هل جاءت القوة الاقتصادية الأمريكية من وفرة الموارد وحدها؟ أم أن صعود الولايات المتحدة إلى قمة الاقتصاد العالمي كان نتيجة تداخل مجموعة طويلة من العوامل، بدأت بالأرض والثروة الطبيعية، ومرت بالتجارة والصناعة والهجرة والابتكار، وانتهت بتكوين قوة اقتصادية استطاعت أن تفرض حضورها على العالم؟
من هذه الزاوية يأتي كتاب «إمبراطورية الثروة: التاريخ الملحمي للقوة الاقتصادية الأمريكية» للمؤرخ والكاتب الأمريكي جون ستيل جوردون، وهو عمل يرصد المسار الطويل الذي مرت به الولايات المتحدة منذ بدايات الاستيطان وحتى تحولها إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم.
يحمل الكتاب في أصله الإنجليزي عنوان An Empire of Wealth: The Epic History of American Economic Power، وصدر في نسخته الأصلية عام 2004، بينما جاءت الترجمة العربية ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية في جزأين عام 2008، بترجمة محمد مجد الدين باكير. وتؤكد البيانات الببليوغرافية أن الجزء الأول صدر في العدد 357 والجزء الثاني في العدد 358 من السلسلة.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
ينطلق جوردون من سؤال جوهري: كيف استطاعت الولايات المتحدة أن تتحول من مستعمرات ناشئة إلى قوة اقتصادية عالمية؟
ولا يبحث المؤلف عن إجابة واحدة، وإنما يتتبع مجموعة من العوامل التي تداخلت عبر التاريخ الأمريكي، من اتساع الأراضي والموارد الطبيعية، إلى الهجرة والعمل والتجارة، ثم التصنيع والاختراعات والتكنولوجيا.
فالاقتصاد الأمريكي، وفقا للمسار الذي يعرضه الكتاب، لم يتشكل في لحظة واحدة، وإنما كان نتيجة تراكم تاريخي طويل، ساهمت فيه الجغرافيا والسياسة والقانون وروح المبادرة والاستثمار والابتكار.
ولهذا فإن «إمبراطورية الثروة» لا يقدم مجرد تاريخ للمال أو الشركات، وإنما يحاول تفسير كيف تكونت القوة الاقتصادية الأمريكية نفسها.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
أولا: الأرض كانت نقطة البداية
يركز الكتاب على الثروة الطبيعية الهائلة التي امتلكتها الولايات المتحدة، بداية من الأراضي الواسعة والموارد الزراعية وصولا إلى المعادن والطاقة.
هذه الموارد شكلت قاعدة مهمة لنمو الإنتاج والتجارة، لكنها لم تكن وحدها كافية لصناعة القوة الاقتصادية؛ فقد احتاج استغلالها إلى العمالة ورأس المال والأسواق والتكنولوجيا.
ثانيا: الهجرة والعمل وصناعة الثروة
تحتل الهجرة والعمل مساحة مهمة في قصة الصعود الاقتصادي الأمريكي.
فقد ساهم تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين في توفير قوة عمل ساعدت على التوسع الزراعي والصناعي، وفي الوقت نفسه جلب هؤلاء معهم مهارات وخبرات وأفكارا جديدة.
ومن هنا تصبح قصة الاقتصاد الأمريكي مرتبطة أيضا بقصة البشر الذين شاركوا في بناء المصانع والسكك الحديدية والمزارع والمدن والأسواق.
ثالثا: التجارة والصناعة غيرتا قواعد اللعبة
مع تطور الاقتصاد الأمريكي، لم تعد الزراعة والموارد الطبيعية وحدها كافية لتفسير القوة الاقتصادية.
ظهرت الصناعة الحديثة، وتوسعت شبكات النقل، ونمت الشركات والأسواق، وأصبح الإنتاج على نطاق واسع أحد أهم محركات الاقتصاد.
ويتابع جوردون هذه التحولات باعتبارها حلقات متصلة في رحلة انتقال الولايات المتحدة من اقتصاد ناشئ إلى اقتصاد صناعي ضخم.
رابعا: الابتكار كان أحد مفاتيح التحول
من أبرز الأفكار التي تظهر في الكتاب أهمية الاختراع والتكنولوجيا في بناء القوة الاقتصادية.
فالولايات المتحدة لم تكتف بامتلاك الموارد، وإنما شهدت سلسلة من الابتكارات التي غيرت أساليب الإنتاج والنقل والاتصال، ثم ساهمت لاحقا في ظهور صناعات جديدة.
ويشير العرض المنشور عند صدور الكتاب إلى أن المؤلف يتناول الاقتصاد الأمريكي باعتباره اقتصادا اتسم بالديناميكية والقدرة على الابتكار، وربط ذلك بالمكانة التي حققتها الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب «إمبراطورية الثروة» القارئ المهتم بالاقتصاد والتاريخ والأسواق والعلاقات الدولية، كما يمثل مادة مهمة للصحفيين الاقتصاديين والطلاب والباحثين الذين يريدون فهم خلفية القوة الاقتصادية الأمريكية.
والكتاب مناسب أيضا لمن يتابع أخبار الدولار والأسواق العالمية والشركات الأمريكية والتجارة الدولية، لأن فهم جذور الاقتصاد الأمريكي يساعد على وضع هذه الملفات في سياق تاريخي أوسع.
مميزات الكتاب
من أهم مميزات الكتاب أنه لا يتعامل مع الاقتصاد باعتباره مجموعة من المؤشرات والأرقام فقط، وإنما يربطه بالتاريخ والجغرافيا والسياسة والمجتمع.
كما أن تقسيم العمل إلى جزأين يمنح المؤلف مساحة واسعة لمتابعة التحولات الكبرى التي مرت بها الولايات المتحدة، بداية من المستوطنين الأوائل، مرورا بالاستقلال والتوسع الاقتصادي، ووصولا إلى التصنيع والاختراعات والتكنولوجيا والاقتصاد الحديث.
وقد صدر العمل العربي في جزأين ضمن سلسلة «عالم المعرفة»: الجزء الأول في العدد 357 ويضم 247 صفحة، والجزء الثاني في العدد 358 ويضم 295 صفحة.
قراءة صحفية
تكمن أهمية «إمبراطورية الثروة» بالنسبة للقارئ الاقتصادي في أنه يحاول الإجابة عن سؤال كثيرا ما يظهر في الأخبار والتحليلات: من أين تأتي القوة الاقتصادية للدول؟
فالدول لا تصبح قوى اقتصادية كبرى بمجرد امتلاكها الموارد الطبيعية، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وأسواق وعمالة ورأس مال وتكنولوجيا وقدرة على تحويل الموارد إلى إنتاج وقيمة.
ومن هنا تبدو التجربة الأمريكية في الكتاب أقرب إلى قصة متشابكة بين الأرض والإنسان والمال والابتكار.
واللافت أيضا أن جوردون لا يقدم الصعود الاقتصادي باعتباره قصة خالية من التناقضات، بل يرصد مسيرة مليئة بالنجاحات والأزمات والتحولات. فالتوسع الاقتصادي صاحبه تغير اجتماعي وصناعي واسع، ومرت الولايات المتحدة بمراحل من الازدهار والركود والأزمات، قبل أن تتشكل ملامح اقتصادها الحديث.
وهذا ما يجعل الكتاب مهما للصحفي؛ لأن قراءة الاقتصاد من خلال التاريخ تكشف أن الأرقام الحالية لها جذور أقدم بكثير. فالدولار، والشركات الكبرى، والصناعة الأمريكية، والتكنولوجيا، والأسواق المالية ليست ظواهر منفصلة، وإنما حلقات في مسار تاريخي طويل.
كما أن الكتاب يفتح الباب أمام التفكير في العلاقة بين الثروة والقوة؛ فامتلاك اقتصاد ضخم لا يعني فقط زيادة الإنتاج والدخل، وإنما يمكن أن يمنح الدولة تأثيرا أوسع في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والنظام المالي العالمي.
وبذلك يمكن قراءة «إمبراطورية الثروة» باعتباره رحلة داخل التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة، تكشف كيف تحولت الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى ثروة، والثروة إلى قوة اقتصادية عالمية.
فالكتاب لا يحكي فقط قصة صعود الاقتصاد الأمريكي، وإنما يضع أمام القارئ مجموعة من الأسئلة حول مصادر النمو الاقتصادي، ودور الابتكار والعمل والاستثمار والمؤسسات في صناعة الثروة.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه،وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب ومترجمه وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: إمبراطورية الثروة: التاريخ الملحمي للقوة الاقتصادية الأمريكية
العنوان الأصلي: An Empire of Wealth: The Epic History of American Economic Power
المؤلف: جون ستيل جوردون – John Steele Gordon
المترجم: محمد مجد الدين باكير
الناشر العربي: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت
السلسلة: عالم المعرفة
الطبعة العربية: الأولى
سنة النشر: 2008
عدد الأجزاء: جزآن
الجزء الأول: العدد 357 – نوفمبر 2008 – 247 صفحة.
الجزء الثاني: العدد 358 – ديسمبر 2008 – 295 صفحة.
ISBN الجزء الأول: 9789990602548.
ISBN الجزء الثاني: 9789990602562.







