هل يستطيع المال ان يشتري لنا السعاده

تمهيد

دروس في السعادة يسردها خبير في الاقتصاد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرًا في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

السعادة تبدو للوهلة الأولى موضوعًا بعيدًا عن عالم الاقتصاد فالأرقام تقيس الدخل والإنتاج والاستهلاك بينما السعادة تبدو شعورًا شخصيًا يصعب وضعه داخل جدول أو حساب لكن ريتشارد إيسترلين ينطلق من فكرة مختلفة وهي أن الاقتصاد لا يستطيع أن يفهم حياة الإنسان بصورة كاملة إذا اكتفى بقياس ما يمتلكه الإنسان وتجاهل الطريقة التي يشعر بها تجاه حياته

زيادة الدخل تمنح الإنسان قدرة أكبر على الحصول على احتياجاته وتحسين ظروفه لكن العلاقة بين المال والسعادة ليست بسيطة فاحتياجات الإنسان تتغير مع ارتفاع دخله وما كان يبدو رفاهية في مرحلة معينة يمكن أن يتحول بعد سنوات إلى شيء يراه الإنسان ضروريًا وهكذا لا يتحرك الرضا بالضرورة بنفس سرعة تحرك الدخل

المشكلة تصبح أكثر وضوحًا عندما يدخل عنصر المقارنة فالإنسان لا ينظر إلى دخله في عزلة وإنما يقارنه غالبًا بما يحصل عليه الآخرون وما يعتبره المجتمع مستوى مناسبًا للحياة ولهذا يمكن أن يشعر شخص بالرضا في ظروف معينة ثم يشعر بعدم الرضا عندما تتغير البيئة المحيطة به حتى لو لم تتغير موارده بشكل كبير

المقارنة تجعل السعادة مرتبطة بالمجتمع وليس بالفرد وحده فالإنسان يتأثر بعائلته وأصدقائه وزملائه وبالطبقة الاجتماعية التي يعيش داخلها وبالصورة التي يرى نفسه بها أمام الآخرين ولذلك فإن محاولة فهم السعادة تحتاج إلى النظر إلى العلاقات والبيئة الاجتماعية إلى جانب المال

العمل يمثل عنصرًا آخر في المعادلة فالوظيفة لا تمنح الإنسان دخلًا فقط وإنما تمنحه مكانة وشعورًا بالقدرة على الإنجاز وأحيانًا تمنحه معنى لحياته بينما يمكن أن يؤدي العمل غير المستقر أو المرهق إلى آثار تتجاوز انخفاض الدخل لتصل إلى الإحساس بعدم الأمان وفقدان السيطرة على المستقبل

الصحة كذلك تدخل في قلب العلاقة بين الاقتصاد والسعادة فالمال يمكن أن يساعد الإنسان في الوصول إلى العلاج والرعاية والخدمات لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن حياة صحية ولهذا فإن المجتمعات التي تريد تحسين مستوى حياة سكانها تحتاج إلى النظر إلى الخدمات الصحية والتعليمية والبيئة الآمنة باعتبارها عناصر أساسية في الرفاه

العلاقات الإنسانية تظهر باعتبارها واحدة من أكثر العوامل تأثيرًا في شعور الإنسان بجودة حياته فالأسرة والصداقة والانتماء والتواصل مع الآخرين يمكن أن تمنح الإنسان دعمًا لا يستطيع المال توفيره بنفس الطريقة وهذا يجعل الاقتصاد أمام حقيقة مهمة وهي أن جزءًا كبيرًا من قيمة الحياة لا يتم إنتاجه داخل الأسواق

ينتقل التفكير هنا من سؤال كم نملك إلى سؤال كيف نعيش بما نملك فقد يستطيع شخصان امتلاك الدخل نفسه لكن تجربتهما الحياتية تكون مختلفة تمامًا بسبب اختلاف ظروف العمل والعائلة والصحة والوقت والعلاقات ولذلك يصبح قياس مستوى الحياة من خلال المال وحده صورة ناقصة

الكتاب يلفت النظر كذلك إلى مشكلة التوقعات فالإنسان لا يقيس حياته فقط بما لديه الآن وإنما بما كان يتوقع أن يحصل عليه وبما يعتقد أنه يستحقه وكلما ارتفعت التوقعات أصبحت الزيادة في الموارد أقل قدرة على صناعة الشعور نفسه بالرضا وهذا يفسر لماذا لا تستمر السعادة الناتجة عن تحسن الظروف المادية بالضرورة بنفس القوة إلى الأبد

الزمن يلعب دورًا مهمًا أيضًا فالإنسان يتغير مع عمره وتتغير أولوياته وتوقعاته وتصبح بعض الأشياء التي كانت مهمة في مرحلة معينة أقل أهمية في مرحلة أخرى ولذلك فإن السعادة ليست حالة ثابتة وإنما تجربة تتأثر بتطور الحياة نفسها

هذه الرؤية تضع النمو الاقتصادي أمام سؤال مختلف فارتفاع الإنتاج والدخل يمكن أن يساعد المجتمع على تحسين ظروف المعيشة لكنه لا يعني بالضرورة أن كل فرد أصبح أكثر رضا عن حياته بنفس النسبة ولذلك فإن الاقتصار على المؤشرات الاقتصادية التقليدية قد يخفي جوانب مهمة من التجربة الإنسانية

القيمة الأساسية في هذا النوع من التفكير أنه يحاول توسيع معنى النجاح الاقتصادي فالاقتصاد لا يصبح أكثر إنسانية بمجرد زيادة الأرقام وإنما عندما يسأل عن أثر هذه الأرقام في حياة الناس وعندما ينظر إلى الوقت والصحة والعلاقات والأمان والقدرة على الاختيار باعتبارها عناصر حقيقية في جودة الحياة

السعادة هنا لا تظهر باعتبارها هدفًا بسيطًا يمكن للحكومة أو المال أن يضمنه للجميع وإنما باعتبارها نتيجة معقدة تتداخل فيها الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والشخصية ولهذا فإن السياسات التي تحسن حياة الناس تحتاج إلى النظر إلى الإنسان بصورة أوسع من كونه مستهلكًا أو عاملًا أو رقمًا داخل إحصائية

أهمية الكتاب تكمن في أنه يفتح بابًا لإعادة التفكير في معنى الثراء فالثراء ليس فقط مقدار ما يوجد في الحساب أو حجم ما يستطيع الإنسان شراءه وإنما يمكن أن يظهر أيضًا في مقدار الوقت الذي يملكه وفي جودة علاقاته وفي قدرته على الشعور بالأمان وفي فرصه للتعلم والعمل والاختيار

دروس في السعادة يسردها خبير في الاقتصاد يضع الإنسان في قلب السؤال الاقتصادي ويجعلنا ننظر إلى المال باعتباره وسيلة وليس غاية نهائية فزيادة الموارد يمكن أن تحسن الحياة لكنها لا تختصر الحياة نفسها والسؤال الذي يبقى بعد القراءة ليس كم نحتاج من المال حتى نكون سعداء وإنما كيف يمكن أن تتحول الموارد التي نمتلكها إلى حياة أكثر استقرارًا ورضا ومعنى

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

العنوان دروس في السعادة يسردها خبير في الاقتصاد

المؤلف ريتشارد أ إيسترلين

المترجم ربيع هندي

دار النشر الدار العربية للعلوم ناشرون

بلد النشر لبنان

الطبعة الطبعة العربية

سنة النشر غير موضحة في بيانات الناشر الحالية

عدد الصفحات 240 صفحة

ISBN 9786140133891

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *