المهارة أول الطريق.. لماذا يحتاج الاقتصاد المصري إلى جيل يعرف كيف يصنع فرصته؟

لم يعد الحصول على وظيفة هو التحدي الوحيد أمام الشباب، فالسوق نفسه يتغير بسرعة، والوظائف التي كانت مطلوبة بالأمس قد تتغير طبيعتها غدًا، بينما تظهر مهن جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة تمامًا.

وهنا يصبح السؤال أكبر من «أين أجد فرصة عمل؟»، ليصبح: ماذا أستطيع أن أقدم عندما تأتي الفرصة؟

هذه النقطة تحديدًا أصبحت جزءًا مهمًا من النقاش حول مستقبل الاقتصاد المصري، لأن قوة أي اقتصاد لا تقاس فقط بعدد المشروعات التي يتم تنفيذها، وإنما أيضًا بقدرة العاملين فيه على تشغيل هذه المشروعات وتطويرها وتحقيق قيمة مضافة من خلالها.

الشهادة الجامعية تظل مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية في كثير من المجالات.

الشركات تبحث عن شخص يستطيع أن يتعامل مع التكنولوجيا، ويفهم أدوات العمل الحديثة، ويجيد التواصل، ويعرف كيف يحل مشكلة، ويستطيع أن يتعلم مهارة جديدة عندما تتغير طبيعة الوظيفة.

وهذا يعني أن مفهوم التعليم نفسه يحتاج إلى أن يكون أكثر ارتباطًا بسوق العمل.

فالشاب الذي يتعلم مهارة عملية إلى جانب دراسته، ويعرف كيف يستخدم التكنولوجيا، ويفهم أساسيات الإدارة والتسويق والتمويل، يصبح لديه أكثر من طريق للدخول إلى سوق العمل.

قد تنجح دولة في إنشاء مصنع جديد، لكن المصنع يحتاج إلى مهندسين وفنيين وعمال ومشرفين ومديري إنتاج ومختصين في الجودة والتسويق وسلاسل الإمداد.

والأمر نفسه ينطبق على السياحة والزراعة والصناعات الغذائية واللوجستيات والتكنولوجيا والطاقة والخدمات.

لذلك فإن الحديث عن التنمية الاقتصادية يجب أن يتضمن سؤالًا أساسيًا: هل لدينا المهارات التي تحتاجها القطاعات التي نريد أن تنمو؟

الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تحدد جزءًا كبيرًا من شكل سوق العمل خلال السنوات المقبلة.

واحدة من أهم التحولات المطلوبة هي أن يتغير تفكير الشباب من البحث عن «وظيفة فقط» إلى البحث عن قيمة يمكن تقديمها.

قد تكون هذه القيمة في مهارة تقنية، أو حرفة متخصصة، أو فكرة مشروع، أو قدرة على العمل في مجال جديد، أو حتى مهارة بسيطة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مصدر دخل.

وهنا تظهر أهمية التدريب المهني والتقني، وبرامج إعادة التأهيل، والتدريب على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والمهارات الإدارية واللغات والتسويق الرقمي.

فالاقتصاد الحديث لا يحتاج فقط إلى أصحاب الشهادات، وإنما إلى أشخاص يستطيعون تحويل المعرفة إلى عمل ونتيجة.

التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي يجعل قضية تنمية المهارات أكثر إلحاحًا.

المطلوب ليس أن يخاف الشباب من التكنولوجيا أو يتعاملوا معها باعتبارها تهديدًا، وإنما أن يتعلموا استخدامها لصالحهم.

الموظف الذي يعرف كيف يستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينجز بعض المهام بصورة أسرع، وصاحب المشروع يستطيع استخدامها في التسويق وتحليل البيانات وخدمة العملاء، بينما يمكن للمتخصصين تطوير خدمات جديدة لم تكن موجودة من قبل.

فالآلة تستطيع تنفيذ مهمة، بينما تظل القدرة على التفكير والتحليل والإبداع واتخاذ القرار والتواصل مع الآخرين من المهارات التي تحتاج إلى بناء مستمر.

من الخطأ تحميل الشباب وحدهم مسؤولية تطوير أنفسهم.

فالشركات لديها دور في التدريب، والمؤسسات التعليمية مطالبة بربط المناهج بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، والحكومة لديها دور في توفير منظومة تدريب مرنة، بينما يستطيع القطاع الخاص أن يكون شريكًا في تحديد المهارات المطلوبة وتوفير فرص التدريب العملي.

وكلما أصبح هناك اتصال أكبر بين التعليم والتدريب والشركات، قلت الفجوة بين ما يتعلمه الشاب وما يحتاجه صاحب العمل.

قد نتحدث كثيرًا عن الطرق والمصانع والمشروعات والبنية التحتية، وكلها عناصر مهمة لأي اقتصاد.

لكن في النهاية، الإنسان هو الذي يشغل المصنع، ويدير الشركة، ويطور التكنولوجيا، ويقدم الخدمة، ويبتكر الحل.

ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من تنمية مهارات الإنسان.

والمجتمعات التي تستطيع أن تمنح أبناءها فرصة للتعلم المستمر، وتطوير مهاراتهم، وتجربة أفكارهم، وإعادة تأهيل أنفسهم مع تغير السوق، ستكون أكثر قدرة على التعامل مع التحولات الاقتصادية المقبلة.

المعادلة في النهاية بسيطة: اقتصاد قوي يحتاج إلى إنتاج قوي، والإنتاج القوي يحتاج إلى إنسان يمتلك المهارة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا خلال السنوات المقبلة ليس فقط: كم فرصة عمل يمكن توفيرها؟

بل أيضًا: كم شابًا نستطيع أن نؤهله ليكون قادرًا على صناعة الفرصة بنفسه؟

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *