الإنسان يبحث عن المعنى.. ماذا يبقى للإنسان عندما يفقد كل شيء؟

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ماذا يبقى للإنسان عندما تُسلب منه أشياء كثيرة كان يعتقد أنها تصنع حياته؟ وماذا يمكن أن يمنحه القدرة على الاستمرار عندما يصبح الألم أكبر من قدرته على الاحتمال؟ من هذه المنطقة شديدة القسوة يكتب الطبيب النفسي النمساوي”فيكتور فرانكل”كتابه”الإنسان يبحث عن المعنى”وهو كتاب يجمع بين السيرة الشخصية والتأمل النفسي والفلسفي، ويستند إلى تجربة المؤلف في معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن ينتقل إلى شرح أفكاره حول العلاج بالمعنى.

ربما يمكن اختصار الرسالة الأساسية للكتاب في أن الإنسان لا يعيش بالاحتياجات المادية وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى سبب يمنح وجوده معنى.

ومن خلال تجربته في معسكرات الاعتقال، يصف المؤلف كيف يمكن للإنسان أن يتعرض لظروف تسلبه الكثير من عناصر حياته السابقة: الحرية، الممتلكات، الأمان، المكانة الاجتماعية، وحتى القدرة على تحديد تفاصيل يومه.

وفي المقابل، يرى أن وجود معنى أو غاية يمكن أن يصبح مصدراً من مصادر القدرة على الاستمرار، لكن من المهم هنا قراءة فرانكل بحذر؛ فهو لا يقول إن المعنى يلغي الألم، ولا إن الإنسان يستطيع التحكم في كل ما يحدث له، إنما يناقش مساحة أكثر محدودية: كيف يتعامل الإنسان مع الظروف التي لا يستطيع تغييرها؟

البحث عن المعنى يمثل دافعاً أساسياً في حياة الإنسان:

وهنا يختلف فرانكل عن بعض التصورات النفسية التي تجعل البحث عن المتعة أو تجنب الألم محوراً أساسياً للسلوك الإنساني؛ فالإنسان قد يتحمل قدراً كبيراً من المشقة عندما يشعر أن وراء هذا التحمل غاية تستحق، لكن الكتاب لا يتعامل مع المعنى باعتباره فكرة واحدة ثابتة تصلح للجميع؛ فالمعنى يمكن أن يختلف من شخص إلى آخر، بل يمكن أن يتغير بالنسبة للشخص نفسه من مرحلة إلى أخرى.

أهمية الحب:

يرى المؤلف أن الإنسان يستطيع أن يجد معنى عميقاً من خلال علاقته بشخص يحبه، حتى في غيابه.

الإنسان قد لا يستطيع تغيير الظروف الخارجية دائماً:

يمكنه أن يبحث عن مساحة من الحرية الداخلية في طريقة استجابته لها، ومن هنا تتصل تجربة المؤلف بفكرة أوسع: الإنسان ليس مجرد نتيجة للظروف التي يعيشها، رغم أن الظروف يمكن أن تقيده وتؤثر فيه بصورة شديدة.

وبعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب وهي أن:

البحث عن المعنى يمكن أن يكون دافعاً أساسياً في حياة الإنسان.
الإنسان قد يجد معنى من خلال العمل أو الإبداع أو المسؤولية تجاه الآخرين.
الحب والعلاقات الإنسانية يمكن أن يمنحا الحياة معنى عميقاً.
مواجهة المعاناة بطريقة معينة لا تعني أن المعاناة أصبحت جيدة أو مرغوبة.
هناك ظروف لا يستطيع الإنسان تغييرها، وفي هذه الحالات يصبح السؤال متعلقاً بطريقة التعامل معها.
معنى الحياة ليس واحداً عند جميع البشر، وإنما يرتبط بتجربة كل إنسان وظروفه ومسؤولياته.
الإنسان يحتاج إلى غاية تتجاوز مجرد البحث عن الراحة والمتعة.
الحرية الداخلية مهمة، لكنها ليست حرية مطلقة من الظروف الخارجية.
الألم لا يحمل معنى تلقائياً؛ وإنما قد يستطيع الإنسان أن يستخرج منه معنى عندما يواجه ظروفاً لا يمكن تغييرها.
المسؤولية عن الحياة لا تعني تحميل الإنسان مسؤولية كل ما يحدث له.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

الكتاب لا يخاطب المتخصصين في علم النفس فقط، وإنما يمتد إلى كل إنسان يمر بمرحلة يبحث فيها عن معنى لما يفعله أو لما يعيشه.

وقد يجد فيه القارئ الذي يواجه أزمة شخصية أو مهنية، أو يشعر بفقدان الهدف، مساحة للتأمل في علاقته بحياته.

كما يمكن أن يكون مهماً للمتخصصين والمهتمين بعلم النفس والعلاج النفسي والفلسفة الوجودية، لأن الكتاب يقدم مدخلاً إلى مفهوم العلاج بالمعنى الذي ارتبط باسم فرانكل.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أهم نقاط قوة الكتاب أنه لا يقدم أفكاره من فراغ نظري؛ لكن المؤلف يكتب انطلاقاً من تجربة شخصية شديدة القسوة، ثم يحاول تحويل هذه التجربة إلى أسئلة نفسية وفلسفية.

كما أن الجمع بين السيرة والتأمل النفسي يجعل الكتاب مختلفاً عن الكتب النظرية الجافة؛ فالقارئ لا يواجه مفاهيم مجردة فقط، وإنما يراها مرتبطة بتجربة إنسانية حقيقية.

وتتميز الفكرة الأساسية كذلك ببساطتها وقابليتها للتأمل: الإنسان يحتاج إلى معنى، والمعنى يمكن أن يتغير ويتعدد من شخص إلى آخر.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أول هذه المفاهيم هو: هل تحتاج الحياة فعلاً إلى معنى؟ قد يرى البعض أن الإنسان يستطيع أن يعيش من خلال تفاصيل يومه وعلاقاته وأهدافه الصغيرة دون البحث عن معنى فلسفي كبير، لكن المؤلف يلفت الانتباه إلى أن الإنسان، في لحظات الأزمات الكبرى، قد يبدأ بصورة تلقائية في طرح أسئلة لم يكن يطرحها في الظروف العادية.

أما المفهوم الثاني فهو: هل يمكن تحويل المعاناة إلى معنى؟ نعم قد يستطيع الإنسان أن يفعل ذلك في بعض الحالات، لكن هذا لا يعني أن كل معاناة تحمل رسالة، أو أن الألم ضروري للنضج. فقد يكون من المشروع تماماً أن يحاول الإنسان التخلص من الألم بدلاً من البحث عن معنى له، وهنا تظهر أهمية القراءة المتوازنة للمؤلف؛ فالهدف ليس تقديس المعاناة، وإنما فهم إمكانية الإنسان في التعامل معها عندما تصبح واقعاً لا يمكن تغييره فوراً.

في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: الإنسان يبحث عن المعنى
المؤلف: فيكتور فرانكل
دار النشر: دار القلم للنسخة العربية
بلد النشر: مصر، للنسخة العربية
الطبعة: طبعات متعددة
سنة النشر: 2017 للطبعة العربية
عدد الصفحات: 212 صفحة
ISBN: 9789775550989

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *