قراءة في كتاب قوة الندم .. المشاعر التي نتمنى لو لم نشعر بها

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها .

ماذا لو كان الندم الذي نحاول الهروب منه يحمل معلومات مهمة عن حياتنا؟

ينطلق دانيال إتش. بينك في كتابه «قوة الندم» من فكرة مختلفة عن النظرة الشائعة إلى الندم. فبدل أن نعتبره شعورًا ينبغي التخلص منه، يتعامل معه بوصفه تجربة إنسانية شائعة يمكن أن تساعدنا على فهم اختياراتنا وقيمنا، وربما اتخاذ قرارات أفضل مستقبلًا. ويستند في ذلك إلى أبحاث في علم النفس الاجتماعي والأعصاب والبيولوجيا، إلى جانب بيانات واسعة عن تجارب الناس مع الندم.

ونجد ان الكتاب يحمل شعر “لا ندم” يبدو جذابًا، لكنه قد يحرم الإنسان من واحدة من أهم وظائف النظر إلى الماضي: التعلم، كل إنسان تقريبًا يستطيع أن يتذكر قرارًا يتمنى لو اتخذ فيه طريقًا مختلفًا؛ علاقة لم تبدأ، فرصة لم يستغلها، كلمة قالها في لحظة غضب، أو خطوة تأخر فيها أكثر مما ينبغي، لكن السؤال الذي يطرحه بينك ليس: كيف نمحو الندم؟، بل: كيف نفهمه ونستخدمه بدل أن نعيش أسرى له؟.

الندم يكشف ما نعتبره مهمًا

الندم ليس مجرد ألم بسبب الماضي؛ فهو في كثير من الأحيان يكشف لنا شيئًا عن القيم التي نتمسك بها، قد يندم شخص على فرصة مهنية ضاعت، بينما يندم آخر على علاقة أهملها. وبين الاثنين تظهر خريطة مختلفة لما يعتبره كل منهما مهمًا، ولهذا يمكن النظر إلى الندم باعتباره نافذة على الأولويات التي ربما لم نكن نراها بوضوح ونحن نعيش اللحظة.

ليس كل ما يؤلمنا يجب أن نهرب منه

نحن نميل إلى التعامل مع المشاعر المؤلمة باعتبارها مشكلات يجب التخلص منها بسرعة. لكن محاولة دفن الندم تمامًا قد تمنعنا من فهم الرسالة الموجودة خلفه، الاستفادة لا تعني البقاء في الماضي أو إعادة محاكمته كل يوم، وإنما تعني العودة إليه بالقدر الذي يسمح باستخراج الدرس، ثم استخدام هذا الدرس في الحاضر.

فالندم الذي لا يتحول إلى فهم قد يصبح عبئًا، أما الندم الذي يتحول إلى معرفة فيمكن أن يصبح نقطة انطلاق.

الماضي لا يمكن تغييره.. لكن علاقاتنا به يمكن أن تتغير

لا يستطيع الإنسان إعادة الزمن أو تعديل القرار الذي اتخذه قبل سنوات. لكن يستطيع أن يغير الطريقة التي يفسر بها ذلك القرار، قد يقول شخص “ضيعت الفرصة”، وقد يقول بعد سنوات: “كانت تجربة كشفت لي أنني أريد شيئًا آخر”، والحدث واحد، لكن المعنى تغير.

وهذه النقطة تفتح بابًا مهمًا: نحن لا نملك الماضي، لكننا نملك بدرجة ما الطريقة التي نحمل بها الماضي معنا.

خلاصة الكتاب فى نقاط

  • الندم تجربة إنسانية شائعة وليست استثناءً.
  • لا يعني وجود الندم أن الحياة سارت بالكامل في الاتجاه الخطأ.
  • بعض أنواع الندم تكشف قيمًا وأهدافًا مهمة بالنسبة لنا.
  • النظر إلى الماضي يمكن أن يساعد على تحسين القرارات المستقبلية.
  • محاولة العيش بشعار «لا ندم» قد تتجاهل قيمة التأمل في التجارب السابقة.
  • الندم يختلف من شخص إلى آخر بحسب ما يعتبره مهمًا.
  • فهم الندم أهم من الاستسلام له.
  • الخطأ الماضي لا يمكن تغييره، لكن يمكن التعلم منه.
  • الندم يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة تقييم الأولويات.
  • الهدف ليس أن نعيش في الماضي، بل أن نستخدم الماضي لفهم المستقبل.

يُناسب الكتاب كل من يجد نفسه يعود كثيرًا إلى قرارات قديمة، وكل من يشعر أن بعض الفرص الضائعة ما زالت تؤثر في نظرته إلى نفسه. كما يناسب المهتمين بعلم النفس والسلوك واتخاذ القرار، خصوصًا من يبحثون عن قراءة مختلفة للمشاعر التي عادةً ما نتعامل معها باعتبارها سلبية فقط.

من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يأخذ شعورًا مألوفًا جدًا ويعيد طرحه من زاوية غير معتادة. كما يجمع بين البحث العلمي والقصص الإنسانية، ويستند إلى مسح واسع للندم شمل أكثر من 15 ألف شخص في 105 دول، وهو ما يمنح الكتاب مادة واسعة لمناقشة طبيعة الندم وتجارب البشر معه.

أما بالنسبة لـ نقاط الضعف، فقد يجد بعض القراء أن فكرة تحويل الندم إلى أداة للتعلم ليست جديدة بالكامل، كما أن حجم البيانات والأبحاث التي يستعرضها الكتاب قد يجعل بعض أجزائه أقرب إلى الكتاب البحثي من القراءة الخفيفة.

كذلك، لا يمكن افتراض أن التعامل مع الندم بالطريقة نفسها يناسب كل إنسان أو كل تجربة؛ فالسياق الشخصي وطبيعة الحدث يؤثران في كيفية فهم المشاعر الناتجة عنه.

ملاحظات

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هنا: هل نندم على القرار نفسه، أم على النتيجة التي عرفناها بعد اتخاذه؟، أحيانًا يكون القرار منطقيًا بناءً على المعلومات التي كانت متاحة وقتها، ثم تأتي النتيجة عكس المتوقع. عندها قد نحاكم أنفسنا بأثر رجعي باستخدام معلومات لم تكن موجودة أصلًا لحظة اتخاذ القرار.

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين قرار سيئ بناءً على معلومات كانت متاحة، وقرار لم تكن نتيجته موفقة رغم أنه كان مفهومًا في وقته، هذه المسافة بين القرار والنتيجة تجعل النظر إلى الماضي أكثر إنصافًا، وأكثر فائدة أيضًا.

الكلمة الأخيرة

نحن نقضي وقتًا طويلًا في محاولة نسيان الأشياء التي نندم عليها، وربما ننسى أن بعضها جاء ليخبرنا شيئًا عن أنفسنا، فالندم قد يخبرك بما كنت تريده ولم تطلبه، وبمن أحببت ولم تمنحه الوقت الكافي، وبالفرص التي أخرتها حتى رحلت، وبالقرارات التي اتخذتها قبل أن تفهم نفسك جيدًا، لكن قيمة الندم لا تكمن في أن يجعلك تعيش في الماضي.

قيمته الحقيقية أن يجعلك أكثر وعيًا وأنت تصنع قرارك التالي، فالماضي لا يمنحنا فرصة ثانية لتغييره، لكنه يمنحنا شيئًا آخر ربما يكون أكثر فائدة: المعرفة التي تساعدنا على ألا ندخل المستقبل بالشخص نفسه، وبالأخطاء نفسها، وبالوعي نفسه الذي كان لدينا بالأمس.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشريه وأصحاب حقوق الترجمة والنشر، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا .

البطاقة التعريفية

العنوان: الندم: قوة المشاعر التي نتمنى لو لم نشعر بها

العنوان الأصلي : The Power of Regret: How Looking Backward Moves Us Forward

المؤلف : دانيال إتش. بينك (Daniel H. Pink)

دار النشر : دار مساق للنشر والتوزيع (أو الإصدارات العربية المعتمدة الأخرى)

بلد النشر: المملكة العربية السعودية / دول عربية متفرقة

سنة النشر: 2022م (للنسخة العربية، وصدرت النسخة الأصلية عام 2022م كذلك)

الطبعة: الطبعة الأولى

عدد الصفحات: حوالي 240 صفحة

ISBN: 9786038332146

رقم الإيداع: مسجل وفقاً لبيانات الفهرسة الرسمية للدار الناشرة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *