قراءة فى كتاب «قيمة كل شيء: الخَلق والاستحواذ فى الاقتصاد العالمى» – ماريانا ماتسوكاتو

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلفان، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها، لنفهم كيف أن الثورة التكنولوجية القادمة تحمل وعودًا هائلة لكنها أيضًا تهديدات عميقة للاستقرار الاقتصادى والاجتماعى.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها فى سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، لتصبح بمثابة دعوة لإعادة التفكير فى علاقة الابتكار بالمجتمع.

يأتى كتاب «قيمة كل شيء: الخَلق والاستحواذ فى الاقتصاد العالمى» للاقتصادية ماريانا ماتسوكاتو فى لحظة تزايدت فيها الشكوك حول قدرة الرأسمالية المعاصرة على تحقيق نمو شامل وعادل، إذ ترى المؤلفة أن جزءًا كبيرًا من المشكلات الاقتصادية الحالية يرتبط بسوء فهم مفهوم «القيمة» نفسه، وأن النقاش الاقتصادى الحديث ابتعد تدريجيًا عن سؤال من يخلق الثروة لينشغل أكثر بتبرير كيفية توزيعها، وهو ما أدى إلى خلط متزايد بين الأنشطة التى تنتج قيمة فعلية للمجتمع والأنشطة التى تكتفى باستخراج تلك القيمة والاستفادة منها.

الفكرة الجوهرية التى تدافع عنها المؤلفة هى أن الاقتصاد الحديث فقد قدرته على التمييز بين خلق القيمة واستخراجها، فأصبح كثير من الأنشطة المالية والاحتكارية يُنظر إليها باعتبارها منتجة للثروة لمجرد أنها تحقق أرباحًا مرتفعة، بينما يتم التقليل من أهمية الأنشطة التى تساهم فعليًا فى الابتكار والإنتاج والتنمية طويلة الأجل، ومن هنا تنطلق ماتسوكاتو لإعادة فحص تاريخ الفكر الاقتصادى وكيف تغير مفهوم القيمة عبر الزمن، محاولةً الكشف عن الكيفية التى جعلت الاقتصادات المعاصرة تكافئ المستفيدين من الثروة أكثر مما تكافئ صانعيها.

ماذا يناقش الكتاب؟

تبدأ المؤلفة بتتبع التطور التاريخى لفكرة القيمة فى الفكر الاقتصادى، موضحة أن الاقتصاديين الأوائل لم يتعاملوا مع هذا المفهوم بوصفه مسألة هامشية، بل اعتبروه محورًا أساسيًا لفهم الاقتصاد والمجتمع. فقد سعى المفكرون الكلاسيكيون إلى التمييز بين الأنشطة التى تضيف بالفعل ثروة جديدة إلى الاقتصاد وتلك التى تعتمد على إعادة توزيع الثروة القائمة، غير أن هذا النقاش تراجع تدريجيًا مع صعود مدارس اقتصادية جديدة ركزت بصورة أكبر على الأسعار والتفضيلات الفردية، الأمر الذى أدى إلى تراجع الاهتمام بالسؤال الأساسى المتعلق بمصدر القيمة الحقيقى.

ثم تنتقل ماتسوكاتو إلى تحليل كيفية قياس النشاط الاقتصادى فى العصر الحديث، موضحة أن أدوات القياس السائدة لا تعكس دائمًا الفرق بين خلق القيمة واستخراجها، فالكثير من الأنشطة التى تسهم فى رفع الناتج المحلى الإجمالى قد لا تضيف بالضرورة قيمة إنتاجية حقيقية للاقتصاد، بينما يتم أحيانًا التقليل من مساهمة قطاعات أخرى تلعب دورًا جوهريًا فى دعم النمو والابتكار، وهو ما يجعل بعض المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم النشاط أكثر مما تعكس جودة هذا النشاط أو أثره الفعلى على المجتمع.

ويتناول الكتاب بصورة موسعة القطاع المالى، الذى يمثل أحد أهم محاور النقد لدى المؤلفة، فهى ترى أن التوسع الكبير فى الأنشطة المالية خلال العقود الماضية أدى إلى تعزيز قدرة بعض المؤسسات على تحقيق أرباح ضخمة لا ترتبط دائمًا بخلق قيمة إنتاجية جديدة، وإنما بالاستفادة من أدوات مالية معقدة أو من إعادة تدوير الأصول والديون داخل النظام الاقتصادى، الأمر الذى ساعد على تضخم حجم القطاع المالى مقارنة بالاقتصاد الحقيقى، وأدى فى الوقت نفسه إلى زيادة مستويات عدم المساواة وتعقيد العلاقة بين الاستثمار والإنتاج.

كما تناقش المؤلفة مفهوم «تعظيم قيمة المساهمين» الذى أصبح مهيمنًا على كثير من الشركات الكبرى، إذ ترى أن التركيز المفرط على تحقيق مكاسب قصيرة الأجل للمساهمين قد يدفع الشركات إلى اتخاذ قرارات لا تخدم الابتكار أو الإنتاجية على المدى الطويل، وإنما تركز على تحسين الأداء المالى الفورى ولو كان ذلك على حساب الاستثمار فى البحث والتطوير أو بناء قدرات إنتاجية جديدة، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى إضعاف قدرة الاقتصاد على النمو المستدام وخلق قيمة حقيقية للمجتمع.

ويخصص الكتاب مساحة مهمة لمناقشة العلاقة بين الابتكار والقيمة، حيث تنتقد ماتسوكاتو الصورة الشائعة التى تصور الابتكار باعتباره نتاجًا حصريًا للقطاع الخاص، مؤكدة أن كثيرًا من الإنجازات التكنولوجية الكبرى جاءت نتيجة استثمارات عامة طويلة الأجل تحملت الدولة مخاطرها الأساسية، بينما جرى لاحقًا تخصيص جزء كبير من العوائد لصالح شركات ومؤسسات خاصة، وهو ما يدفعها إلى طرح تساؤلات حول الكيفية التى يمكن بها توزيع مخاطر الابتكار وعوائده بصورة أكثر عدالة بين المجتمع والقطاع الخاص.

ومن أكثر الفصول إثارة للاهتمام تلك المتعلقة بصناعة الأدوية والاقتصاد الرقمى، إذ ترى المؤلفة أن بعض الشركات استطاعت استخدام حقوق الملكية الفكرية أو النفوذ السوقى لتبرير أسعار مرتفعة للغاية لا تعكس دائمًا حجم القيمة التى أضافتها فعليًا، كما تناقش كيف يمكن لتأثيرات الشبكات والهيمنة الرقمية أن تمنح بعض الشركات قدرة استثنائية على الاستحواذ على أجزاء متزايدة من القيمة داخل الاقتصاد العالمى، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام المنافسة والسياسات التنظيمية.

ولا يقتصر نقد ماتسوكاتو على القطاع الخاص، بل تمتد مراجعتها إلى الطريقة التى يُنظر بها إلى القطاع العام، فهى ترى أن الحكومات كثيرًا ما تُقدم فى الخطاب الاقتصادى السائد باعتبارها كيانات تستهلك الموارد أكثر مما تخلقها، بينما تكشف التجربة التاريخية أن الدولة لعبت أدوارًا محورية فى تمويل العلوم الأساسية، وبناء البنية التحتية، وتطوير التكنولوجيا، وتوجيه الاستثمارات طويلة الأجل، الأمر الذى يجعل تصويرها كطرف غير منتج تبسيطًا شديدًا لا يعكس واقع مساهمتها فى خلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية.

وتؤكد المؤلفة أن إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة تتطلب استعادة النقاش حول مفهوم القيمة نفسه، لأن السياسات العامة تتشكل وفقًا للطريقة التى نفهم بها مصدر الثروة، فإذا جرى الخلط بين المنتجين الحقيقيين للقيمة وبين المستفيدين منها فقط، فإن الحوافز الاقتصادية ستتجه نحو الأنشطة الأقل إنتاجية والأكثر قدرة على تحقيق الربح السريع، وهو ما قد يؤدى إلى اتساع الفجوات الاجتماعية وتراجع الاستثمار فى الابتكار طويل الأجل.

الخلاصة التى تدفع بها ماتسوكاتو أن المشكلة الأساسية ليست فى وجود الأرباح أو الأسواق أو القطاع الخاص، بل فى الطريقة التى نعرّف بها النجاح الاقتصادى، إذ ترى أن الاقتصادات الصحية هى تلك التى تكافئ خلق القيمة أكثر من استخراجها، وتوجه رأس المال نحو الأنشطة التى تضيف معرفة وإنتاجًا وفرصًا جديدة، بدلًا من الأنشطة التى تعتمد بصورة رئيسية على الاستحواذ على قيمة خلقها آخرون فى أماكن مختلفة من الاقتصاد.

من نقاط القوة فى الكتاب أنه يعيد إحياء واحد من أكثر الأسئلة الاقتصادية أهمية، وهو سؤال القيمة، كما أنه يجمع بين التاريخ الاقتصادى والتحليل المؤسسى والنقد المعاصر للأسواق المالية، ويقدم للقارئ إطارًا جديدًا لفهم قضايا مثل عدم المساواة والابتكار ودور الدولة، فضلًا عن أنه ينجح فى تحدى عدد كبير من المسلمات التى أصبحت جزءًا من الخطاب الاقتصادى السائد دون مراجعة كافية.

أما نقاط الضعف فتتمثل فى أن بعض استنتاجات المؤلفة قد تبدو حادة فى نقدها للقطاع المالى وبعض الممارسات السوقية، كما أن بعض القراء قد يرون أنها تمنح دور الدولة وزنًا أكبر مما تسمح به التجارب العملية فى بعض البلدان، إضافة إلى أن الحدود الفاصلة بين خلق القيمة واستخراجها قد تكون أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما يوحى به الكتاب فى بعض المواضع.

الكتاب يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: كيف يمكن التمييز عمليًا بين الأرباح الناتجة عن الابتكار والأرباح الناتجة عن النفوذ السوقى؟ وهل تعكس المؤشرات الاقتصادية الحالية القيمة الحقيقية التى ينتجها المجتمع؟ وكيف يمكن أن نصمم سياسات تشجع الاستثمار المنتج دون أن تعرقل المبادرة الخاصة؟ وهل يمكن إعادة تعريف النجاح الاقتصادى بحيث يقاس بمدى الإسهام فى خلق القيمة لا بمجرد حجم العوائد المالية المحققة؟

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا ينشغل القارئ فقط بمستقبل الرأسمالية أو بانتقادات القطاع المالى، بل يجد نفسه أمام سؤال أكثر عمقًا وبساطة فى الوقت نفسه: من الذى يخلق الثروة حقًا؟ فهنا تكمن القوة الحقيقية للكتاب، إذ يجبر القارئ على إعادة النظر فى كثير من المسلمات التى اعتاد التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، ويعيد فتح نقاش قديم حول معنى القيمة ومصدرها، ليذكرنا بأن الطريقة التى نجيب بها عن هذا السؤال لا تحدد شكل الاقتصاد فحسب، بل تحدد أيضًا شكل المجتمع الذى نريد أن نعيش فيه.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: «قيمة كل شيء: الخَلق والاستحواذ فى الاقتصاد العالمى»
المؤلفة: ماريانا ماتسوكاتو (Mariana Mazzucato)
الموضوع: القيمة الاقتصادية، الابتكار، القطاع المالى، دور الدولة، الاقتصاد السياسى
دار النشر: Penguin / PublicAffairs
سنة النشر: 2018
عدد الصفحات: 384 صفحة
رقم الإيداع الدولي: ISBN: 9781610396745

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمؤلفة ودار النشر، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *