرة، وهناك أخطاء نكرر معاقبة أنفسنا عليها رغم أن الشخص الذي ارتكبها لم يعد هو الشخص نفسه.

ومن هنا يصبح تطوير الذات في الكتاب نوعاً من المصالحة، ليس بمعنى تبرير كل ما حدث، وإنما فهمه، والنظر إليه باعتباره جزءاً من الرحلة التي صنعت الإنسان الحالي.

وهذه الرؤية تختلف عن خطاب التحفيز السريع الذي يطلب من الإنسان أن ينسى الماضي ويتقدم، فالكتاب يوحي بأن النسيان ليس دائماً هو الحل، وربما يكون الفهم أكثر نضجاً من النسيان، والمصالحة أكثر فائدة من الإنكار، والاعتراف بالمشاعر أكثر صدقاً من إخفائها.

يمتد الكتاب أيضاً إلى العلاقات العائلية، وهي مساحة شديدة الحساسية في حياة الإنسان، لأن الأسرة يمكن أن تكون مصدر الأمان، لكنها قد تحمل كذلك أسراراً وصراعات ومشاعر مؤجلة.

وتكشف المصادر التي تصف العمل عن حضور واضح لفكرة الأسرة وما يتركه الماضي غير المحكي من آثار، كما أن العمل الروائي اللاحق المرتبط بالعنوان نفسه جعل الصراعات العائلية والموضوعات المسكوت عنها محوراً أساسياً في الحكاية.

ومن الناحية التحليلية، تبدو أهمية هذه الفكرة في أن الإنسان لا يطور ذاته منفرداً تماماً، فالذات تتشكل داخل علاقات، وتتأثر بالكلمات التي سمعتها، وبالتوقعات التي وُضعت عليها، وبالصورة التي حاولت الأسرة أو المجتمع رسمها لها.

ولهذا فإن معرفة الذات لا تعني فقط أن تسأل ماذا أحب، وإنما أن تسأل أيضاً، ما الذي أخافه، وما الذي ورثته من الآخرين، وما الذي أفعله لأنني أريده فعلاً، وما الذي أفعله لأنني اعتدت أن أفعله.

من الرسائل الفكرية التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن الاستمرار ليس القيمة الوحيدة في الحياة، فأحياناً يحتاج الإنسان إلى التوقف، وإعادة النظر، والاعتراف بأن شيئاً ما لم يعد مناسباً له.

وفي زمن تُقدم فيه القدرة على التحمل باعتبارها دليلاً دائماً على القوة، يفتح الكتاب مساحة لفكرة أخرى، وهي أن الإنسان قد يكون قوياً عندما يعترف بتعبه، وقوياً عندما يطلب المساعدة، وقوياً عندما يضع حداً لعلاقة مؤذية، وقوياً عندما يسمح لنفسه بأن يبدأ من جديد.

وهنا يتحول تطوير الذات من مشروع لتجميل الصورة الخارجية إلى محاولة لترميم الداخل، فالإنسان ليس آلة إنتاج تحتاج إلى زيادة سرعتها باستمرار، وإنما كائن يحتاج إلى معنى وراحة وعلاقات ووقت للتأمل.

العنوان نفسه يحمل مفارقة جميلة، لاحقاً سنتحدث عن هذا اليوم، وكأن المستقبل لا يأتي ليحذف الحاضر، وإنما ليعيد قراءته، فاللحظة التي تبدو ثقيلة الآن قد تتحول بعد سنوات إلى درس، والموقف الذي يبدو بلا معنى قد يكشف لاحقاً عن أثره، والدمعة التي نحاول إخفاءها اليوم قد تصبح شاهداً على أننا عبرنا مرحلة صعبة ولم نتوقف.

ومن هنا فإن الكتاب لا يقدم المستقبل باعتباره وعداً مثالياً، وإنما مساحة لإعادة تفسير ما نعيشه الآن، فالمعنى أحياناً لا يظهر في لحظة الحدث، بل بعد أن تهدأ الضوضاء وتبتعد المسافة.

وتبدو هذه الفكرة مناسبة بصورة خاصة للإنسان الذي يعيش تحت ضغط المقارنة المستمرة، لأن الكتاب يذكره بطريقة غير مباشرة بأن الحياة ليست مجموعة صور مثالية متتابعة، وإنما خليط من لحظات جميلة وأخرى مؤلمة، من نجاحات وتعثرات، ومن بدايات لا نعرف وقتها إلى أين ستقودنا.

الكتاب يقترب من الجانب العاطفي والإنساني لهذه الرحلة، وكأن الكتابين يلتقيان عند سؤال واحد من طريقين مختلفين، كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة أكثر صدقاً مع نفسه

الأول يدعو إلى التجربة حتى تعرف نفسك، والثاني يدعوك إلى التأمل حتى تفهم نفسك، الأول يسأل عن الطريق الذي ستختاره، والثاني يسأل عما حملته معك وأنت تسير، وبين السؤالين تظهر صورة أكثر اكتمالاً لتطوير الذات، صورة لا تختزل الإنسان في الوظيفة والمال والإنجاز، ولا تختزله أيضاً في المشاعر وحدها.

فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف ماذا يريد، لكنه يحتاج كذلك إلى أن يعرف لماذا يريد، ويحتاج إلى أن يبني مستقبله، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يصالح ماضيه، ويحتاج إلى أن ينجح، لكنه يحتاج قبل ذلك وبعده إلى أن يظل قادراً على النظر إلى نفسه دون قسوة.

الكلمة الأخيرة في كتاب

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه

حقوق النشر في كتاب

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: “Nanti Kita Cerita Tentang Hari Ini”

العنوان بالإنجليزية: “Later, We’ll Talk About Today”

المؤلف: Marchella FP

دار النشر: POP Publishers

بلد النشر: إندونيسيا

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 200 صفحة

ISBN: 9786024248215

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *