جذور الغضب.. حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط.. الأحداث السياسية ليست بمعزل عن الاقتصاد

في كتابه «جذور الغضب: حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط»، يبحث آدم هنية في البنية الاقتصادية التي تشكلت في المنطقة خلال العقود الأخيرة، محاولا تفسير عدد من التوترات والأزمات التي شهدتها مجتمعات الشرق الأوسط من خلال النظر إلى الاقتصاد السياسي للرأسمالية، لا إلى الأحداث السياسية بمعزل عن سياقها الاقتصادي.

ينطلق الكتاب من سؤال أساسي: هل يمكن فهم الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط بعيدا عن الطريقة التي نظمت بها الاقتصادات، وعن علاقات الملكية والعمل والتجارة والاستثمار وتوزيع الثروة؟ ويقدم هنية قراءة تضع الرأسمالية في قلب التحليل، مع التركيز على كيفية تشكل اقتصادات المنطقة وعلاقتها بالنظام الاقتصادي العالمي.

لماذا كتب هذا الكتاب؟

كتب الكتاب لمحاولة البحث عن الجذور الاقتصادية العميقة للغضب الاجتماعي والسياسي في الشرق الأوسط، فالأزمات، من منظور المؤلف، لا تظهر فجأة، وإنما تتكون داخل بنى اقتصادية واجتماعية تراكمت عبر سنوات طويلة.

ويركز هنية على أن فهم المنطقة لا يكتمل بمجرد دراسة الحكومات أو الصراعات السياسية، بل يحتاج أيضا إلى دراسة التحولات التي أصابت الاقتصادات العربية، مثل الخصخصة، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتحرير الأسواق، وتدفقات رأس المال، وتوسع دور القطاع الخاص، وتغير أنماط العمل والإنتاج.

ومن خلال هذه الزاوية، يصبح السؤال عن البطالة أو الفقر أو تراجع الخدمات العامة مرتبطا بسؤال أوسع حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي ساد المنطقة، وكيف ارتبط بالاقتصاد العالمي وبمصالح الفئات المختلفة داخله.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

تاريخ تشكل الرأسمالية في الشرق الأوسط وعلاقتها بالبنية الاقتصادية العالمية.

التحولات التي طرأت على الاقتصادات العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

أثر سياسات الخصخصة والتحرير الاقتصادي وإعادة الهيكلة في المجتمعات العربية.

العلاقة بين الدولة ورأس المال والقطاع الخاص.

تأثير النفط والثروة الريعية في بنية عدد من الاقتصادات الخليجية والعربية.

دور الاستثمار الأجنبي والتجارة العالمية في إعادة تشكيل اقتصادات المنطقة.

أثر التحولات الاقتصادية في سوق العمل والطبقات الاجتماعية.

العلاقة بين تركز الثروة واتساع مشاعر التهميش والاستبعاد الاقتصادي.

محاولة تفسير بعض أسباب الغضب الذي ظهر في الاحتجاجات والحركات الاجتماعية العربية.

ويحاول الكتاب في مجمله نقل النقاش من سؤال «لماذا اندلعت الاحتجاجات؟» إلى سؤال أعمق يتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت قطاعات من المجتمعات تشعر بأن النمو الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة على حياتها اليومية.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المهتمين بالاقتصاد السياسي وتاريخ الشرق الأوسط، وبخاصة القراء الذين يريدون فهم المنطقة من خلال العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والسياسة.

كما يناسب طلاب العلوم السياسية والاقتصاد والاجتماع والتاريخ، والباحثين في قضايا التنمية والحركات الاجتماعية، وكذلك القارئ العام الذي يبحث عن تفسير يتجاوز الأخبار السياسية اليومية ويربط الأحداث بسياقاتها الاقتصادية طويلة المدى.

وقد يحتاج القارئ غير المتخصص إلى بعض الخلفية في مفاهيم الاقتصاد السياسي، لكن الكتاب يظل مناسبًا لمن يريد التعرف إلى هذا المجال وفهم كيفية استخدام الأدوات الاقتصادية في تحليل التحولات الاجتماعية والسياسية.

مميزات الكتاب

تتمثل إحدى أبرز مميزات الكتاب في أنه لا يتعامل مع اقتصاديات الشرق الأوسط باعتبارها مجموعة من الحالات المنفصلة، بل يحاول ربطها بتاريخ أوسع للرأسمالية العالمية.

كما يتميز بالتركيز على البنية الاقتصادية بدل الاكتفاء بتحليل الأحداث السياسية المباشرة، فهو يبحث في الملكية والإنتاج والعمل والتجارة والاستثمار، ويربط هذه العناصر بمسألة توزيع القوة والثروة داخل المجتمع.

ومن مميزاته أيضا الاهتمام بالفروق بين الاقتصادات العربية؛ فاقتصاد الدولة النفطية لا يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الزراعة أو الصناعة أو التحويلات أو المساعدات والاستثمار الخارجي، لذلك لا يقدم الكتاب المنطقة باعتبارها كتلة اقتصادية واحدة.

ويمنح الكتاب كذلك أهمية للعلاقة بين الاقتصاد المحلي والنظام العالمي، موضحًا أن التحولات التي شهدتها المنطقة ارتبطت بدرجات مختلفة بتغيرات أكبر في النظام الرأسمالي الدولي.

قراءة صحفية

تكمن أهمية «جذور الغضب» في محاولته تقديم تفسير اقتصادي طويل المدى لظواهر غالبًا ما تقرأ سياسيا بصورة مباشرة، فحين ترتفع معدلات البطالة أو تتراجع فرص العمل أو تتسع الفجوة بين الدخول، لا يرى الكتاب هذه الظواهر باعتبارها مجرد نتائج عرضية، وإنما يربطها بالبنية التي تنظم الاقتصاد وتحدد طريقة توزيع الموارد والفرص.

ويولي هنية اهتماما خاصا للتحول من نماذج اقتصادية كان للدولة فيها حضور واسع إلى نماذج زاد فيها الاعتماد على السوق والقطاع الخاص والاستثمار، وقد رافقت هذه التحولات، في حالات مختلفة، سياسات هدفت إلى تقليل دور الدولة في الإنتاج وتغيير نظم الدعم والإنفاق وإعادة تنظيم الأسواق.

ولا يقدم الكتاب هذه التحولات بوصفها مجرد إجراءات فنية، بل يناقش آثارها الاجتماعية والسياسية، فإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والسوق يمكن أن تغير أوضاع فئات اجتماعية كاملة، وتؤثر في فرص العمل وفي الخدمات العامة وفي قدرة الأسر على مواجهة الأزمات الاقتصادية.

ويبرز النفط بوصفه عاملا مهما في فهم المنطقة، لكنه لا يفسر كل شيء، فالثروة النفطية أثرت في شكل الدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في البلدان المنتجة، بينما ظلت دول أخرى مرتبطة بالاقتصاد العالمي من خلال التجارة أو السياحة أو التحويلات أو المساعدات أو الاستثمار الأجنبي، ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين النماذج الاقتصادية المختلفة بدل اختزال الشرق الأوسط في نموذج واحد.

ويضع الكتاب أيضًا مسألة تراكم الثروة في قلب النقاش، فالنمو الاقتصادي، في حد ذاته، لا يخبرنا بكيفية توزيع ثماره، وقد تشهد دولة ما توسعًا في بعض القطاعات الاقتصادية، بينما تواجه قطاعات من المجتمع صعوبات في الحصول على وظائف مستقرة أو خدمات عامة أو فرص اقتصادية متكافئة.

ومن هذا المنظور، يصبح «الغضب» الذي يشير إليه عنوان الكتاب نتيجة محتملة لتراكم مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وليس استجابة لحدث سياسي منفرد، ويقترح الكتاب أن قراءة الاحتجاجات والتحولات التي شهدتها المنطقة تحتاج إلى النظر إلى تاريخ طويل من إعادة تشكيل الاقتصادات وعلاقات العمل والثروة.

وتتمثل قيمة الكتاب كذلك في أنه يضع الشرق الأوسط ضمن سياق الرأسمالية العالمية، فلا يتعامل مع أزماته باعتبارها ظواهر داخلية خالصة، فالتجارة الدولية، وحركة رؤوس الأموال، وأسعار السلع، والاستثمارات العابرة للحدود، والمؤسسات الاقتصادية الدولية، كلها عناصر تؤثر بدرجات متفاوتة في الخيارات الاقتصادية المتاحة للدول.

في النهاية، لا يقدم الكتاب تفسيرًا أحاديًا لكل أزمات المنطقة، بقدر ما يقترح عدسة تحليلية تجعل الاقتصاد السياسي عنصرًا أساسيًا في فهم حاضر الشرق الأوسط، وتكمن أهميته بالنسبة للقارئ في دفعه إلى تجاوز القراءة الآنية للأحداث، والبحث عن جذورها في التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي سبقتها.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: جذور الغضب: حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط

المؤلف: آدم هنية

دار النشر: صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات.

بلد النشر: مصر

سنة النشر: 2019

عدد الصفحات: 424 صفحة

رقم الإيداع: 9789778210491

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *