يقدم الدكتور إبراهيم الفقي في كتابه «علم التنويم بالإيحاء» مدخلًا إلى عالم العقل الباطن والإيحاء والتأثير في الأفكار والمشاعر والسلوك، محاولًا تبسيط مجموعة من المفاهيم المرتبطة بقدرة الإنسان على تغيير عاداته وأنماط تفكيره من خلال فهم الطريقة التي يعمل بها العقل، وكيف يمكن للأفكار المتكررة أن تتحول مع الوقت إلى قناعات ثم إلى سلوك.
ما يتنبأ به الكاتب
وينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لا يتصرف دائمًا بناءً على قرارات واعية ومدروسة، وإنما تتدخل في سلوكه مجموعة كبيرة من الأفكار والمعتقدات والخبرات السابقة التي تراكمت داخله، وأصبح بعضها يعمل بصورة تلقائية. ومن هنا يرى الفقي أن فهم العقل الباطن يمثل خطوة مهمة لكل شخص يريد أن يغير جانبًا من حياته أو يتخلص من عادة أو يكتسب سلوكًا جديدًا.
ويحاول الكتاب توضيح الفرق بين العقل الواعي والعقل الباطن، فالعقل الواعي يرتبط بالتفكير والتحليل واتخاذ القرارات، بينما يحتفظ العقل الباطن بالكثير من الخبرات والمعلومات والعادات والانفعالات التي اكتسبها الإنسان على مدار حياته. ولهذا قد يجد الإنسان نفسه أحيانًا يقوم بتصرف معين بصورة تلقائية، أو يشعر بالخوف من موقف دون أن يعرف السبب المباشر وراء هذا الشعور.
ومن هنا يظهر مفهوم «الإيحاء» باعتباره أحد العناصر الأساسية التي يناقشها الكتاب. فالإيحاء، وفق الطرح الذي يقدمه الفقي، يمكن أن يؤثر في طريقة تفكير الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى العالم المحيط به. والكلمة التي يسمعها الإنسان بصورة متكررة، والفكرة التي يرددها في داخله باستمرار، قد تتحول مع الوقت إلى اعتقاد راسخ يؤثر في تصرفاته.
فالإنسان الذي يكرر لنفسه أنه غير قادر على النجاح قد يبدأ في التعامل مع الفشل باعتباره نتيجة طبيعية، بينما الشخص الذي يوجه تفكيره نحو القدرة على التعلم والمحاولة يمكن أن يكتسب دافعًا أكبر للاستمرار. ولذلك يهتم الكتاب بقوة الكلمات والأفكار، ليس باعتبارها مجرد عبارات، وإنما باعتبارها جزءًا من البناء النفسي الذي يؤثر في السلوك.
ويشرح الكتاب أن الإنسان يتعرض للإيحاء بصورة مستمرة، سواء انتبه إلى ذلك أم لم ينتبه. فالأسرة والمدرسة والأصدقاء ووسائل الإعلام والتجارب الشخصية كلها يمكن أن تترك أثرًا في طريقة تفكير الإنسان. وقد يحمل الشخص معه أفكارًا عن نفسه أو الآخرين منذ طفولته، ثم يستمر في التصرف على أساسها لسنوات دون أن يتوقف ليسأل نفسه من أين جاءت هذه الأفكار وهل ما زالت صحيحة أم لا.
ومن الجوانب التي يركز عليها الكتاب أيضًا فكرة الاسترخاء، باعتبارها حالة تساعد الإنسان على تهدئة ذهنه وتقليل التوتر والانشغال، بما يسمح له بالتركيز بصورة أكبر. ويقدم الفقي مفهوم التنويم بالإيحاء في إطار مختلف عن الصورة الشائعة التي يتخيل فيها البعض أن الشخص يفقد السيطرة على نفسه أو يصبح تحت سيطرة شخص آخر.
فالتنويم، كما يقدمه الكتاب، يرتبط بحالة من التركيز والاسترخاء يمكن خلالها توجيه الانتباه نحو أفكار أو صور ذهنية معينة. والإنسان في هذه الحالة لا يصبح بالضرورة فاقدًا للوعي، وإنما يكون أكثر تركيزًا على ما يوجه إليه انتباهه.
ويشير الكتاب إلى أن الإنسان يمر في حياته اليومية بحالات قريبة من التركيز الشديد أو الشرود، عندما ينشغل بفكرة أو موقف لدرجة أنه لا ينتبه بصورة كاملة لما يحدث حوله. ومن هذا المنطلق يحاول الفقي توضيح أن حالات التركيز والاسترخاء ليست غريبة تمامًا عن التجربة الإنسانية.
ويرتبط التنويم بالإيحاء كذلك بفكرة التصور الذهني. فالإنسان يستطيع أن يتخيل موقفًا أو هدفًا أو سلوكًا بصورة متكررة، ومع استمرار التدريب يمكن أن يصبح أكثر استعدادًا للتعامل معه. ولهذا يستخدم الكتاب التصور باعتباره وسيلة تساعد الإنسان على إعادة تنظيم أفكاره وتركيزه على النتائج التي يريد الوصول إليها.
لكن الفكرة الأهم أن التغيير لا يحدث بمجرد التفكير في النجاح أو ترديد عبارات إيجابية بصورة آلية. فالإيحاء يمكن أن يساعد الإنسان على إعادة توجيه تفكيره، لكن السلوك والعمل يظلان عنصرين أساسيين في الوصول إلى النتائج. فلا يمكن لفكرة إيجابية وحدها أن تحقق هدفًا دون أن تتحول إلى خطوات عملية.
ومن الأفكار التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن العادات لا تتكون في لحظة واحدة، وإنما تتشكل من خلال التكرار. فالإنسان عندما يكرر سلوكًا معينًا لفترة طويلة يصبح هذا السلوك أكثر سهولة وتلقائية. ولذلك فإن تغيير العادات يحتاج أيضًا إلى التكرار والصبر، وليس إلى قرار لحظي فقط.
ويتناول الكتاب كذلك أثر الخوف والقلق في حياة الإنسان. فالخوف يمكن أن يكون استجابة طبيعية لحماية الإنسان، لكنه قد يتحول في بعض الحالات إلى حاجز يمنعه من تجربة أشياء جديدة أو مواجهة مواقف معينة. وهنا يمكن أن يساعد تغيير طريقة التفكير وإعادة بناء التصورات المرتبطة بالموقف على التعامل معه بصورة مختلفة.
ويظهر في هذا السياق مفهوم الثقة بالنفس، فالإنسان الذي يحمل صورة سلبية عن قدراته قد يضع لنفسه حدودًا قبل أن يبدأ، بينما يساعد بناء صورة أكثر واقعية وإيجابية عن الذات على خوض التجارب بصورة أكثر ثباتًا. ولذلك يهتم الفقي بالأفكار التي يكررها الإنسان عن نفسه، لأن الإنسان قد يصبح مع الوقت أسيرًا للصورة التي صنعها عن ذاته.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى أهمية اللغة التي يستخدمها الإنسان مع نفسه ومع الآخرين. فالكلمات ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما يمكن أن تؤثر في المشاعر والدوافع. ولهذا فإن تغيير بعض العبارات السلبية المتكررة إلى عبارات أكثر واقعية وإيجابية يمكن أن يساعد في تغيير الحالة النفسية وطريقة التعامل مع المواقف.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الإيحاء لا يكون دائمًا إيجابيًا. فالإنسان قد يتلقى إيحاءات سلبية من البيئة المحيطة به، أو من تجارب قديمة، أو من أشخاص يكررون أمامه عبارات تقلل من قدراته. ومع مرور الوقت قد يتعامل مع هذه الرسائل وكأنها حقائق ثابتة، رغم أنها في الأصل مجرد آراء أو تجارب أو أحكام قابلة للتغيير.
ولهذا فإن الوعي يمثل خطوة مهمة في عملية التغيير. فالإنسان يحتاج أولًا إلى اكتشاف الأفكار التي تتحكم في سلوكه، ثم يسأل نفسه عما إذا كانت هذه الأفكار تساعده أم تعوقه. وبعد ذلك يمكنه أن يبدأ في استبدال الأنماط غير المفيدة بأفكار أكثر توازنًا، ثم يدعم ذلك بالممارسة والعمل.
ويؤكد الكتاب بصورة واضحة على أهمية التكرار في عملية ترسيخ الأفكار الجديدة. فالعقل لا يتغير بمجرد سماع فكرة مرة واحدة، وإنما تحتاج الأفكار والسلوكيات الجديدة إلى وقت حتى تصبح جزءًا من النمط المعتاد للإنسان. ولذلك فإن الاستمرار يمثل عنصرًا أساسيًا في أي محاولة لتغيير الذات.
ومن خلال هذا الطرح، يتحول التنويم بالإيحاء من مجرد تقنية مرتبطة بالاسترخاء إلى مدخل لفهم العلاقة بين الفكر والمشاعر والسلوك. فالإنسان يفكر، ثم يشعر، ثم يتصرف، ومع تكرار النمط يمكن أن يصبح السلوك عادة. وإذا استطاع أن يغير بعض الأفكار التي تقف وراء هذا النمط، فقد يصبح أكثر قدرة على تغيير طريقة استجابته للمواقف.
لكن من المهم أيضًا التعامل مع موضوع التنويم بالإيحاء بصورة واعية، وعدم اعتباره وسيلة سحرية لحل جميع المشكلات. فالكتاب في جوهره يدفع الإنسان إلى اكتشاف قدراته الداخلية والعمل على تطويرها، وليس إلى انتظار نتائج فورية دون جهد.
وتبرز قيمة الكتاب في أنه يحاول تقديم موضوع يبدو معقدًا بلغة مبسطة، ويجعل القارئ أكثر انتباهًا إلى ما يدور داخل عقله، وإلى الأفكار التي يكررها يوميًا دون أن ينتبه إلى تأثيرها. كما يدفعه إلى التفكير في العادات والمخاوف والصور الذهنية التي تكونت لديه، وإمكانية إعادة النظر فيها.
وفي الحياة اليومية، يمكن الاستفادة من كثير من الأفكار التي يطرحها الكتاب من خلال تدريب النفس على الاسترخاء، وتنظيم الأفكار، وتحديد الأهداف، واستخدام لغة داخلية أكثر إيجابية، وتكرار السلوكيات التي يريد الإنسان أن تصبح عادات لديه. غير أن هذه الممارسات تظل أدوات مساعدة، وليست بديلًا عن العمل الحقيقي أو الاستعانة بالمتخصصين عندما تكون هناك مشكلات نفسية أو صحية تحتاج إلى تقييم وعلاج مهني.
وفي النهاية، يمكن القول إن «علم التنويم بالإيحاء» يقدم رؤية تقوم على فكرة أن الإنسان يستطيع أن يكون أكثر وعيًا بطريقة تفكيره، وأن الأفكار المتكررة لها دور في تشكيل العادات والمشاعر والسلوك. فالإنسان قد لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يراقب أفكاره وكيف يتعامل معها، وكيف يحول بعض الأفكار الجديدة إلى سلوك عملي.
والرسالة الأبرز التي يمكن الخروج بها من الكتاب هي أن تغيير الإنسان لنفسه يبدأ من داخله، لكنه لا ينتهي عند التفكير. فالفكرة تحتاج إلى اقتناع، والاقتناع يحتاج إلى ممارسة، والممارسة تحتاج إلى تكرار، والتكرار يمكن أن يتحول مع الوقت إلى عادة جديدة. ومن هنا يصبح الوعي بالعقل والإيحاء وسيلة لفهم الذات بصورة أفضل، وليس مجرد وسيلة للحصول على نتائج سريعة.
البطاقة التعريفية للكتاب
اسم الكتاب: علم التنويم بالإيحاء
التأليف: دكتور إبراهيم الفقي
الطبعة: الأولى، سبتمبر 2010م / 1431هـ
رقم الإيداع: 2010/16281
الإشراف والرؤية الفنية: محمود خليل
التجهيز الفني: أحمد علي
تصميم الغلاف: خالد هيكل
الصورة الفوتوغرافية: عنتر معوض
مقاس الكتاب: 14.5 × 21 سم
حقوق الطبع والتوزيع: محفوظة للمؤسسة







