إدارة الوقت.. كيف تستثمر وقتك وتصنع يومك بدلًا من أن يضيع منك؟

الوقت هو المورد الوحيد الذي يملكه الإنسان ولا يستطيع استعادته بعد مروره. قد يخسر الإنسان مالًا ويستطيع تعويضه، وقد يفقد فرصة ويحصل على غيرها، لكن الدقيقة التي تمر لا يمكن إرجاعها مرة أخرى. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «إدارة الوقت» للدكتور إبراهيم الفقي، الذي يتناول واحدة من أهم المهارات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته الشخصية والعملية، وهي القدرة على استخدام الوقت بطريقة أكثر تنظيمًا وفاعلية.

ما يتنبأ به الكاتب

الفكرة الأساسية في الكتاب أن المشكلة ليست في أن الإنسان لا يملك وقتًا كافيًا، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها الوقت المتاح أمامه. فالجميع يمتلك أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، لكن النتائج تختلف من شخص إلى آخر بسبب اختلاف الأولويات والعادات وطريقة التعامل مع المهام والفرص.

ويبدأ تنظيم الوقت من إدراك قيمته. فالإنسان الذي لا يشعر بقيمة وقته قد يسمح للساعات أن تمر في أعمال غير مهمة أو في التأجيل والانشغال بأمور لا تضيف شيئًا حقيقيًا إلى حياته. أما عندما يدرك أن وقته جزء من عمره، فإنه يصبح أكثر حرصًا على كيفية إنفاقه.

ومن أهم الأفكار المرتبطة بإدارة الوقت تحديد الأهداف. فالإنسان الذي لا يعرف إلى أين يريد أن يصل، يصعب عليه أن يعرف كيف يستخدم وقته. لذلك فإن وجود أهداف واضحة يساعد على ترتيب الأولويات وتحديد الأنشطة التي تستحق أن يحصل عليها الوقت والجهد.

ولا يكفي أن تكون لدى الإنسان أهداف عامة، وإنما يحتاج إلى تحويلها إلى خطوات عملية يمكن تنفيذها ومتابعتها. فالرغبة في النجاح وحدها لا تكفي، بينما التخطيط وتحويل الهدف إلى مهام محددة يجعل الوصول إليه أكثر وضوحًا.

ويركز الكتاب كذلك على أهمية التخطيط. فالتخطيط المسبق يساعد الإنسان على معرفة ما الذي ينبغي أن يفعله، ومتى يفعله، وما الأولوية لكل مهمة. كما يقلل من العشوائية التي تجعل الإنسان ينتقل طوال اليوم بين أعمال كثيرة دون أن ينجز ما هو مهم بالفعل.

ومن المشكلات التي تعوق إدارة الوقت التسويف، وهو تأجيل المهام رغم معرفة الإنسان بأهميتها. وقد يبدأ التسويف بمهمة صغيرة، ثم تتراكم المهام حتى يشعر الشخص بالضغط والإرهاق. ولذلك فإن مواجهة التسويف تحتاج إلى البدء، حتى لو كانت الخطوة الأولى بسيطة.

كما أن تعدد المهام بصورة عشوائية قد يؤدي إلى تشتيت الانتباه. فالانتقال المستمر بين الأعمال يجعل الإنسان يستهلك جزءًا من طاقته في الانتقال من مهمة إلى أخرى بدلًا من التركيز على إنجاز المهمة نفسها. ومن هنا تأتي أهمية التركيز وتحديد ما يحتاج إلى إنجاز أولًا.

ويفرق الكتاب بصورة أساسية بين المهم وغير المهم، وبين العاجل وما يمكن تأجيله. فليس كل ما يطلب من الإنسان القيام به يستحق الدرجة نفسها من الاهتمام. ولذلك فإن ترتيب الأولويات يساعد على توجيه الوقت إلى الأعمال التي تحقق أكبر قدر من الفائدة.

ومن المهارات المهمة أيضًا القدرة على قول «لا» لبعض الأمور التي تستهلك الوقت دون ضرورة. فالإنسان الذي يحاول إرضاء الجميع أو الاستجابة لكل طلب قد يجد نفسه في النهاية لا يملك وقتًا كافيًا لأهدافه ومسؤولياته الأساسية. ولذلك فإن وضع حدود واضحة لاستخدام الوقت جزء من الإدارة الجيدة له.

كما يتناول مفهوم استثمار الوقت بدلًا من مجرد إنفاقه. فالوقت الذي يقضيه الإنسان في التعلم، أو تطوير مهارة، أو العمل على هدف مهم، يختلف عن الوقت الذي يمر دون فائدة واضحة. وكلما أصبح الإنسان أكثر وعيًا بعائد الوقت الذي يخصصه للأنشطة المختلفة، استطاع أن يعيد ترتيب يومه بصورة أفضل.

ويرتبط ذلك بالعادات اليومية. فإدارة الوقت ليست مجرد استخدام جدول ليوم واحد، وإنما هي بناء عادات مستمرة تساعد الإنسان على تنظيم حياته. وقد تكون العادة الصغيرة، عندما تتكرر باستمرار، أكثر تأثيرًا من محاولة إجراء تغييرات كبيرة لفترة قصيرة ثم التوقف عنها.

ويؤكد الكتاب أن الإنسان يحتاج كذلك إلى التوازن. فإدارة الوقت لا تعني العمل طوال اليوم، وإنما توزيع الوقت بصورة تسمح بالعمل والراحة والأسرة والتعلم والاهتمام بالنفس. فالراحة ليست بالضرورة وقتًا ضائعًا، بل قد تكون ضرورية لاستعادة الطاقة والحفاظ على القدرة على الإنجاز.

ومن الجوانب المهمة أيضًا معرفة الإنسان للأوقات التي يكون فيها أكثر نشاطًا وتركيزًا. فبعض الأعمال تحتاج إلى أعلى درجات التركيز، ولذلك من الأفضل أن يتم تخصيص أوقات مناسبة لها بدلًا من تركها للفترات التي يكون فيها الإنسان أكثر إرهاقًا.

كما أن تنظيم المكان والتخلص من مصادر التشتيت يمكن أن يساعدا على استثمار الوقت. فالفوضى وكثرة المقاطعات والرسائل والمكالمات غير الضرورية قد تستهلك وقتًا كبيرًا دون أن يشعر الإنسان بذلك.

ولا تعني إدارة الوقت أن يكون كل يوم مثاليًا. فقد تظهر ظروف مفاجئة أو مشكلات تغير الخطة الموضوعة، وهنا يحتاج الإنسان إلى المرونة وإعادة ترتيب الأولويات بدلًا من الشعور بالفشل لمجرد أن اليوم لم يسر كما كان مخططًا له.

ومن الأفكار المهمة أن إدارة الوقت في جوهرها إدارة للحياة. فالإنسان عندما ينظم وقته فإنه في الحقيقة ينظم أولوياته واهتماماته وقراراته. وما يخصص له الإنسان معظم وقته يكشف بصورة كبيرة عما يعتبره مهمًا في حياته.

وهنا تظهر العلاقة بين الوقت والنجاح. فالنجاح لا يعتمد على امتلاك قدرات كبيرة فقط، وإنما على القدرة على استخدام الإمكانات المتاحة بطريقة صحيحة. وقد يمتلك شخصان القدرات نفسها، لكن أحدهما يحقق نتائج أفضل لأنه يعرف كيف يحدد أهدافه ويرتب أولوياته ويستثمر وقته.

وفي النهاية، يقدم كتاب «إدارة الوقت» رسالة واضحة: الوقت ليس شيئًا نملكه إلى الأبد، وإنما جزء من حياتنا يمر باستمرار. ولذلك فإن السيطرة على الوقت تبدأ من الوعي بقيمته، ثم تحديد الأهداف، وترتيب الأولويات، والتخطيط، ومواجهة التسويف، وتقليل المشتتات، وتحويل العادات اليومية إلى أدوات تساعد على الإنجاز.

إدارة الوقت في النهاية ليست محاولة لزيادة ساعات اليوم، وإنما محاولة لاستخدام الساعات الموجودة بالفعل بصورة أكثر وعيًا. فالإنسان لا يستطيع أن يوقف الزمن، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يستثمر الجزء الذي يملكه منه.

البطاقة التعريفية للكتاب

اسم الكتاب: إدارة الوقت
التأليف: د. إبراهيم الفقي
سنة الإصدار: 1430هـ / 2009م
حقوق الطبع: حقوق الطبع محفوظة
رقم الإيداع: 2416 / 2009
الترقيم الدولي ISBN: 978-977-9307-27-8
الناشر: إبداع للإعلام والنشر
مكان النشر: جمهورية مصر العربية – المنوفية، شبين الكوم – البر الشرقي
العنوان بالقاهرة: 12 درب الأتراك، خلف الجامع الأزهر.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *