تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
يبدأ فاوست من أزمة تبدو في ظاهرها أزمة عالم فقد القدرة على إشباع فضوله لكنها تتحول تدريجيًا إلى سؤال أعمق عن معنى أن يعرف الإنسان كل شيء ولا يشعر مع ذلك بأنه اقترب من الحقيقة فاوست عالم أفنى سنواته في دراسة الفلسفة والطب والقانون واللاهوت ثم اكتشف أن المعرفة التي جمعها لم تمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها بل جعلته أكثر إدراكًا لحدود الإنسان وعجزه عن الوصول إلى المعنى الكامل للحياة وهنا يصبح الإحباط نفسه بوابة للخطر لأن الإنسان حين يعجز عن الوصول إلى الحقيقة بالوسائل التي اعتادها قد يبدأ في البحث عنها بأي ثمن
يظهر مفستوفيليس باعتباره القوة التي تستغل هذا العطش ولا تخلقه فالشياطين في فاوست ليست مجرد كائنات شريرة بقدر ما تمثل الإغراء الذي يظهر للإنسان في اللحظة التي يصبح فيها مستعدًا للتنازل عن بعض مبادئه مقابل تجربة استثنائية ولهذا يأتي الاتفاق بين فاوست ومفستوفيليس بوصفه صفقة تتجاوز فكرة بيع الروح التقليدية فالمطلوب ليس المال وحده ولا المتعة وحدها وإنما الوصول إلى لحظة يشعر فيها فاوست أن الحياة قدمت له ما يستحق أن يتوقف عنده
تتحول التجربة بعد ذلك إلى اختبار حقيقي لرغبات الإنسان فالشهوة والحب والسلطة والمعرفة كلها تصبح أبوابًا محتملة للخلاص أو السقوط ويظهر ذلك بوضوح في علاقة فاوست بمرجريت التي تمنح الحكاية بعدًا إنسانيًا مختلفًا عن الصراع الفلسفي المجرد فمرجريت ليست مجرد شخصية عاطفية في حياة فاوست بل تصبح ضحية مباشرة للطريقة التي يندفع بها الإنسان وراء رغباته دون أن يحسب دائمًا ثمنها على الآخرين وهنا تتحول الرغبة الفردية إلى مأساة اجتماعية وأخلاقية لأن قرارات شخص واحد يمكن أن تغير حياة أشخاص آخرين بصورة لا يستطيع التراجع عنها
القوة الحقيقية في فاوست تظهر في أن غوته لا يقدم الإنسان باعتباره خيرًا خالصًا أو شرًا خالصًا فالشخصية الرئيسية تجمع الطموح والضعف والفضول والأنانية والقدرة على التوبة كما تجمع الرغبة في تجاوز حدودها مع العجز عن التحكم في نتائج هذا التجاوز ولذلك يصبح الصراع الحقيقي داخل الإنسان نفسه وليس بين الإنسان والشيطان فقط فمفستوفيليس يستطيع الإغواء لأنه يجد داخل فاوست رغبة جاهزة للاستجابة
الجزء الثاني يوسع المساحة التي تتحرك فيها الفكرة فبدل أن تبقى الحكاية محصورة في أزمة فرد واحد تتجه إلى أسئلة أكبر تتصل بالمجتمع والسياسة والعمل والثروة والحضارة وتصبح رحلة فاوست صورة لحركة الإنسان الأوروبي وهو يحاول السيطرة على العالم وإعادة تشكيله فالإنسان الذي لم يعد يكتفي بفهم الطبيعة يريد أن يستخدمها ويحولها إلى قوة ومشروع ونظام وهنا تظهر المفارقة الكبرى فالرغبة في السيطرة قد تنتج تقدمًا لكنها قد تنتج أيضًا أشكالًا جديدة من الهيمنة
تزداد قيمة العمل حين ندرك أن غوته لم يكتب فاوست في لحظة واحدة بل امتدت علاقته بالنص سنوات طويلة ولذلك تبدو المسرحية وكأنها رحلة فكرية امتدت مع صاحبها نفسه فالجزء الأول الذي اكتمل في مطلع القرن التاسع عشر يركز بصورة أكبر على أزمة الفرد والحب والخطيئة بينما يتجه الجزء الثاني إلى عالم أكثر اتساعًا تتداخل فيه الأفكار الفلسفية مع المجتمع والسياسة والاقتصاد والحضارة وهذا الاتساع يجعل فاوست نصًا لا يمكن اختزاله في قصة رجل عقد صفقة مع الشيطان
المعنى الأعمق للعمل ربما يكمن في فكرة السعي نفسها فالإنسان الذي يتوقف تمامًا عن البحث يتحول إلى كائن مكتف بما لديه لكن الإنسان الذي يريد امتلاك كل شيء قد يتحول إلى أسير لرغبته ولذلك لا تبدو الخلاصات في فاوست مرتبطة بامتلاك المعرفة أو اللذة بقدر ارتباطها بالحركة والعمل والسعي المستمر فالقيمة لا تأتي دائمًا من الوصول إلى الإجابة النهائية وإنما من الطريقة التي يظل بها الإنسان قادرًا على تجاوز نفسه دون أن يفقد مسؤوليته الأخلاقية
فاوست في جوهره سؤال عن حدود الطموح وعن الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان حين يقرر أن حياته يجب أن تكون أكبر من حدودها الطبيعية وهو سؤال لا يخص عالمًا خياليًا أو زمنًا قديمًا فقط لأن الإنسان الحديث ما زال يبحث عن القوة والمعرفة والنجاح والخلود الرمزي وما زال يواجه السؤال نفسه ماذا يحدث عندما تتحول الرغبة في تجاوز الحدود إلى رفض كامل لفكرة الحدود وهنا تظل قيمة فاوست حاضرة لأنه لا يمنح القارئ إجابة سهلة بل يضعه أمام الإنسان في أكثر حالاته تناقضًا إنسان يريد أن يعرف أكثر ويعيش أكثر ويحقق أكثر لكنه يكتشف في كل خطوة أن تحقيق الرغبة قد يكون بداية لرغبة جديدة وأن أكبر معارك الإنسان قد لا تكون مع العالم الذي يريد تغييره وإنما مع نفسه التي لا تعرف متى يكفيها ما وصلت إليه
حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان: فاوست
المؤلف: يوهان فولفغانغ فون غوته
المترجم: عبد الرحمن بدوي
دار النشر: دار المدى للثقافة والنشر
بلد النشر: لبنان
الطبعة: الثالثة
سنة النشر: 2014
عدد الصفحات: 599 صفحة
ISBN: 9782843051166







