قراءة في كتاب جسمك يتذكر كل شئ–The Body Keeps the Score– المؤلف بيسل فان دير كولك 

 

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

كل إنسان يحمل في داخله ذاكرة لا تسكن العقل وحده، فبعض التجارب لا تنتهي عندما ينتهي الحدث، وإنما تظل عالقة في الجسد، تظهر في نبض القلب، واضطراب النوم، وتوتر العضلات، ونوبات الخوف، والحذر المستمر، وربما في ردود أفعال لا يفهم الإنسان سببها، ومن هنا ينطلق بيسل فان دير كولك في هذا الكتاب ليطرح سؤالا شديد العمق: ماذا يحدث للإنسان عندما يمر بتجربة مؤلمة تفوق قدرته على الاحتمال؟، يوضح الكتاب أن الصدمة النفسية ليست مجرد ذكرى سيئة يمكن للعقل أن ينساها مع مرور الوقت، بل قد تعيد تشكيل الطريقة التي يشعر بها الإنسان بالأمان وبنفسه وبالآخرين وبالعالم من حوله، ولذلك فإن فهم آثار الصدمة يحتاج إلى النظر إلى الإنسان كله، إلى عقله وجسده ومشاعره وعلاقاته، لا إلى الذاكرة وحدها.

يرى المؤلف أن الصدمة تحدث عندما يعجز الإنسان عن معالجة تجربة مؤلمة أو مخيفة بطريقة تسمح له بالعودة إلى الإحساس الطبيعي بالأمان، ولهذا قد يستمر الماضي في التأثير في الحاضر حتى بعد انتهاء الخطر، فالعقل يعرف أن الحدث انتهى، لكن الجسد قد يتصرف وكأن الخطر لا يزال موجودا، وقد يكفي صوت أو رائحة أو موقف أو كلمة لتعيد الإحساس القديم بصورة مفاجئة، وهنا لا يكون الإنسان بالضرورة مبالغا في رد فعله، بل قد يكون جهازه العصبي قد تعلم أن يبقى مستعدا للخطر، وكأن الماضي لم يغادر تماما، وكأن الجسد يقول للإنسان بصمته المتوتر: “انتبه، ربما يحدث الأمر من جديد”.

ويشرح الكتاب أن آثار الصدمة يمكن أن تظهر بطرق متعددة، فقد يعيش الإنسان حالة من اليقظة المفرطة، فيراقب المحيطين به باستمرار ويبحث عن علامات الخطر، وقد يصبح سريع الانفعال أو شديد الحساسية، وقد يجد صعوبة في النوم أو التركيز، بينما قد يسلك شخص آخر الطريق المعاكس تماما، فينفصل عن مشاعره ويشعر وكأنه بعيد عن نفسه أو عن العالم، وهذه الاستجابات المختلفة ليست بالضرورة اختيارا واعيا، وإنما محاولات من الجهاز العصبي لحماية الإنسان عندما يشعر بأنه لا يستطيع مواجهة الخطر بطريقة طبيعية، فمرة يحاول الجسد الاستعداد للمواجهة، ومرة يحاول الهروب، ومرة يبحث عن طريقة للتجمد والانفصال حتى يصبح الألم أقل حضورا.

ومن الأفكار المحورية في الكتاب أن الصدمة لا تؤثر في الذكريات فقط، وإنما يمكن أن تؤثر في علاقة الإنسان بجسده، فالإنسان الذي مر بتجارب مؤلمة قد يصبح منفصلا عن إشارات جسده، فلا يعرف متى يكون متوترا إلا بعد أن يصل التوتر إلى ذروته، أو لا يستطيع تفسير سبب الخفقان أو ضيق التنفس أو انقباض المعدة، وقد يحاول التخلص من هذه الأحاسيس بدل الإصغاء إليها، بينما يرى المؤلف أن استعادة الشعور بالجسد يمكن أن تكون جزءًا مهما من طريق التعافي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يشعر بالأمان بصورة كاملة إذا كان يعيش منفصلا عن الإشارات التي يخبره بها جسده.

ويولي الكتاب أهمية كبيرة للعلاقة بين الصدمة والطفولة، لأن الطفل لا يمتلك دائمًا القدرة على فهم الأحداث المؤلمة أو الهروب منها، وقد تكون الأسرة نفسها مصدر الأمان ومصدر الخوف في الوقت ذاته، وهو تناقض شديد الصعوبة على عقل الطفل، فإذا تعرض للإهمال أو العنف أو الخوف المستمر فقد يتعلم أن العالم مكان غير آمن، وأن الحب قد يأتي معه الألم، وأن القرب قد يعني الخطر، وقد تستمر هذه الدروس غير المرئية في التأثير في علاقاته عندما يكبر، فيصبح أكثر خوفا من الرفض أو أكثر صعوبة في الثقة أو أكثر استعدادا للانسحاب، ولهذا لا يمكن فهم بعض أنماط العلاقات دون النظر إلى التجارب التي علمت الإنسان منذ البداية معنى الأمان ومعنى الخوف.

ولا يحصر فان دير كولك التعافي في الحديث عن الماضي، بل يفتح الباب أمام مجموعة متنوعة من الطرق التي يمكن أن تساعد الإنسان على استعادة الشعور بالأمان والسيطرة على حياته، ومن بينها العلاج بالكلام، والعلاج الذي يساعد على فهم الذكريات الصادمة، والممارسات التي تعيد الإنسان إلى الإحساس بجسده، مثل الحركة واليوغا وبعض أشكال العلاج الجسدي، إضافة إلى الفن والموسيقى والمسرح وغيرها من الوسائل التي يمكن أن تمنح الإنسان طرقا للتعبير عما يصعب قوله بالكلمات، والفكرة الأساسية هنا أن الصدمة قد تسكن في مناطق من التجربة الإنسانية لا تصل إليها الكلمات وحدها، ولذلك قد يحتاج التعافي أحيانا إلى أكثر من مجرد سرد ما حدث.

ويتحدث الكتاب كذلك عن أهمية العلاقات الآمنة في التعافي، فالإنسان لا يتكون في العزلة، ولا يشفى دائما في العزلة، والعلاقة التي يشعر فيها الإنسان بأنه مسموع ومحترم وغير مهدد يمكن أن تمنحه تجربة مختلفة عن تلك التي عاشها في الماضي، فحين يجد الشخص مساحة يستطيع فيها أن يكون ضعيفا دون أن يُعاقب، وأن يتحدث دون أن يسخر منه، وأن يضع حدودا دون أن يخسر من يحب، يبدأ شيئا فشيئا في تعلم معنى جديد للأمان، ومن هنا تصبح العلاقات الصحية أكثر من مجرد مصدر للراحة، فقد تكون مساحة يتعلم فيها الإنسان أن القرب لا يعني الخطر، وأن الثقة لا تعني فقدان السيطرة، وأن الحب يمكن أن يكون مكانا للطمأنينة لا للخوف.

ومن الرسائل المهمة في الكتاب أن الإنسان الذي يعاني من آثار الصدمة لا يحتاج إلى أن يلام على استجاباته، لأن كثيرا من السلوكيات التي تبدو غير مفهومة من الخارج قد تكون في الأصل محاولات قديمة للحماية، فقد يكون الانسحاب وسيلة لتجنب الألم، وقد يكون الغضب محاولة لاستعادة السيطرة، وقد يكون إرضاء الآخرين طريقة لتجنب الرفض، وقد يكون العمل المفرط وسيلة للهروب من المشاعر، وعندما نفهم الوظيفة التي كان يؤديها السلوك يصبح من الممكن التعامل معه بقدر أكبر من الرحمة والوعي، فالسلوك الذي أنقذ الإنسان في وقت ما قد يصبح عبئا عليه عندما تتغير الظروف، وما كان وسيلة للبقاء قد يحتاج لاحقا إلى أن يتحول إلى وسيلة للعيش.

ويشير المؤلف إلى أن التعافي لا يعني محو الماضي أو التصرف وكأن شيئًا لم يحدث، فبعض التجارب ستظل جزءًا من قصة الإنسان، لكن الهدف هو أن تتوقف التجربة القديمة عن التحكم في الحاضر، وأن يستطيع الإنسان أن يتذكر دون أن يعيش الحدث من جديد، وأن يشعر بالخوف دون أن يصبح الخوف سيد قراراته، وأن يدخل علاقة دون أن يرى فيها بالضرورة تكرارا لكل ما حدث من قبل، فالتعافي ليس أن تنسى ما كنت عليه، وإنما أن تستعيد قدرتك على اختيار من تكون بعد ما حدث.

وفي النهاية يترك “جسمك يتذكر كل شئ” رسالة إنسانية قوية: ما يحدث لنا قد يترك أثرا فينا، لكن الأثر ليس بالضرورة قدرا أبديا، فالإنسان أكثر تعقيدا وأكثر مرونة مما توحي به جراحه، والجسد الذي تعلم الخوف يستطيع أن يتعلم الأمان، والعقل الذي اعتاد التأهب يستطيع أن يتعلم الهدوء، والإنسان الذي فقد ثقته بنفسه يستطيع أن يبدأ رحلة استعادتها، ولذلك فإن فهم الصدمة لا ينبغي أن يكون بحثا عن عيوب في الإنسان، بل محاولة لفهم الطرق التي حاول بها أن ينجو، وحين يتحول السؤال من ما خطبك؟، إلى ماذا حدث لك؟، تتغير نظرتنا إلى الألم، وربما تبدأ الرحمة من تلك اللحظة، لأن وراء كل استجابة غريبة قصة لم تفهم بعد، ووراء كل جسد متوتر ذاكرة تبحث عن الأمان، ووراء كل إنسان يحاول النجاة فرصة لأن يتعلم من جديد كيف يعيش لا كيف ينجو فقط

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: جسمك يتذكر كل شئ “The Body Keeps the Score”

المؤلف: بيسل فان دير كولك “Bessel van der Kolk”

دار النشر: Viking

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2014

عدد الصفحات: 464 صفحة

ISBN: 9780670785933

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *