حين نتحدث عن مستقبل الاستثمار في مصر، فإن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند جودة النصوص القانونية، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأكثر أهمية: إلى أي مدى تتحول هذه النصوص إلى ممارسة فعلية يشعر بها المستثمر على أرض الواقع؟
قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 ولائحته التنفيذية وضعا إطارا متكاملا لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتضمنا ضمانات للمستثمر، من بينها المعاملة العادلة والمنصفة، وحماية الأموال من الإجراءات التعسفية والتمييزية، وعدم تأميم المشروعات، إلى جانب عدد من الحوافز والتسهيلات.
كما شهد الإطار التشريعي تطورات لاحقة، من بينها حوافز استثمارية يمكن أن تصل إلى 50% من التكاليف الاستثمارية في المناطق الأكثر احتياجا للتنمية، و30% وفق الحالات والأنشطة المحددة قانونا، فضلا عن الحوافز المرتبطة ببعض الأنشطة الصناعية وغيرها.
أما الرخصة الذهبية، أو «الموافقة الواحدة»، فتمثل محاولة واضحة لتقليل تعدد الإجراءات، إذ يمكن أن تمنح الشركات المؤهلة موافقة واحدة على إقامة المشروع وتشغيله وإدارته، بما في ذلك تراخيص البناء وتخصيص العقارات اللازمة، وفق الضوابط القانونية.
لكن، من وجهة نظري، التحدي الحقيقي يكون ما بعد صدور القانون، فالمستثمر لا يقيس جاذبية البيئة الاستثمارية بعدد المواد القانونية وحدها، وإنما بما يواجهه يوميا من إجراءات، وسرعة الحصول على التراخيص، ووضوح القرارات، وتكلفة الإجراءات، واستقرار القواعد، وسهولة التعامل مع الجهات المختلفة.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من مرحلة «تشريع الحوافز» إلى «كفاءة تنفيذ الحوافز»، فالحافز الذي يصعب الوصول إليه، أو الإجراء الذي يستغرق وقتا طويلا، قد يفقد جزءا من أثره الاقتصادي مهما كان جيدا على الورق.
وفي المقابل، فإن وجود منظومة خدمات للمستثمر وتطوير القنوات الإلكترونية ومراكز خدمات المستثمرين يمثل اتجاها مهما من الدولة المصرية نحو تقليل الاحتكاك الإداري، خاصة مع إعلان هيئة الاستثمار عن 15 مركزا لخدمات المستثمرين، إلى جانب بوابة لرعاية المستثمرين لمتابعة الشكاوى والمقترحات.
لذلك، فإن مستقبل الاستثمار في مصر لن يتحدد بالقانون وحده، ولا بالحوافز وحدها، وإنما بمدى الاتساق بين النص والتطبيق، حيث أن المستثمر يحتاج إلى الثقة في أن القاعدة التي يقرأها في القانون هي نفسها التي سيجدها عندما يبدأ مشروعه على أرض الواقع ويتعامل من خلاله بما ييسر عمله في البلاد ويجعله يحقق العائد المطلوب بما يعود بالنفع على الاقتصاد الكلي والدولة.
ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر «مصر بكرة»، الذي يفتح هذا الملف بمشاركة الخبراء والمتخصصين ورجال الأعمال وأعضاء مجلس النواب؛ ليس لمناقشة ما يقوله القانون فقط، وإنما لطرح السؤال الأهم: ماذا يحدث على أرض الواقع؟ وما الذي يمكن تطويره حتى تتحول المزايا التشريعية إلى نتائج ملموسة في الاستثمار والإنتاج والتشغيل؟
إن بناء مستقبل استثماري أكثر تنافسية يبدأ من التشريع، لكنه لا ينتهي عنده، فالقانون يرسم الطريق، وتنفيذه هو الحافز الأهم لإقبال المستثمرين على الاقتصاد المصري سواء في الداخل أو الخارج.







