حين يكتشف الانسان ان التاريخ اكبر من ابطاله

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

تبدأ الحرب والسلام من عالم يبدو فيه التاريخ ملكًا للملوك والقادة والجيوش لكن الرواية سرعان ما تكشف أن التاريخ الذي يظهر في الكتب الرسمية لا يشبه دائمًا التاريخ الذي يعيشه البشر فالحرب بالنسبة إلى الإمبراطور والقائد قرار وخطة وتحرك عسكري بينما تصبح بالنسبة إلى الإنسان العادي خوفًا وفقدًا وانتظارًا وتغيرًا مفاجئًا في المصير ومن هذه المسافة بين التاريخ الكبير والحياة اليومية يبني تولستوي عالمه الواسع الذي تتداخل داخله مصائر العائلات الروسية مع التحولات السياسية والعسكرية التي اجتاحت أوروبا في زمن نابليون

تتحرك الرواية بين شخصيات كثيرة لكن بعض الشخصيات تتحول تدريجيًا إلى مراكز فكرية تحمل أسئلة العمل الأساسية مثل بيير بيزوخوف وأندريه بولكونسكي وناتاشا روستوفا فبيير يبدأ حياته وهو يمتلك المال والمكانة لكنه لا يمتلك إجابة واضحة عن معنى وجوده ولذلك يظل ينتقل بين الأفكار والتجارب والعلاقات بحثًا عن شيء يمنح حياته اتجاهًا حقيقيًا أما أندريه فيدخل عالم الحرب وفي داخله رغبة في المجد وإثبات الذات لكنه يكتشف أن الصورة التي صنعها الإنسان عن البطولة يمكن أن تنهار أمام لحظة واحدة تكشف له هشاشة الحياة

تظهر ناتاشا بصورة مختلفة لأنها تمثل الحياة وهي تتحرك بعفوية قبل أن تحاول الشخصيات الأخرى تفسيرها ففرحها وحبها وأخطاؤها ونضجها تجعلها أقرب إلى نبض الحياة اليومية من كونها مجرد شخصية روائية ولذلك تصبح تجربتها جزءًا من الفكرة الكبرى التي يبنيها تولستوي وهي أن الإنسان لا يعيش وفق النظريات التي يصنعها عن نفسه وإنما يتغير من خلال التجربة والوقت والخسارة والعلاقات

تزداد أهمية الحرب عندما تصل الجيوش الفرنسية إلى الأراضي الروسية لأن الصراع لا يعود مجرد خلفية للأحداث بل يصبح قوة تدخل في حياة الجميع ومع ذلك يرفض تولستوي الصورة التقليدية التي تجعل التاريخ نتيجة عبقرية قائد واحد فهو يرى أن الأحداث الكبرى تتكون من ملايين الأفعال الصغيرة التي يقوم بها أفراد مختلفون وكل واحد منهم يتصرف وفق ظروفه ومعلوماته ومخاوفه ورغباته ولذلك يصبح تفسير التاريخ من خلال إرادة شخص واحد تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا

تظهر معركة بورودينو بوصفها لحظة كاشفة لهذا التصور فالجنود والقادة يدخلون المعركة وكل طرف يحمل تصورًا عن الخطة والسيطرة لكن الواقع الميداني لا يسير بالطريقة التي يتخيلها العقل فالفوضى والصدفة والخوف والارتباك وحركة آلاف الأشخاص تجعل النتيجة أكبر من قدرة أي قائد على التحكم فيها ومن هنا يتحول نقد فكرة البطل التاريخي إلى سؤال فلسفي عن حدود الإرادة الفردية نفسها

يكتسب بيير بعدًا جديدًا حين يجد نفسه قريبًا من الحرب بصورة لم يتوقعها فالتجربة تقربه من البسطاء وتدفعه إلى إعادة النظر في أفكاره السابقة عن المجتمع والحياة ويصبح البحث عن معنى الوجود أقل ارتباطًا بالنظريات وأكثر ارتباطًا بالتجربة الإنسانية المباشرة أما أندريه فتقوده تجاربه إلى إدراك مختلف لطبيعة المجد والحياة والموت ويصبح ما كان يراه مهمًا في شبابه أقل بريقًا حين يقترب من الحقيقة التي حاول الإنسان دائمًا أن يؤجل مواجهتها

الحب في الرواية لا يأتي بوصفه حكاية رومانسية منفصلة عن التاريخ لأن العلاقات نفسها تتغير تحت ضغط الحرب والطبقة الاجتماعية والمال والتوقعات العائلية ولذلك يصبح الحب اختبارًا للنضج وليس مجرد شعور فالشخصيات تتعلم أن الانجذاب الأول لا يكفي وأن العلاقات تحتاج إلى معرفة الذات وفهم الآخر والقدرة على تحمل المسؤولية والاعتراف بالأخطاء

تقدم الرواية أيضًا صورة واسعة للمجتمع الروسي بطبقاته المختلفة وتكشف كيف يمكن للترف أن يعيش بجوار الفقر وكيف تتأثر العلاقات الشخصية بالقواعد الاجتماعية وكيف يصبح الزواج أحيانًا قرارًا عائليًا واقتصاديًا أكثر منه اختيارًا عاطفيًا ومع ذلك لا يحصر تولستوي الإنسان في طبقته لأن الشخصيات تتغير عندما تصطدم بالحياة الحقيقية وتكتشف أن المال والمكانة لا يمنحان صاحبهما بالضرورة الطمأنينة

تصل الأسئلة الفلسفية إلى ذروتها عندما يحاول تولستوي تفسير حركة التاريخ نفسه فالأفراد يريدون أن يصدقوا أنهم يصنعون الأحداث لكن الأحداث في كثير من الأحيان تدفعهم في اتجاهات لم يخططوا لها وهنا تصبح الحرية أكثر تعقيدًا لأن الإنسان يملك قراراته الصغيرة لكنه يتحرك داخل شبكة ضخمة من الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية ولذلك لا يمكن فهم التاريخ باعتباره سلسلة من القرارات الفردية فقط

الحرب والسلام في جوهرها رواية عن البحث عن معنى وسط عالم لا يتوقف عن التغير فالحرب تكشف هشاشة الإنسان والسلام يكشف حاجته إلى الاستقرار والحب يكشف حاجته إلى الآخر والخسارة تكشف قيمة الأشياء التي اعتاد وجودها أما الزمن فيكشف أن الإنسان الذي كان يظن أنه يعرف نفسه قد يكتشف بعد سنوات أنه كان يعيش بصورة مختلفة تمامًا عما تصور

تظل قوة الرواية في أنها لا تفصل بين الخاص والعام فمصير أسرة واحدة يمكن أن يتغير بسبب قرار عسكري بعيد وحب شخصين يمكن أن يتأثر بحركة جيش وموت جندي مجهول يمكن أن يكون جزءًا من حدث سيغير شكل دولة كاملة وهكذا يصبح التاريخ في يد تولستوي ليس سجلًا للمعارك والملوك وإنما شبكة هائلة من الحيوات الفردية التي تتحرك معًا وتتصادم وتتفرق ثم تستمر في البحث عن معنى للحياة

حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان: الحرب والسلم

المؤلف: ليو تولستوي

المترجمون: سامي الدروبي وصياح الجهيم

دار النشر: دار التنوير ودار المدى للنشر والتوزيع

بلد النشر: لبنان

الطبعة: طبعة عربية كاملة من أربعة أجزاء

سنة النشر: 2017

عدد الصفحات: 2515 صفحة

ISBN: 9789938886948

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *